لما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزو تكذيباً وشكاً، شرع في بيان حال المذنبين الذين لتأخروا عن الجهاد كسلاً مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال :﴿ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أخر صالحة خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه، وهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين، إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين، وقد قال ابن عباس :« نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوته، ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا ألا يحلهم إلا رسول الله ﷺ، فلما أنزل الله هذه الآية ﴿ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أطلقهم رسول الله ﷺ وعفا عنهم »، وروى البخاري عن سمرة بن جندب قال، قال رسول الله ﷺ لنا :« أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى المدينة مبنية بلبن ذهب، ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي هذه جنة عدن وهذا منزلك، قالا : وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم ».