تفسير
٨٩ قولًاعن ابن أبي نَجِيح -من طريق شِبْل- قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، قال: اشترى ما يُفَرِّق به بين المرء وزوجه١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، يقول: لقد علمت اليهود في التوراة لَمَن اختار السحر١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾، قال: قد علمت يهودُ أنّ في كتاب الله في التوراة: أنّ مَن اشترى السحر وترك دين الله ما له في الآخرة من خَلاق، ومَن لم يكن له خَلاق فالنار مثواه ومأواه١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيج- في قوله: ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾، قال: قِوام١
عن عبد الله بن عباس -من طريق قيس بن عَبّاد- في قوله: ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾، قال: من نصيب١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾. قال: من نصيب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت وهو يقول: يَدْعُون بالوَيْلِ فيها لا خَلاق لهم إلا سَرابِيل من قِطْرٍ وأغلال١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾، قال: من نصيب١
عن الحسن البصري -من طريق مَعْمَر- ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾، قال: ليس له دين١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿وما له في الآخرة من خلاق﴾، قال: ليس له في الآخرة جَنَّة عند الله١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾: من نصيب١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾، يقول: ما لَه في الآخرة من نصيب. نظيرها في براءة قوله سبحانه: ﴿فاستمتعتم بخلاقكم﴾ [التوبة:٦٩]، وكقوله: ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾ [آل عمران:١٧٧]، يعني: نصيب١
قال سفيان -من طريق وكيع-: سمعنا في قوله: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ أنّه ما له في الآخرة من نصيب١٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿ولبئس ما شروا﴾، قال: باعوا١
عن الحسن البصري: لو كانوا علماء أتقياء ما اختاروا السحر١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولبئس ما شروا﴾ يقول: باعوا به أنفسهم من السحر، ﴿لو﴾ يعني: إن ﴿كانوا يعلمون﴾، ولكنهم لا يعلمون١
عن عبد الله بن عباس -من طريق خُصَيْف، عن مجاهد وعكرمة- قال: الملكان يعلمان الناس الفُرْقَة١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، قال: يُؤَخِّذون١ أحدهما عن صاحبه، ويُبَغِّضون أحدهما إلى صاحبه٢٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، والفُرْقَة: أن يُؤَخَّذ الرجل عن امرأته١٢
عن الحسن البصري -من طريق سَلّام بن مسكين- في قوله: ﴿وما هم بضارين به من أحد الا بإذن الله﴾، قال: لا يَضُرُّ هذا السحرُ إلا من دخل فيه١
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- قوله: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾، قال: نعم، مَن شاء اللهُ سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضُرَّ أحد إلا بإذن الله، كما قال الله -تبارك وتعالى-١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما هم بضارين﴾ يعني: السحرة ﴿به من أحد﴾ يعني: بالسحر ﴿من أحد إلا بإذن الله﴾ في ضُرِّه١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة- ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾، أي: بتَخْلِية الله بينه وبين ما أراد١
عن سفيان [الثوري] -من طريق ابن المبارك- في قوله: ﴿إلا بإذن الله﴾، قال: بقضاء الله١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويتعلمون ما يضرهم﴾ فيتعلمون السحر من الشياطين، والفرقة من هاروت وماروت ﴿ولا ينفعهم﴾١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾، قال: لمن اشترى ما يفرق به بين المرء وزوجه١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، أي: لَمَنِ اسْتَحَبَّه١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ولقد علموا﴾، قال: لقد عَلِم أهلُ الكتاب فيما يقرؤون من كتاب الله، وفيما عُهد لهم: أنّ الساحر لا خَلاق له عند الله يوم القيامة١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، نحو ذلك١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾، يعني: اليهود. يقول: لقد عَلِمَت اليهود أنّ مَن تعلمه واختاره ما له في الآخرة من خَلاق١
عن عبيد الله بن عبد الله -من طريق الزهري- في هذه الآية: كانا مَلَكَيْن من الملائكة، فأُهْبِطا ليحكما بين الناس؛ وذلك أن الملائكة سَخِروا من حُكّام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فَحافا لها١، ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك، وخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: وأما شأن هاروت وماروت؛ فإن الملائكة عَجِبت من ظُلْم بني آدم وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم: اختاروا منكم مَلَكَيْن أُنزِلُهما في الأرض بين بني آدم. فاختاروا -فلم يَأْلوا- هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعَجِبْتُما من بني آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم؟ وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراءَ وراءَ، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودَعا كذا وكذا. فأمرهما بأمر، ونهاهما، ثم نزلا على ذلك، ليس أحدٌ أطوعَ لله منهما، فحَكَما فعَدَلا، فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عَرَجا وكانا مع الملائكة، وينزلان حين يُصْبِحان فيحكمان فيعدلان، حتى أُنزِلت عليهما الزُّهْرَةُ في أحسن صورة امرأة تُخاصم، فقضيا عليها، فلما قامت وجَد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدتَ مثل ما وجدتُ؟ قال: نعم. فبعثا إليها: أن ائْتِينا نَقْضِ لك. فلَمّا رجعت قالا لها -وقَضَيا لَها-: ائْتِينا. فأتتهما، فكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولَذَّتها، فلما بلغا ذلك واسْتَحَلّاه وافْتَتَنا طارت الزُّهْرَة، فرجعت حيث كانت، فلما أمسيا عَرَجا، فزُجِرا، فلم يُؤْذَن لهما، ولم تحملْهما أجنحتُهما، فاستغاثا برجل من بني آدم، فأتياه، فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهلُ الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يومًا يدعو لهما، فدعا لهما، فاستجيب له، فخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقالا: نعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخُلْد، نعم، ومع الدنيا سبع مرات مثلها. فأُمِرا أن يَنزِلا ببابل، فثَمَّ عذابُهما، وزعم أنهما مُعَلَّقان في الحديد، مَطْوِيّان، يَصْطَفِقان بأجنحتهما١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-: أنّه كان من أمْرِ هاروت وماروت أنهما طَعَنا على أهل الأرض في أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت ابن آدم عشرًا من الشهوات، فبها يعصونني. قال هاروت وماروت: ربنا، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لَحَكَمْنا بالعدل. فقال لهما: انزِلا، فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دُنباوَند، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عَرَجا، فإذا أصبحا هَبَطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما حسنها، واسمها بالعربية: الزُّهَرة، وبالنبطية: بَيْذَخَت، واسمها بالفارسية: أناهِيذ، فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني. فقال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا نرجو رحمة الله. فلما جاءت تُخاصِمُ زوجَها ذكرا إليها نفسَها، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خَرِبَةً مِنَ الخِرَب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء؟ وبأي كلام تنزلان منها؟ فأخبراها، فتكلمت فصعدت، فأنساها الله ما تَنزِل به، فبقيت مكانها، وجعلها الله كوكبًا -فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها، وقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت-، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا، فلم يستطيعا، فعرفا الهَلَكَة، فخُيِّرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا من عذاب الآخرة، فعُلِّقا ببابل، فجعلا يكلمان الناس كلامهما، وهو السحر١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: لَمّا وقع الناسُ من بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: أي ربِّ، هذا العالَمُ إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، وقد رَكِبوا الكفرَ، وقتلَ النفس الحرام، وأكلَ المال الحرام، والسرقةَ، والزنا، وشربَ الخمر. فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم، فقيل لهم: إنهم في غيب، فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم مَلَكَيْن، آمرهما بأمري، وأنهاهما عن معصيتي. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، وجُعِلَ بهما شهوات بني آدم، وأُمِرا أن يعبدا الله، ولا يشركا به شيئًا، ونُهِيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فلَبِثا على ذلك في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمان إدريس، وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في سائر الناس كحُسْنِ الزُّهْرَة في سائر الكواكب، وأنها أتت عليهما، فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، وأنها أبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، وأنهما سألاها عن دينها الذي هي عليه، فأخرجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا فصبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها، فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، فقالت: لا، إلا أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث؛ إما أن تعبدا الصنم، أو تقتلا النفس، أو تشربا هذه الخمر. فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون الثلاثة شرب الخمر. فسقتهما الخمر، حتى إذا أخذت الخمرة فيهما وقعا بها، فمَرَّ إنسان وهما في ذلك، فخشيا أن يُفْشِيَ عليهما فقَتَلاه، فلما أن ذهب عنهما السُّكْرُ عرفا ما قد وقعا فيه من الخطيئة، وأرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا، وكُشِف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب، وعرفوا أنه من كان في غَيْبٍ فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة، قيل لهما: اختارا عذابَ الدنيا، أو عذاب الآخرة. فقالا: أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا ببابل، فهما يعذبان١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق قيس بن عَبّاد- قال: إنّ هاروت وماروت أُهْبِطا إلى الأرض، فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نَهَياه أشد النَّهْيِ، وقالا له: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾. وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان، فعرفا أنّ السحر من الكفر، فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلَّمه، فإذا تعلمه خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء١
عن الحسن البصري -من طريق أبي صالح [الهذيل بن حبيب]- في قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل﴾، قال: وكان هاروت وماروت مطيعين لله عز وجل، هبطا بالسحر ابتلاء من الله لخلقه، وعهد إليهما عهدًا أن لا يُعَلِّما أحدًا سحرًا حتى يقولا له مقدمة: ﴿إنما نحن فتنة﴾ يعني: محنة وبلوى، ﴿فلا تكفر﴾ فإذا أبى عليهما إلا تعليم السحر قالا له: اذهب إلى موضع كذا وكذا، فإنك إذا أتيته وفعلت كذا وكذا كنت ساحرًا١
عن قتادة بن دعامة، والحسن البصري -من طريق سعيد- قالا: كانا يُعَلِّمان السحر، فأخذ عليهما أن لا يُعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إنما نحن فتنة﴾، قال: بلاء١٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: إذا أتاهما -يعني: هاروت وماروت- إنسانٌ يريد السحر وعَظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة. فإن أبى قالا له: ائْت هذا الرماد فبُلْ عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور يسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان، وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكلِّ شيء منه، فذلك غضبُ الله، فإذا أخبرهما بذلك عَلَّماه السحر، فذلك قول الله: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ الآية١
وقال محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر-: لا يُعَلِّمان إلا الفُرْقَة، وأُخِذَ عليهما أن لا يُعَلِّما أحدًا حتى يتقدما إليه ويقولا له: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، وذلك أنّ هاروت وماروت يصنعان من السحر الفُرْقَةَ١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- قال: أخذ الميثاق عليهما أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾. لا يجترئ على السحر إلا كافرٌ١٢
عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: «لعن الله الزُّهْرَة؛ فإنها هي التي فتنت المَلَكَيْن هاروت وماروت»١
عن عبد الله بن عمر -من طريق موسى بن جُبَير عن نافع-، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّ آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي ربِّ، أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك! قال: إني أعلم ما لا تعلمون. قالوا: ربَّنا، نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله للملائكة: هَلُمُّوا مَلَكَيْن من الملائكة حتى نُهْبِطَهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان. فقالوا: رَبَّنا، هاروت وماروت. قال: فأُهبِطا إلى الأرض، فتمثلت لهما الزُّهْرَة، امرأةٌ من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تَكَلَّما بهذه الكلمة من الإشراك. قالا: لا، واللهِ، لا نشرك بالله أبدًا. فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبيٍّ تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تقتلا هذا الصبي. قالا: لا، والله، لا نقتله أبدًا. فذهبت، ثم رجعت بقَدَح من خمر تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تشربا هذا الخمر. فشَرِبا، فسَكِرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلَمّا أفاقا قالت المرأة: والله، ما تركتما شيئًا أبيتماه إلاّ قد فعلتماه حين سَكِرْتُما. فخُيِّرا عند ذلك بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا»١
عن ابن عمر-من طريق موسى بن جُبير عن موسى بن عقبة، عن سالم-، قال: قال رسول الله ﷺ: «أشْرَفَتِ الملائكةُ على الدنيا، فرأت بني آدم يعصون، فقالت: يا رب، ما أجهل هؤلاء، ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك. فقال الله: لو كنتم في مِسْلاخِهم لَعَصَيْتُموني. قالوا: كيف يكون هذا، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال: فاختاروا منكم ملكين. فاختاروا هاروت وماروت، ثم أُهْبِطا إلى الأرض، ورُكِّبَت فيهما شهواتُ بني آدم، ومُثِّلَتْ لهما امرأة، فما عُصِما حتى واقَعا المعصية، فقال الله: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فنظر أحدهما إلى صاحبه، قال: ما تقول فاختر. قال: أقول: إن عذاب الدنيا ينقطع، وإن عذاب الآخرة لا ينقطع. فاختارا عذاب الدنيا، فهما اللذان ذكر الله في كتابه: ﴿وما أنزل على الملكين﴾» الآية١
عن نافع -من طريق معاوية بن صالح - قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع، انظر هل طلعت الحمراء؟ قلت: لا. مرتين أو ثلاثًا، ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا. قلت: سبحان الله! نجم مُسَخَّر سامع مطيع! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ، قال: «إنّ الملائكة قالت: يا رب، كيف صبرُك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافَيْتُكُم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عَصَيْناك. قال: فاختاروا مَلَكَيْن منكم. فلم يَأْلُوا جُهْدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فنزلا، فألقى الله عليهم الشَّبَق -قلت: وما الشَّبَق؟ قال: الشهوة-، فجاءت امرأة يقال لها: الزُّهْرَة، فوقعت في قلوبهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخَر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم. فطلباها لأنفسهما، فقالت: لا أُمَكِّنُكُما حتى تُعَلِّماني الاسمَ الذي تَعْرُجان به إلى السماء وتَهْبِطانِ. فأَبَيا، ثم سألاها أيضًا، فأبت، ففَعَلا، فلما اسْتُطِيرَت طَمَسَها الله كوكبًا، وقَطَع أجنحتهما، ثم سألا التوبةَ من ربهما، فخَيَّرهما، فقال: إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه، فإذا كان يوم القيامة عذبتكما، وإن شئتما عذبتكما في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه. فقال أحدهما لصاحبه: إنّ عذاب الدنيا ينقطع ويزول. فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فأوحى الله إليهما: أنِ ائْتِيا بابل. فانطلقا إلى بابل، فخُسِف بهما، فهما منكوسان بين السماء والأرض، مُعَذَّبان إلى يوم القيامة»١
عن علي بن أبي طالب -من طريق عُمَيْر بن سعيد- قال: إنّ هذه الزُّهْرَة تُسَمِّيها العرب الزُّهَرة، والعجم: أناهِيذ، وكان المَلَكان يحكمان بين الناس، فأتتهما، فأرادها كل واحد منهما عن غير علم صاحبه، فقال أحدهما: يا أخي، إن في نفسي بعض الأمر أريد أن أذكره لك. قال: اذكره، لعلَّ الذي في نفسي مثل الذي في نفسك. فاتفقا على أمرٍ في ذلك، فقالت لهما المرأة: ألا تُخْبِراني بما تصعدان به إلى السماء، وبما تهبطان به إلى الأرض! فقالا: باسم الله الأعظم. قالت: ما أنا بمُؤاتِيتُكُما حتى تُعَلِّمانِيهِ. فقال أحدهما لصاحبه: علمها إياه. فقال: كيف لنا بشدة عذاب الله؟! قال الآخر: إنا نرجو سعة رحمة الله. فعلمها إياه، فتكلمت به، فطارت إلى السماء، ففزع مَلَك في السماء لصعودها؛ فطَأْطَأ رأسه، فلم يجلس بعد، ومسخها الله فكانت كوكبًا١٢
عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر في سفر، فقال لي: ارْمُق الكوكبة، فإذا طلعت أيْقِظْني. فلما طلعت أيْقَظْتُه، فاستوى جالسًا، فجعل ينظر إليها ويسبها سبًّا شديدًا، فقلت: يرحمك الله، أبا عبد الرحمن، نجم سامع مطيع، ما لَه يُسَبُّ؟! فقال: ها، إنّ هذه كانت بَغِيًّا في بني إسرائيل، فلقي المَلَكان منها ما لقيا١٢
عن مجاهد، قال: كنت نازلًا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر، طلعت الحمراء؟ لا مرحبًا بها، ولا أهلًا، ولا حَيّاها الله، هي صاحبة المَلَكَيْن؛ قالت الملائكة: رب، كيف تَدَعُ عُصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟! قال: إني قد ابتليتهم، فلعلِّي إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا. قال: فاختاروا مِن خِياركم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني مُهْبِطُكما إلى الأرض، وعاهد إليكما: ألّا تُشْرِكا، ولا تَزْنِيا، ولا تَخُونا. فأُهْبِطا إلى الأرض، وأُلْقِي عليهما الشَّبَق، وأُهْبِطَت لهما الزُّهْرَة في أحسن صورة امرأة، فتعرضت لهما؛ فأراداها عن نفسها، فقالت: إني على دين لا يصلح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله. قالا: وما دينك؟ قالت: المجوسية. قالا: الشرك! هذا شيء لا نقربه. فمكثت عنهما ما شاء الله، ثم تعرضت لهما، فأراداها عن نفسها، فقالت: ما شئتما، غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يَطَّلِع على هذا مِنِّي فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما أن تصعدا بي إلى السماء، فعلت. فأقَرّا لها بدينها، وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا إلى السماء اخْتُطِفَت منهما، وقُطعَت أجنحتهما، فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبيٌّ يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب، فقالا: لو أتينا فلانًا فسألناه يطلب لنا التوبة. فأتياه، فقال: رحمكما الله، كيف يطلب أهل الأرض لأهل السماء. قالا: إنا قد ابتُلِينا. قال: ائْتِياني يوم الجمعة. فأتياه، فقال: ما أُجِبْتُ فيكما بشيء، ائْتِياني في الجمعة الثانية. فأتياه، فقال: اختارا، فقد خُيِّرْتُما؛ إن أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله. فقال أحدهما: الدنيا لم يمض منها إلا القليل. وقال الآخر: ويحك، إني قد أطعتك في الأول، فأطعني الآن؛ إنّ عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى، وإننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا. قال: لا، إني أرجو إن علم الله أنّا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة؛ لا يجمعهما علينا. قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا في بَكَراتٍ من حديد في قَلِيبٍ مملوءة من نار، أعاليهما أسافلُهما١
عن عبد الله بن عمر -من طريق سعيد بن جبير- أنّه كان يقول: أطَلَعت الحمراء بعد؟ فإذا رآها قال: لا مرحبًا. ثم قال: إن مَلَكَين من الملائكة -هاروت وماروت- سألا الله أن يَهْبِطا إلى الأرض، فأُهْبِطا إلى الأرض، فكانا يقضيان بين الناس، فإذا أمسيا تكلما بكلمات، فعرجا بها إلى السماء، فقيَّض الله لهما امرأةَ من أحسن الناس، وأُلْقِيَت عليهما الشهوة، فجعلا يُؤَخِّرانها، وألقيت في أنفسهما، فلم يزالا يفعلان حتى وعدتهما ميعادًا، فأتتهما للميعاد، فقالت: عَلِّماني الكلمةَ التي تَعْرُجان بها. فعَلَّماها الكلمة، فتَكَلَّمت بها، فعَرَجَت إلى السماء، فمُسِخَتْ، فجُعِلَتْ كما ترون، فلَمّا أمْسَيا تكلما بالكلمة، فلم يَعْرُجا، فبُعِث إليهما: إن شئتما فعذاب الآخرة، وإن شئتما فعذاب الدنيا إلى أن تقوم الساعة. فنظر أحدهما لصاحبه، فقال أحدهما لصاحبه: بل نختار عذاب الدنيا ألف ألف ضعف، فهما يعذبان إلى يوم القيامة١
عن ابن عمر-من طريق الثوري، عن موسى بن عقبة عن سالم-، عن كعب [الأحبار]، قال: ذَكَرَت الملائكةُ أعمالَ بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل: لو كنتم مكانهم لأتيتم مثل ما يأتون، فاختاروا منكم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت، فقيل لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلًا، فليس بيني وبينكما رسول، أنزِلا، لا تُشْرِكا بي شيئًا، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر. قال كعب: فو الله ما أمْسَيا من يومهما الذي أُهْبِطا فيه حتى اسْتَكْمَلا جميعَ ما نُهِيا عنه١
عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس -من طريق أبي عثمان النَّهْدِيّ- قالا: لَمّا كَثُر بنو آدم وعَصَوا؛ دعت الملائكة عليهم، والأرض، والجبال: رَبَّنا، لا تُمْهِلْهم. فأوحى الله إلى الملائكة: إني أزَلْتُ الشهوة والشيطانَ من قلوبكم، ولو تركتكم لفعلتم أيضًا. قال: فحَدَّثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا. فأوحى الله إليهم: أنِ اختاروا مَلَكَيْن من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، وأُنزِلَت الزُّهْرَة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، يسمونها: بَيْذَخَت، قال: فواقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا، فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض، فخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق قيس بن عُباد- قال: لَمّا وقع الناس من بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله؛ قالت الملائكة في السماء: رب، هذا العالَم الذي إنَّما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، وقد وقعوا فيما وقعوا فيه، ورَكِبوا الكفرَ، وقتلَ النفس، وأكلَ مال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر! فجعلوا يَدْعُون عليهم، ولا يعذرونهم. فقيل: إنهم في غيب. فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم، من أفضلكم مَلَكَيْن؛ آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونهاهما عن قتل النفس الحرام، وأكل مال الحرام، وعن الزنا، وشرب الخمر، فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمان إدريس، وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في النساء كحُسْنِ الزُّهْرَة في سائر الكواكب، وإنهما أتيا عليها، فخضعا لها في القول، وأراداها عن نفسها، فأبَت إلّا أن يكونا على أمرها ودينها، فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا، فَغَبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها فأراداها عن نفسها، ففعلت مثل ذلك، فذهبا، ثم أتيا عليها، فأراداها عن نفسها، فلما رأت أنهما أبَيا أن يعبدا الصنم قال لهما: اختارا أحد الخِلال الثلاث؛ إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذا النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر. فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون الثلاثة شرب الخمر. فشربا الخمر، فأخذت منهما، فواقعا المرأة، فخشيا أن يُخْبِر الإنسانُ عنهما، فقتلاه، فلما ذهب عنهما السُّكْر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبَيْنَ ذلك، وكُشِفَ الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العَجَب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لِمن في الأرض، فنزل في ذلك: ﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى:٥]. فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فقالا: أمّا عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا ببابل، فهما يعذبان١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق يزيد الفارسي- قال: إنّ أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض، فرأوهم يعملون بالمعاصي، فقالوا: يا رب، أهل الأرض يعملون بالمعاصي. فقال الله: أنتم معي، وهم غَيْبٌ عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة. فاختاروا منهم ثلاثة، على أن يهبطوا إلى الأرض؛ يحكمون بين أهل الأرض، وجُعِل فيهم شهوةُ الآدمِيِّين، فأُمِرُوا أن لا يشربوا خمرًا، ولا يقتلوا نفسًا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن، فاستقال منهم واحد، فأُقِيل، فأُهْبِط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: أناهِيذ، فهَوِياها جميعًا، ثم أتيا منزلها، فاجتمعا عندها، فأراداها، فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا، فأشرف أهل السماء عليهما، وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طِرْتُما. فأخبراها، فطارت، فمُسِخَت جَمْرَة، وهي هذه الزُّهْرَة. وأما هما فأرسَل إليهما سليمان بن داود، فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما مُناطان١ بين السماء والأرض٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي شعبة العدوي- قال: إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون بالخطايا قالوا: يا رب، هؤلاء بنو آدم الذي خلقت بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء، يعملون بالخطايا؟! قال: أما إنّكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي لنا. فأمروا أن يختاروا مَلَكَيْن ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، وأُحِلَّ لهما ما فيها من شيء، غير أنهما لا يشركا بالله شيئًا، ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق. فعَرَض لهما امرأةٌ قد قُسِم لها نصفُ الحُسْن، يقال لها: بَيْذَخَت، فلما أبصراها أراداها، قالت: لا، إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم. فقالا: ما كنا نشرك بالله شيئًا. فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا، إلا أن تشربا الخمر. فشربا حتى ثَمِلا، فدخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيما وقعا فيه أفرج الله السماء لملائكته، فقالوا: سبحانك، أنت أعلم. فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يُخَيِّرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكُبِّلا من أكْعُبِهِما إلى أعناقهما بمثل أعْناقِ البُخْت، وجُعِلا ببابل١
عن خُصَيْف، قال: كنت مع مجاهد، فمر بنا رجل من قريش، فقال له مجاهد: حدثنا ما سمعت من أبيك؟ قال: حدثني أبي: أن الملائكة حين جعلوا ينظرون إلى أعمال بني آدم وما يركبون من المعاصي الخبيثة، وليس يستر الناسَ من الملائكة شيءٌ، فجعل بعضهم يقول لبعض: انظروا إلى بني آدم كيف يعملون كذا وكذا! ما أجرأهم على الله! يَعِيبونهم بذلك. فقال الله لهم: قد سمعتُ الذي تقولون في بني آدم، فاختاروا منكم مَلَكَيْن أُهْبِطُهما إلى الأرض، وأجعل فيهما شهوة بني آدم. فاختاروا هاروت وماروت، فقالوا: يا رب، ليس فينا مثلهما. فأُهْبِطا إلى الأرض، وجُعِلَت فيهما شهوة بني آدم، ومُثِّلَتْ لهما الزُّهْرَة في صورة امرأة، فلما نظرا إليها لم يتمالكا أن تناولا ما الله أعلم به، وأخذت الشهوة بأسماعهما وأبصارهما، فلما أرادا أن يطيرا إلى السماء لم يستطيعا، فأتاهما مَلَك، فقال: إنكما قد فعلتما ما فعلتما، فاختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة. فقال أحدهما للآخر: ماذا ترى؟ قال: أرى أن أُعَذَّب في الدنيا، ثم أُعَذَّب، أحب إلي من أن أُعَذَّب ساعة واحدة في الآخرة. فهما مُعَلَّقان مُنَكَّسان في السلاسل، وجُعِلا فتنة١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿فلا تكفر﴾، قال: الشياطين والمَلَكان يُعَلِّمون الناس السحرَ١٢
قال عبد الله بن مسعود: بابل أرض الكوفة١
قال الحسن البصري: إنّ المَلَكين ببابل إلى يوم القيامة، وإنّ مَن عَزَم على تَعَلُّم السحر ثم أتاهما سمع كلامهما من غير أن يراهما١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في سياق حديثه عن قصة هاروت وماروت: فنَزَلا ببابل دُنباوَند١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ببابل﴾، أي: وهما ببابل، وإنما سُمِّيَت بابل لأن الألسن تَبَلْبَلَت بها حين أُلْقِي إبراهيم ﷺ في النار١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: التفريق بين المرء وزوجه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: لم يُنزِلِ اللهُ السحرَ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق القاسم بن مسلم اليَشْكُرِيّ- ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾، قال: يُعَلِّمان الناس السحر١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: قال الله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ قال: لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما الإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: أما السحر فإنّما تُعَلِّمه الشياطين، وأما الذي يُعَلِّمُه المَلَكان فالتفريق بين المرء وزوجه١٢
