قال ابن جرير : معناه وهذا كتاب أنزلناه لئلا تقولوا ﴿ إِنَّمَآ أُنزِلَ الكتاب على طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا ﴾ يعني لينقطع عذركم كقوله تعالى :﴿ ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ [ القصص : ٤٧ ] الآية، وقوله تعالى :﴿ على طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا ﴾ قال ابن عباس : هم اليهود والنصارى، وقوله :﴿ وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ﴾ أي وما كنا نفهم ما يقولون لأنهم ليسوا بلساننا ونحن في غفلة وشغل مع ذلك عما هم فيه، وقوله :﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّآ أهدى مِنْهُمْ ﴾ أي وقطعنا تعللكم أن تقولوا لو أنا نزل علينا ما أنزل عليهم لكنا أهدى منهم فيما أوتوه، كقوله :﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم ﴾ [ فاطر : ٤٢ ] الآية، وهكذا قال هاهنا :﴿ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ يقول : فقد جاءكم من الله على لسان محمد ﷺ النبي العربي قرآن عظيم، فيه بيان للحلال والحرام، وهدى لما في القلوب ورحمة من الله لعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه، وقوله تعالى :﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا ﴾ أي لم ينتفع بما جاء به الرسول ولا اتبع ما أرسل به ولا ترك غيره، بل صدف عن اتباع آيات الله أي صرف الناس وصدهم عن ذلك، قاله السدي، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة : وصدف عنها أعرض عنها، وقول السدي هاهنا فيه قوة، لأنه قال :﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا ﴾ كما تقدم في أول السورة، ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ [ الأنعام : ٢٦ ]، وقال تعالى :﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب ﴾ [ النحل : ٨٨ ] وقال في هذه الآية الكريمة :﴿ سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سواء العذاب بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ ﴾، وقد يكون المراد فيما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا ﴾ أي لا آمن بها، ولا عمل بها كقوله تعالى :﴿ فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى ولكن كَذَّبَ وتولى ﴾ [ القيامة : ٣١-٣٢ ] وغير ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه وترك العمل بجوارحه، ولكن كلام السدي أقوى وأظهر، والله أعلم.


الصفحة التالية
Icon