قال مقاتل بن حيّان: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ يسّرنا لك يسرًا بيّنًا١
٢
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قال: «فتح مكة»١
٣
عن البراء، قال: تعدُّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحُدَيبية، كُنّا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مائة١، والحُدَيبية بئر، فنزحناها، فلم نترك فيها قَطرة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فأتاها، فجلس على شَفِيرها، ثم دعا بإناء مِن ماء، فتوضأ، ثم تمضمض، ودعا، ثم صبَّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصْدَرتنا٢ ما شئنا نحن وركابنا٣
٤
عن جابر -من طريق أبي سفيان- قال: ما كُنّا نعدّ فتح مكّة إلّا يوم الحُدَيبية١
٥
عن أنس بن مالك -من طريق شعبة، عن قتادة- في قوله: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قال: الحُدَيبية١
٦
عن أنس بن مالك -من طريق أبي جعفر، عن قتادة- في قوله: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قال: فتْح خَيْبَر١
٧
قال مجاهد بن جبر، وعطية بن سعد العَوفيّ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فتْح خَيْبَر١
٨
قال الضَّحّاك بن مُزاحِم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ بغير قتال، وكان الصُّلح من الفتح١
٩
عن عامر الشعبي -من طريق داود- ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قال: الحُدَيبية١
١٠
قال الحسن البصري: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فتح الله عليه بالإسلام١
١١
قال محمد بن إسحاق: قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: ما كان في الإسلام فتْح أعظم مِن فتْح الحُدَيبية، كانت الحرب قد حجزت بين الناس، فانقطع الدعاء، إنّما كان القتل حيث التَقوا، فلما كانت الهُدنة ووضعت الحرب أوزاراها وأمِن القومُ بعضُهم بعضًا استفاض الأمر، وتلاقوا١
١٢
قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ لم يكن فتْح أعظم مِن صُلح الحُدَيبية، وذلك أنّ المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، فتمكّن الإسلام في قلوبهم، أسلم في ثلاث سنين خلْق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام١
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ يوم الحُدَيبية ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ يعني: قضينا لك ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ يعني: قضاءً بيّنًا، يعني: الإسلام١٢
١٤
قال سفيان [بن عُيَينة]: قال ابن عباس: كنت أقرؤها، فلا أدري ما هي، حتى تزوجتُ بنت مسرج، فقالت: فتح الله بيني وبينك. تقول: قضى الله بيني وبينك١
١٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قال: إنّا قضينا لك قضاء بيّنًا١
١٦
عن ابن جُرَيج، قال: أُخبرت عن الحسن، في قوله: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾: حكَمنا لك حكمًا١
١٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قال: قضينا لك قضاءً مبينًا١
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ يعني: قضينا لك ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ يعني: قضاءً بيّنًا، يعني: الإسلام١
نزول الآيات
قولانِ
١
عن علي، قال: صلّى بنا رسولُ الله ﷺ الفجرَ ذات يوم بغَلَس، وكان يغلِّس ويُسفر، ويقول: «ما بين هذين وقت؛ لكيلا يختلف المؤمنون». فصلّى بنا ذات يوم بغَلَس، فلمّا قضى الصلاةَ التفتَ إلينا، كأن وجهه ورقة مصحف، فقال: «أفيكم مَن رأى الليلة شيئًا؟». قلنا: لا، يا رسول الله. قال: «لكني رأيت ملَكين أتياني الليلة، فأخذا بضَبْعَيّ١، فانطَلَقا بي إلى السماء الدنيا، فمررتُ بمَلك وأمامه آدميٌّ، وبيده صخرة، فيضرب بهامة الآدميّ، فيقع دماغه جانبًا، وتقع الصخرة جانبًا، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بمَلك وأمامه آدميّ، وبيد المَلك كَلُّوب٢ من حديد، فيضعه في شِدْقه الأيمن، فيشقّه حتى ينتهي إلى أُذنه، ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، قال: قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بنهر من دم يمور كمَور المِرجل، على فِيه قوم عراة، على حافّة النهر ملائكة بأيديهم مِدْرتان٣، كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة، فيقع في فِيه، ويسيل إلى أسفل ذلك النهر، قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة، توقد من تحتهم النار، أمسكتُ على أنفي من نَتْن ما أجد من ريحهم، قلتُ: مَن هؤلاء؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بتَلٍّ أسود عليه قوم مُخبَّلون٤، تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخْرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنار مُطبَقة، مُوكَّل بها ملك، لا يخرج منها شيء إلا اتّبعه حتى يعيده فيها، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بروضة، وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه، وإذا حوله الولدان، وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة، فصعِدتُ ما شاء الله من تلك الشجرة، وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوته حمراء، قلتُ: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنهر عليه جِسران من ذهب وفِضّة، على حافتي النهر منازل، لا منازل أحسن منها، من دُرّة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوتة حمراء، وفيه قدحان وأباريق تَطَّرد، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: انزل. فنزلتُ، فضربتُ بيدي إلى إناء منها، فغرفتُ ثم شربتُ، فإذا أحلى من عسل، وأشدّ بياضًا من اللبن، وألين من الزُّبْد. فقالا لي: أمّا صاحب الصخرة التي رأيتَ يَضرِب بها هامة الآدميّ فيقع دماغه جانبًا وتقع الصخرة في جانب، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة، ويصلّون الصلاة لغير مواقيتها، يُضربون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا صاحب الكَلُّوب الذي رأيتَ مَلكًا مُوكَّلًا بيده كَلُّوب من حديد يشقّ شِدْقه الأيمن حتى ينتهي إلى أُذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم، فهم يُعذَّبون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا ملائكة بأيديهم مِدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة فتقع في فِيه فينتقل إلى أسفل ذلك النهر، فأولئك أكَلَة الرِّبا، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار، وأَمّا البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار، أمسكتَ على أنفك من نَتْن ما وجدتَ من ريحهم، فأولئك الزُّناة، وذلك نَتْن فروجهم، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا التلّ الأسود الذي رأيتَ عليه قومًا مُخبَّلين تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم، فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط؛ الفاعل والمفعول به، فهم يُعذَّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا النار المُطبقة التي رأيت مَلكًا مُوكَّلًا بها كلما خرج منها شيء اتّبعه حتى يعيده فيها، فتلك جهنم تُفرِّق بين أهل الجنة وأهل النار. وأَمّا الروضة التي رأيتها، فتلك جنة المأوى. وأَمّا الشيخ الذي رأيتَ ومَن حوله من الولدان، فهو إبراهيم وهم بنوه. وأَمّا الشجرة التي رأيتَ فطلعتَ إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجدة خضراء، وياقوتة حمراء، فتلك منازل أهل علِّيين من النّبيّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا. وأَمّا النهر، فهو نهرك الذي أعطاك الله؛ الكوثر، وهذه منازلك وأهل بيتك. قال: فنوديت من فوقي: يا محمد، يا محمد، سل تُعطه. فارتعدتْ فرائصي، ورجف فؤادي، واضطرب كل عضو مني، ولم أستطع أنْ أجيب شيئًا، فأخذ أحد المَلكين يده اليمنى فوضعها في يدي، وأخذ الآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي، فسكن ذلك مني، ثم نوديت من فوقي: يا محمد، سل تُعطه. قال: قلت: اللهم، إني أسألك أن تُثْبِت شفاعتي، وأنْ تُلْحق بي أهل بيتي، وأنْ ألقاك ولا ذنب لي». قال: «ثم ولي بي». ونزلت عليه هذه الآية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾، فقال رسول الله ﷺ: «فكما أُعطيتُ هذه كذلك أعطانيها -إن شاء الله تعالى-»٥
٢
عن أنس بن مالك، في قوله: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قال: نزلتْ على النبي ﷺ مرجعه من الحُدَيبية، وقد حيل بينهم وبين نُسكهم، فنَحر الهَدْيَ بالحُدَيبية، وأصحابه مخالِطو الكآبة والحزن، فقال: «لقد أُنزلت عليَّ آية أحبّ إليّ من الدنيا جميعًا». فقرأ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ إلى قوله: ﴿عَزِيزًا﴾١