قال يحيى بن سلّام: قال جابر بن عبد الله: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾ هذه أول آية نزلت على النبي، والعامّة على أنّ أول ما نَزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾١٢
٢
قال ابن هشام: حَدَّثني بعض أهل العلم: أنّ أشدّ ما لقي رسول الله ﷺ من قريش أنه خرج يومًا فلم يَلقه أحد من الناس إلا كَذَّبه وآذاه، لا حرٌّ ولا عبدٌ، فرجع رسول الله ﷺ إلى منزله، فتَدثَّر من شدّة ما أصابه؛ فأَنزل الله تعالى عليه: ﴿يا أيها المُدَّثِّر قم فأنذر﴾١
٣
عن يحيى بن أبي كَثِير، قال: سألتُ أبا سَلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نَزَل من القرآن. فقال: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾. قلتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فقال أبو سَلمة: سألتُ جابر بن عبد الله عن ذلك، قلتُ له مثل ما قلتَ، قال جابر: لا أُحدِّثك إلا ما حَدَّثنا رسول الله ﷺ، قال: «جاورتُ بحِراء، فلمّا قَضيتُ جواري هبَطتُ، فنُوديتُ، فنَظرتُ عن يميني، فلم أرَ شيئًا، ونظرتُ عن شمالي، فلم أرَ شيئًا، ونظرتُ خلفي، فلم أرَ شيئًا، فرفعتُ رأسي فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثْتُ١ منه رُعبًا، فرجعتُ فقلتُ: دَثِّروني، فدَثَّروني»، فنزلت: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾٢٣
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن أبي مُلَيْكَة-: أنّ الوليد بن المُغيرة صَنع لقريش طعامًا، فلمّا أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر. وقال بعضهم: ليس بساحر. وقال بعضهم: كاهن. وقال بعضهم: ليس بكاهن. وقال بعضهم: شاعر. وقال بعضهم: ليس بشاعر. وقال بعضهم: سحرٌ يُؤثر. فاجتمع رأيهم على أنه سحرٌ يُؤثر، فبَلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فحَزن، وقنَّع رأسه، وتَدثّر؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾ إلى قوله: ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾١
٥
عن إبراهيم النَّخَعي -من طريق المُغيرة- ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، قال: كان مُتَدَثِّرًا في قَطيفة، وذُكر أنّ هذه الآية أول شيء نَزل من القرآن على رسول الله ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾١
٦
عن محمد ابن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- قال: فَتَر الوحيُ عن رسول الله ﷺ فَتْرةً، فحَزِن حُزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رؤوس الجبال ليَتَردّى منها، فكلّما أوفى بذُروة جبل تبَدّى له جبريل عليه السلام، فيقول: إنّك نبي الله. فيَسكن لذلك جأْشه، وتَرجع إليه نفسه؛ فكان النبي ﷺ يُحدِّث عن ذلك، قال: «فبينما أنا أمشي يومًا إذ رأيتُ المَلَك الذي كان يأتيني بحِراء على كرسي بين السماء والأرض، فجُثِثْتُ١ منه رُعبًا، فرَجعتُ إلى خديجة، فقلتُ: زَمِّلُوني». فزَمَّلناه، أي: فدَثَّرناه؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر قُمْ فَأَنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال الزُّهريّ: فكان أول شيء أُنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾٢٣
٧
عن محمد ابن شهاب الزُّهريّ أنه قال:... ويزعم ناسٌ أنّ ﴿يا أيها المُدَّثِّر﴾ أول سورة أُنزِلَتْ عليه، والله أعلم١
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، يعني: النبي ﷺ، وذلك أنّ كفار مكة آذَوه، فانطَلق إلى جبل حِراء ليتوارى عنهم، فبينما هو يمشي إذ سمع مناديًا يقول: يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا وإلى السماء، فلم يرَ شيئًا، فمَضى على وجهه، فنُودي الثانية: يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا ومن خلفه، فلم يرَ شيئًا إلا السماء، ففَزع، وقال: لعلّ هذا شيطان يدعوني. فمَضى على وجهه، فنودي في قفاه: يا محمد، يا محمد. فنظر خلفه وعن يمينه وعن شماله، ثم نظر إلى السماء، فرأى مثل السرير بين السماء والأرض، وعليه دَرْبوكة١ قد غَطَّت الأُفُق، وعليه جبريل عليه السلام مثل النور المتوقِّد يتلألأ، حتى كاد أن يَغشى البصر، ففَزع فزعًا شديدًا، ثم وقَع مغشيًّا عليه، ولبث ساعة، ثم أفاق، فقام يمشي -وبه رِعْدة شديدة، ورِجلاه تَصطكّان- راجعًا حتى دخل على خديجة، فدعا بماء، فصَبّه عليه، فقال: دثِّروني. فدَثَّروه بقَطيفة حتى استدفأ، فلمّا أفاق قال: لقد أشفقتُ على نفسي. قالت له خديجة: أبشِر، فواللهِ، لا يسوءُك الله أبدًا؛ لأنك تَصدق الحديث، وتَصِل الرَّحِم، وتَحمل الكَلّ، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الخير. فأتاه جبريل عليه السلام وهو مُتَقنِّع بالقَطيفة، فقال: يا أيها المُتَدَثِّر بقَطيفته، المُتَقَنِّع فيها٢
تفسير
٦ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، قال: دُثِّرْتَ هذا الأمرَ، فقُم به١
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، قال: النائم١
٣
عن إبراهيم النَّخَعي-من طريق المغيرة- ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، قال: كان مُتَدَثِّرًا في قَطيفة، يعني: شَملة صغيرة الخَمْلِ١
٤
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق داود- في قوله: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، أنه قال: دُثِّرْتَ هذا الأمر فقُم به١
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، قال: المُتَدَثِّر في ثيابه١
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾ يعني: النبي ﷺ... أتاه جبريل عليه السلام وهو مُتَقنِّع بالقَطيفة، فقال: يا أيها المُتَدَثِّر بقَطيفته، المُتَقَنِّع فيها١