يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر، أنهم ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ ﴾ أي أصابهم ﴿ طَائِفٌ ﴾، منهم من فسره بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب، وقوله :﴿ تَذَكَّرُواْ ﴾ أي عقاب الله وجزيل ثوابه ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب، ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ أي قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وبها طيف، فقالت :« يا رسول الله إني أصرع، وأتكشف، فادع الله أن يشفيني، فقال :» إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة « فقالت : بل اصبر ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها فكانت لا تتكشف » وروي أن شاباً كان يتعبد في المسجد فهويته امرأة فدعته إلى نفسها، فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية :﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ فخر مغشياً عليه، ثم أفاق، فأعادها، فمات، فجاء عمر فعزى فيه أباه، وكان قد دفن ليلاً فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال : يا فتى ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [ الرحمن : ٤٦ ] فأجابه ألفتى من داخل القبر : يا عمر قد أعطانيهما ربي عزَّ وجلَّ في الجنة مرتين وقوله تعالى :﴿ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ أي وإخوانه الشياطين من الإنس، كقوله :﴿ إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين ﴾ [ الإسراء : ٢٧ ] وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم ﴿ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي ﴾ أي تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها عليهم وتحسنها لهم، المد : الزيادة، يعني يزيدونهم في الغي يعني الجهل والسفه، ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ قيل : معناه إن الشياطين تمد الإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك، كما قال ابن عباس : لا الإنس يقصرون عما يعملون ولا الشياطين تمسك عنهم، وقيل : معناه كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله :﴿ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾، قال : هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس ثم لا يقصرون، يقول لا يسأمون، وكذا قال السدي وغيره، يعني أنّ الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس، ولا تسأم من إمدادهم في الشر، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية، ﴿ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ لا تفتر فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى :﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ [ مريم : ٨٣ ]، قال ابن عباس وغيره : تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً.