وَهُوَ خِلَافُ السِّيَاقِ.
وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -أَيْضًا-حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْد اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ كَانُوا عَشْرَةَ آلَافٍ، فَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَأَحْرَقَتْهُمْ.
وَهَذَا -أَيْضًا-إِسْرَائِيلِيٌّ مُنْكَرٌ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِمَا أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ خَلْقِ آدَمَ، فَقَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَالَتْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُمْ (١) فِي السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ، بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُمْ (٢) أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَسَأَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، فَقَالَتْ عَلَى التَّعَجُّبِ مِنْهَا: وَكَيْفَ يَعْصُونَكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ خَالِقُهُمْ!؟ فَأَجَابَهُمْ رَبُّهُمْ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ أَنْتُمْ وَمَنْ بَعْضُ مَنْ تَرَوْنَهُ لِي طَائِعًا.
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْشَادِ عَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَبِّ خَبِّرْنَا، مَسْأَلَةُ [الْمَلَائِكَةِ] (٣) اسْتِخْبَارٌ مِنْهُمْ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ فَاسْتَشَارَ الْمَلَائِكَةَ فِي خَلْقِ آدَمَ، فَقَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وَقَدْ عَلِمَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ أَكْرَهُ إِلَى اللَّهِ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فَكَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ تِلْكَ الْخَلِيقَةِ أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ وَقَوْمٌ صَالِحُونَ وَسَاكِنُو الْجَنَّةِ، قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخَذَ فِي خَلْقِ آدَمَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا اللَّهُ خَالِقٌ خَلْقًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنَّا وَلَا أَعْلَمَ مِنَّا، فَابْتُلُوا بِخَلْقِ آدَمَ، وَكُلُّ خَلْقٍ مُبْتَلًى كَمَا ابْتُلِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ بِالطَّاعَةِ فَقَالَ: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: التسبيحُ: التسبيحُ، وَالتَّقْدِيسُ: الصَّلَاةُ (٤).
وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ-وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قَالَ: يَقُولُونَ: نُصَلِّي لَكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك.

(١) في أ، و: "لها".
(٢) في أ، و: "ما أخبرها".
(٣) زيادة من جـ.
(٤) تفسير عبد الرزاق (١/٦٥).


الصفحة التالية
Icon