يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحاً عليه السلام، لم يرسل بعده رسولاً ولا نبياً إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، لم يرسل رسولاً إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأُخْرَى :﴿ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب ﴾ ﴿ العنكروت : ٢٧ ] حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل :{ عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ [ البقرة : ٨٧ ] الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلام عليهما، ولهذا قال تعالى :﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجيل ﴾ وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه، ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه ﴾ وهم الحواريون ﴿ رَأْفَةً ﴾ أي رقة وهي الخشية ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ بالخلق، وقوله :﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها ﴾ أي ابتدعها أمّة النصارى، ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي ما شرعناها وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، وقوله تعالى :﴿ إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله ﴾ فيه قولان ( أحدهما ) : أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة، ( والآخر ) : ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، وقوله تعالى :﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ أي فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين :( أحدهما ) : الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله، ( والثاني ) : في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة بقربهم إلى الله عزّ وجلّ. وقد روى ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ :« » يا ابن مسعود « قلت : لبيك يا رسول الله، قال :» هل علمت أن بني إسرائيل تفرقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم عليه السلام، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أُخْرَى لم تكن لها قوة بالقتال فقامت بين الملوك والجبابرة، فدعو إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أُخْرَى لم يكن لها قوة ولم تطق القيام بالقسط فلحقت بالجبال فتعبّدت وترهبت وهم الذين ذكر الله تعالى :﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ « وروى الإمام أحمد، عن إياس بن مالك أن النبي ﷺ قال :» لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمّة الجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ « وفي رواية :» لكل أمّة رهبانية، ورهبانية هذه الأُمة الجهاد في سبيل الله « وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه » أن رجلاً جاءه فقال : أوصني، فقال : سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك، أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذلك الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض «.