يخبر الله تعالى عما يثيب به ﴿ المصدقين والمصدقات ﴾ بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة ﴿ وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ أي دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة الله، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكوراً، ولهذا قال :﴿ يُضَاعَفُ لَهُمْ ﴾ أي يقال لهم الحسنة بعشرة أمثالها، ويزاد إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك، ﴿ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ أي ثواب جزيل ومآب كريم، وقوله تعالى :﴿ والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أولئك هُمُ الصديقون ﴾ هذا تمام الجملة وصف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون، قال ابن عباس :﴿ أولئك هُمُ الصديقون ﴾ هذه مفصولة، ﴿ والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾، وقال ابو الضحى ﴿ أولئك هُمُ الصديقون ﴾. ثم استأنف الكلام، فقال :﴿ والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ ﴾، عن ابن مسعود قال : هم ثلاثة أصناف يعني :( المُصَدقين، والصديقين، والشهداء ) كما قال تعالى :﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين ﴾ [ النساء : ٦٩ ] ففرق بين الصديقين والشهداء، فدل على أنهما صنفان، ولا شك أن الصديق أعلى مقاماً من الشهيد، كما روى الإمام مالك، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال :« » إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم « قال : يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال : بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين » وقال آخرون : بل المراد من قوله تعالى :﴿ أولئك هُمُ الصديقون والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ فأخبر عن المؤمنين بالله ورسوله بأنهم صديقون وشهداء، وقوله تعالى :﴿ والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ أي في جنات النعيم كما جاء في « الصحيحين » :« إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت » الحديث. وقوله تعالى :﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾ أي لهم عند الله أجر جزيل، ونور عظيم يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال، كما قال رسول الله ﷺ :« » الشهداء أربعة : رجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدوّ فصدق الله فقتل، فذاك الذي ينظر الناس إليه، هكذا « ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوة رسول الله ﷺ وقلنسوة عمر، والثاني مؤمن لقي العدوّ فكأنما يضر ظهره بشوك الطلح جاءه سهم غرب فقتله فذاك في الدرجة الثانية، والثالث رجل مؤمن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الثالثة، والرابع رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافاً لقي العدوّ فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الرابعة » وقوله تعالى :﴿ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أولئك أَصْحَابُ الجحيم ﴾ لما ذكر السعداء ومآلهم عطف بذكر الأشقياء وبين حالهم.


الصفحة التالية
Icon