عن عائشة، أنّ رسول الله ﷺ اعتكف هو وخديجة شهرًا، فوافق ذلك رمضان، فخرج رسول الله ﷺ، وسمع: السلام عليكم. قالت: فظننتُ أنها فجأة الجنّ. فقال: «أبشِروا، فإنّ السلام خير». ثم رأى يومًا آخر جبريل على الشمس، له جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، قال: «فهِبتُ منه». فانطلق يريد أهله، فإذا هو بجبريل بينه وبين الباب، قال: «فكلَّمني حتى أنستُ به، ثم وعدني موعدًا، فجئتُ لموعده، واحتبس عليّ جبريل». فلما أراد أن يرجع إذا هو به وبميكائيل، فهبط جبريل إلى الأرض وميكائيل بين السماء والأرض، قال: «فأخذني جبريل، فصلَقني لحُلاوة القفا١، وشقَّ عن بطني، فأخرج منه ما شاء الله، ثم غسله في طَسْتٍ من ذهب، ثم أعاده فيه، ثم كفأني كما يُكفأ الإناء، ثم ختم في ظهري حتى وجدتُ مسّ الخاتم، ثم قال لي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ولم أقرأ كتابا قطّ، فأخذ بحَلْقي حتى أجهشتُ بالبكاء، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾». قال: «فما نسيتُ شيئًا بعد، ثم وزَنني برجل فوَزَنتُه، ثم وزَنني بآخر فوَزَنتُه، ثم وزَنني بمائة، فقال ميكائيل: تتبعه أُمّته، وربّ الكعبة». قال: «ثم جئتُ إلى منزلي، فما تلقّاني حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك، يا رسول الله، حتى دخلتُ على خديجة، فقالت: السلام عليك، يا رسول الله»٢
٢
عن عائشة أم المؤمنين -من طريق عروة- أنها قالت: أول ما بُدِئ به رسولُ الله ﷺ مِن الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن يَنزِع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوّد لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه المَلك، فقال: اقرأ. قال: «قلتُ: ما أنا بقارئ». قال: «فأخذني، فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسَلني، فقال: اقرأ. فقلتُ: ما أنا بقارئ». قال: «فأخذني، فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسَلني، فقال: اقرأ. فقلتُ: ما أنا بقارئ. فأخذني، فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسَلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآية. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خُوَيلِد، فقال: «زمِّلوني، زمِّلوني». فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع١، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيتُ على نفسي». فقالت خديجة: كلا، واللهِ، ما يُخزيك الله أبدًا؛ إنّك لَتَصِل الرَّحِم، وتحمل الكلَّ٢، وتَكسِب المعدوم٣، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق. فانطلقتْ به خديجة حتى أتتْ ورَقة بن نَوْفل بن عبد العُزّى -ابن عم خديجة-، وكان امرءًا قد تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العِبْرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعِبْرانيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع مِن ابن أخيك. فقال له ورَقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني أكون فيها جَذعًا، يا ليتني أكون فيها حيًّا إذا يُخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ: «أوَمخرجيّ هم؟». قال: نعم، لم يأتِ رجل قطّ بمثل ما جئتَ به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم يَنشب ورَقة أن تُوفِّي، وفتَر الوحي. قال ابن شهاب: وأخبَرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنّ جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يُحدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي إذ سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعتُ بصري، فإذا المَلك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرُعِبتُ منه، فرجعتُ، فقلتُ: زَمِّلوني. فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر:١-٥]، فحمي الوحي وتتابع»٤
٣
عن عبد الله بن شدّاد -من طريق سليمان الشيباني- قال: أتى جبريلُ محمدًا ﷺ، فقال: يا محمد، اقرأ. فقال: «وما أقرأ؟». فضمّه، ثم قال: يا محمد، اقرأ. قال: «وما أقرأ؟». قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾. فجاء إلى خديجة، فقال: «يا خديجة، ما أراه إلا قد عُرض١ لي». قالت: كلا، واللهِ، ما كان ربّك يفعل ذلك بك، وما أتيتَ فاحشة قطّ. فأتتْ خديجة ورَقة، فأخبرتْه الخبر، قال: لئن كنتِ صادقة إنّ زوجك لنبيّ، وليَلقيَنّ من أُمّته شدة، ولئن أدركتُه لأومننّ به. قال: ثم أبطأ عليه جبريل، فقالت له خديجة: ما أرى ربّك إلا قد قلاك. فأنزل الله: ﴿والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى:١-٣]٢
٤
عن وهب بن كيسان، أنه سمع عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما يسأل عُبَيد بن عُمَير الجندعي عن بُدُوِّ أمر رسول الله ﷺ. قال عُبيد: كان ﷺ يجاور بحراء مِن كلّ سنة شهرًا، ويُطعم مَن جاءه من المشركين، فإذا قضى جواره لم يَصِل إلى بيته حتى يطوف بالكعبة، فبينا رسول الله ﷺ بحراء، وكان يقول: «لم يكن من الخَلْق شيء أبغض إليّ مِن شاعر أو مجنون، كنتُ لا أطيق النظر إليهما، فلما ابتدأني الله عز وجل بكرامته أتاني رجل في كفّه نمط مِن ديباج، فيه كتاب، وأنا نائم، فقال: اقرأ. فقلتُ: وما أقرأ؟ فغطّني حتى ظننتُ أنه الموت، ثم كشط عني، فقال: اقرأ. فقلتُ: وما أقرأ؟ فعاد لي مثل ذلك، فقال: اقرأ. فقلتُ: وما أقرأ؟ فعاودني بمثل ذلك، فقلتُ: أنا أُمِّيٌّ. ولا أقولها إلا تنحيًّا مِن أن يعود لي بمثل الذي فعل بي، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق﴾ إلى قوله: ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾. انتهى كما كان يصنع بي». قال: «ففزعتُ، فكأنما صوّر في قلبي كتابًا، فقلتُ: إنّ الأبعد -يعني: نفسه- لشاعر أو مجنون، فقلت: لا تَحَدَّثُ عني قريشٌ بهذا، لأعمدنّ إلى حالق مِن الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلها. فخرجتُ وما أريد غير ذلك، فبينا أنا عامد لذلك إذ سمعتُ مناديًا ينادي مِن السماء: يا محمد، أنتَ رسول الله، وأنا جبريل. فذهبتُ أرفع رأسي، فإذا رجل صافٌّ قدميه في أُفُق السماء، فوقفتُ لا أقدر على أنْ أتقدّم ولا أتأخّر، وما أصرف وجهي في ناحية من السماء إلا قد رأيتُه، حتى بعثتْ خديجة رضي الله عنها إليّ رسلها في طلبي، ورجعوا إليها»...١
٥
عن ابن إسحاق، قال: حدّثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي -وكان واعية- عن بعض أهل العلم، نحوه مطولًا١
٦
عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب: أنّ أول ما رأى النبي ﷺ أنّ الله عز وجل أراه رؤيا في المنام، فشقّ ذلك عليه، فذكرها رسول الله ﷺ لامرأته خديجة بنت خُوَيْلد بن أسد، فعصمها الله عز وجل من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشِر، فإنّ الله عز وجل لن يصنع بك إلا خيرًا. ثم إنه خرج من عندها، ثم رجع إليها، فأخبرها أنه رأى بطنه شُقّ، ثم طُهِّر وغُسِل، ثم أعيد كما كان. قالت: هذا -والله- خيرٌ، فأبشِر. ثم استعلن له جبريل عليه السلام وهو بأعلى مكة، فأجلسه على مجلس كريم مُعجب كان النبي ﷺ يقول: «أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك١، فيه الياقوت واللؤلؤ». فبشّره برسالة الله عز وجل حتى اطمأن النبي ﷺ، فقال له جبريل عليه السلام: اقرأ. فقال: «كيف أقرأ؟». قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق:١-٥]، ويزعم ناس أنّ ﴿يا أيها المدثر﴾ أول سورة أُنزِلَتْ عليه، والله أعلم٢
تفسير
٣ أقوال
١
قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ يعني: الخلائق١
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ يعني: الواحد ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ يعني: الإنسان١.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ هي النُّطفة التي تكون عشرين ليلة، ثم تصير ماءً ودمًا، فذلك العلق١