يقول تعالى ذاماً للمناففقين المتخلفين عن صحابة رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وفرحوا بقعودهم بعد خرروجه ﴿ وكرهوا أَن يُجَاهِدُواْ ﴾ معهه ﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله وَقَالُواْ ﴾ - أي بعضهم لبعضض - ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر ﴾، وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا :﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر ﴾، قال الله تعالى لرسوله ﷺ :﴿ قُلْ ﴾ لهم ﴿ نَارُ جَهَنَّمَ ﴾ التي تصيرون إليها بمخالفتكم ﴿ أَشَدُّ حَرّاً ﴾ مما فررتم منه من الحر بل أشد حراً من النار، كما قال رسول الله ﷺ :« نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم »، فقالوا : يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال :« فضّلت عليها بتسعة وستين جزءاً »، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال :« إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم وضربت في البحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد » وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ :« أوقد الله على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم » وعن أنس قال :« تلا رسول الله ﷺ ﴿ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ [ التحريم : ٦ ]، قال :» أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل لا يضيء لهبها «، والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة. وقال الله تعالى في كتابه العزيز :﴿ كَلاَّ إِنَّهَا لظى * نَزَّاعَةً للشوى ﴾ [ المعارج : ١٥-١٦ ]، وقال تعالى :﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ [ الحج : ١٩-٢١ ]، وقال تعالى هنا :﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ أي لو أنهم يفقهون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر، ليتقوا به من حر جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا، ولكنهم كما قال الشاعر :
كالمستجير من الرمضاء بالنار... ثم قال تعالى جل جلاله متوعداً هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا :﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً ﴾ الآية، قال ابن عباس : الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله عزَّ وجلَّ استأنفوا بكاء لا ينقطع أبداً، وقال الحافظ الموصلي عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :» يا أيها الناس أبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم، كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفناً أزجيت فيها لجرت «.