يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه ﴿ قُلْ ﴾ لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم ﴿ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾، فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق في نفس الأمر، لولا ما أطلعني الله عليه، وإنما أخبركم ﴿ أَنَّمَآ إلهكم ﴾ الذي أدعوكم إلى عبادته ﴿ إله وَاحِدٌ ﴾ لا شريك له، ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ ﴾ أي ثوابه يوجزاءه الصالح ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾ ما كان موافقاً لشرع الله، ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بدَّ أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله ﷺ، وقد روي عن طاووس قال : قال رجل : يا رسول الله! إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئاً، حتى نزلت هذه الآية ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ﴾، وجاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، فقال عبادة : ليس له شيء، إن الله تعالى يقول : أنا خير شريك، فمن كان معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه.
وروى الإمام أحمد، عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه بكى. فقيل له : ما يبكيك؟ قال شيء سمعته من رسول الله ﷺ فأبكاني. سمعت رسول الله يقول :« أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية »، قلت : يا رسول الله! أتشرك أمتك من بعدك؟ قال :« نعم، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه » ( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يرويه عن الله عزَّ وجلَّ أنه قال :« أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو للذي أشرك » ( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان من الصحابة أنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد : من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك »