قد تقدم في أول التفسير، أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة، عند فواتح الأمور وخواتمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم، محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتاباً مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، واضحاً بيناً جلياً، نذيراً للكافرين بشيراً للمؤمنين، ولهذا قال :﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ أي لم يجعل فيه اعوجاجاً ولا زيغاً ولا ميلاً، بل جعله معتدلاً مستقيماً، ولهذا قال :﴿ قَيِّماً ﴾ أي مستقيماً، ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْه ﴾ أي لمن خالفه وكذبه، ولم يؤمن به، ينذهر بأساً شديداً عقوبة عاجلة في الدنيا، وآجلة في الآخرة، ﴿ مِّن لَّدُنْهُ ﴾ أي من عند الله ﴿ وَيُبَشِّرَ المؤمنين ﴾ أي بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ﴾ أي مثوبة عند الله جميلة، ﴿ مَّاكِثِينَ فِيهِ ﴾ في ثوابهم عند الله، وهو الجنة، خالدين فيه ﴿ أَبَداً ﴾ دائماً، لا زوال له ولا انقضاء، وقوله :﴿ وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً ﴾ قال ابن إسحاق : وهم مشركوا العرب، في قولهم نحن نعبد الملائكة، وهم بنات الله ﴿ وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً ﴾، أي بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه، ﴿ مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي لأسلافهم، ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً ﴾ كبرت كلمتهم هذه، وفي هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم. ولهذا قال :﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ أي ليس لها مستند سوى قولهم ولا دليل لهم عليها إلاّ كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال :﴿ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ﴾.
وقد ذكر محمد بن إسحاق في سبب نزول هذه السورة الكريمة عن ابن عباس قال :« بعثت قريش ( النضر بن الحارث ) و ( عقبة بن أبي معيط ) إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم : سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ووصفوا لهم أمره وبعض قوله وقالا : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال، فقالوا لهم : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلاّ فرجل متقول فتروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإنهم قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف، بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعون، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش، فقالا : يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور؛ فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا : يا محمد! أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله ﷺ :» أخبركم غداً عما سألتم عنه «، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا : وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة، قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاء جبرائيل عليه السلام من الله عزَّ وجلَّ بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من خبر الفتية والرجل الطواف »


الصفحة التالية
Icon