يحرض تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين على القتال، ومناجزة الأعداء، ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه حسبهم : أي كافيهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قل عدد المؤمنين. قال ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله :﴿ ياأيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ قال : حسبك الله وحسب من شهد معك، ولهذا قال :﴿ ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال ﴾ أي حثهم وذمرهم عليه، ولهذا كان رسول الله ﷺ يحرض على القتال عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عَدَدهم وعُدَدهم :« قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض » فقال ( عمير بن الحمام ) عرضها السماوات والأرض؟ فقال رسول الله ﷺ « نعم »، فقال : بخ بخ، فقال :« ما يحملك على قولك بخ بخ »؟ قال : رجاء أن أكون من أهلها، قال :« فإنك من أهلها »، فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهن من يده، وقال : لئن أنا حييت حتى آكلهن إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه. ثم قال تعالى مبشراً للمؤمنين وآمراً :﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفاً مِّنَ الذين كَفَرُواْ ﴾ كل واحد بعشرة، ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة، قال عبد الله بن المبارك عن ابن عباس لما نزلت ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال :﴿ الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ ﴾ إلى قوله :﴿ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ قال : خفف الله عنهم من العدة ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم، وروى البخاري نحوه، وعن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ثقل على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفاً، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال :﴿ الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ﴾ الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحرزوا عنهم. وروى الحافظ ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله :﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ قال : نزلت فينا أصحاب محمد ﷺ.