يقول تعالى :﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض ﴾ أي جعلكم تعمرونها جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن وخلفاً بعد سلف، كقوله تعالى :﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأرض يَخْلُفُونَ ﴾ [ الزخرف : ٦٠ ]، وكقوله تعالى :﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأرض ﴾ [ النمل : ٦٢ ]، وقوله :﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً ﴾ [ البقرة : ٣٠ ]، وقوله :﴿ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [ الأعراف : ١٢٩ ]، وقوله :﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾، أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، كقوله تعالى :﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ [ الزخرف : ٣٢ ]، وقوله :﴿ انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ [ الإسراء : ٢١ ]، وقوله تعالى :﴿ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ ﴾ أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغني في غناه، ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ :« إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء » وقوله تعالى :﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع فيمن عصاه وخالف رسله، ﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خبر وطلب. وقال محمد بن إسحاق : ليرحم العباد على ما فيهم. وكثيراً ما يقرن الله تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله :﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم ﴾ [ الحجر : ٤٩-٥٠ ] إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب. فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كل بحسبه، جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء، جواد كريم وهاب. وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً أن رسول الله ﷺ قال :« لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنة. خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه، يتراحمون بها وعند الله تسعة وتسعون »، وعنه أيضاً قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ».


الصفحة التالية
Icon