هذه السورة مفصولة عن التي قبلها من المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وإن كانت متعلقة بما قبلها، كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد، لأن المعنى عندهما : حبسنا عن مكة الفيل، وأهلكنا أهله ﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ﴾ أي لائتلافهم واجتماعهم في بالدهم آمنين، وقيل : المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم، لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم احترمهم ومن سار معهم آمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتاتهم وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد فكما قال الله تعالى :﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ [ العنكبوت : ٦٧ ]، ولهذا قال تعالى :﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ ﴾ بدل من الأول ومفسر له، ولهذا قال تعالى :﴿ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف ﴾ وقال ابن جرير : الصواب أن اللام لام التعجب، كأنه يقول : اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك، قال : وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان، ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال :﴿ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت ﴾ أي فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرماً آمناً وبيتاً محرماً، كما قال تعالى :﴿ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة الذي حَرَّمَهَا ﴾ [ النمل : ٩١ ] وقوله تعالى :﴿ الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ ﴾ أي هو رب البيت وهو الذي أطعمهم من جوع ﴿ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ أي تفضل عليهم بالأمن والرخص، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنماً ولا نداً ولا وثناً، ولهذا من استجاب لهذا الأمر، جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى :﴿ وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ [ النحل : ١١٢ ]، عن أُسامة بن زيد قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف ﴾ ويحكم يا معشر قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف.


الصفحة التالية
Icon