هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع الرسول ﷺ في غزوة تبوك، عن ابن عباس في الآية :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ﴾، يقول : ما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا النبي ﷺ وحده :﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ يعني عصبة، يعني السرايا ولا يسيروا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد أنزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبي ﷺ، وقالوا : أنزل على نبيكم قرآناً، وقد تعلمناه فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، ويبعث سرايا أخرى، فذلك قوله :﴿ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين ﴾ يقول : ليعلموا ما أنزل الله على نبيهم، وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾. وقال مجاهد : نزلت هذه الآية في أناس من أصحاب النبي ﷺ خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفاً، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم : ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا، فوجدوا من أنفسهم من ذلك تحرجاً، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ، فقال الله عزّ وجلّ :﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ يبغون الخير ﴿ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين ﴾ وليستمعوا إلى ما أنزل الله، ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ الناس كلهم ﴿ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾، وقال الضحاك : كان رسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه إلا أهل الأعذار، وكان إذا أقام وأرسل السرايا لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، وكان الرجل إذا غزا فنزل بعده قرآن وتلاه نبي الله ﷺ على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ : إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ﴾، يقول : إذا أقام رسول الله ﷺ ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ يعني ذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعاً، ونبي الله ﷺ قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله فسرت السرايا وقعد معه معظم الناس. وقال عكرمة : لما نزلت هذه الآية :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ [ التوبة : ٣٩ ]، ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة ﴾ [ التوبة : ١٢٠ ] الآية، قال المنافقون : هلك أصحاب البدو والذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه، وقد كان ناس من أصحاب النبي ﷺ خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ﴾ الآية.