عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَبَحَ بَقَرَةً عَنْ نِسَائِهِ، وَكُنْ مُتَمَتِّعَاتٍ. رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدويه (٢).
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ (٣) التَّمَتُّعِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عمْران بْنِ حُصين قَالَ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ (٤) فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ لَمْ يُنزل قُرْآنٌ يُحَرّمه، وَلَمْ يُنْهَ عَنْهَا، حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَجُلٌ بِرَأيه مَا شَاءَ (٥). قَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ عُمَر. وَهَذَا الذِي قَالَهُ الْبُخَارِيُّ قَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ أَنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ التَّمَتُّعِ، وَيَقُولُ: إِنْ (٦) نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالتَّمَامِ. يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَنْهَى عَنْهَا محَرِّمًا لَهَا، إِنَّمَا كَانَ يَنْهَى عَنْهَا لِيَكْثُرَ قَصْدُ النَّاسِ لِلْبَيْتِ حَاجِّينَ وَمُعْتَمِرِينَ، كَمَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيصمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، أَيْ: فِي أَيَّامِ الْمَنَاسِكِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفة فِي الْعَشْرِ (٧)، قَالَهُ عَطَاءٌ. أَوْ مِنْ حِينِ يَحْرِمُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يجوِّز صِيَامَهَا مَنْ أَوَّلِ شَوَّالَ، قَالَهُ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَجَوَّزَ الشَّعْبِيُّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ وَقَبْلَهُ يَوْمَيْنِ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَالسُّدِّيُّ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَكَمُ، وَالْحَسَنُ، وَحَمَّادٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَالرَّبِيعُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيّان. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِذَا كَانَ يومُ عَرَفَةَ الثَّالِثُ فَقَدْ تَمَّ صَوْمُهُ وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. وَكَذَا رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ وَبَرَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ. وَكَذَا رَوَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا.
فَلَوْ لَمْ يَصُمْها أَوْ بَعْضَهَا قَبْلَ [يَوْمِ] (٨) الْعِيدِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَهُمَا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، الْقَدِيمُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يجوزُ لَهُ صِيَامُهَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: لَمْ يرَخّص فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمن (٩) إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ الهَدي (١٠). وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَعَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ﴾ ] (١١). (١٢) وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُمَا. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ فَاتَهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ صَامَهُنَّ أيام

(١) في هـ: "أبي مسلم"، والصواب ما أثبتناه من جـ، أ.
(٢) ورواه أبو داود في السنن برقم (١٧٥١) من طريق الوليد عن الأوزاعي به.
(٣) في جـ: "على مشروعية".
(٤) في أ: "آية التمتع".
(٥) صحيح البخاري برقم (٤٥١٨) وصحيح مسلم برقم (١٢٢٦).
(٦) في أ: "إنا".
(٧) في أ: "في العشرة".
(٨) زيادة من أ.
(٩) في أ: "أن يصوم".
(١٠) صحيح البخاري برقم (١٩٩٧).
(١١) زيادة من جـ، أ.
(١٢) الموطأ: (١/٤٢٦).


الصفحة التالية
Icon