عن القاسم بن محمد -من طريق يحيي بن سعيد- وسأله رجل عن قول الله: ﴿يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾؟ فقال الرجل: يُعَلِّمانِ الناسَ ما أُنزِل عليهما، أم يُعَلِّمان الناسَ ما لم يُنزَل عليهما؟ قال القاسم: ما أُبالِي أيتهما كانت١
عن عطية العوفي -من طريق فُضَيْل بن مرزوق- ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: ما أُنزِل على جبريل وميكائيل السِّحرَ١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين﴾، قال: فالسحر سِحْران؛ سحر تُعَلِّمه الشياطين، وسحر يُعَلِّمه هاروت وماروت١
قال خالد بن أبي عمران -من طريق خلاد بن سليمان-: وذَكَر هاروتُ وماروتُ أنَّهما يُعَلِّمان السحر، فقال خالد: نحن نُنَزِّههما عن هذا. فقرأ بعض القوم: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال خالد: لم يُنزَل عليهما١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: هذا سِحْر خاصموه به؛ فإنّ كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الإنس فصُنِع وعُمِل به كان سحرًا١٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: ما أنزل الله عليهما السحرَ١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾، أي: واتبعوا ما أُنزِل على الملكين١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، يعني: ما تَلَتِ الشياطينُ على عهد سليمان، وفي سلطانه١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، أي: السحر في ملك سليمان١
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- في قوله: ﴿على ملك سليمان﴾، يقول: في ملك سليمان١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق المِنهال، عن سعيد بن جبير- قال: انطلقت الشياطين في الأيام التي ابْتُلِي فيها سليمان، فكتبت فيها كتبًا فيها سِحْرٌ وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها، فقرؤوها على الناس١
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّي، عن أبي مالك- في قوله: ﴿ما تتلو﴾، قال: ما تَتَّبِع١
عن أبي رَزِين [مسعود بن مالك الأسدي] -من طريق منصور-، مثله١
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جُرَيج- في قوله: ﴿ما تتلو الشياطين﴾، قال: نَراهُ: ما تُحدِّث١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واتبعوا﴾ يعني: اليهود ﴿ما تتلوا الشياطين﴾ يعني: ما تَلَتِ الشياطينُ١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾، أي: الشهوات التي كانت الشياطين تتلوا، وهي المعازف، واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله١
عن مجاهد بن جبر -من طريق عمرو بن دينار- في قول الله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾، قال: كانت الشياطين تستمع الوحيَ، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان إلى ما كتبوا من ذلك، فلما تُوُفِّي سليمانُ وجدته الشياطين، فعَلَّمَتْه الناسَ، وهو السحر١
عن الحسن البصري -من طريق زياد مولى مُصْعَب- ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾، قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، قال: من الكهانة والسحر. قال: وذُكر لنا -والله أعلم-: أنّ الشياطين ابتدعت كتابًا فيه سحر وأمر عظيم، ثم أفْشَوْه في الناس، وعلَّمُوهم إياه١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، وذلك أنّ طائفة من الشياطين كتبوا كتابًا فيه سحر، فدفنوه في مُصَلّى سليمان حين خرج من مُلْكِه، ووضعوه تحت كُرْسِيِّه، فلما توفي سليمان استخرجوا الكتاب، فقالوا: إن سليمان تَمَلَّكَكُم بهذا الكتاب١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾، قال: وهي المعازف، واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله١
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- قال: تَلَتِ الشياطينُ السحرَ على اليهود على مُلْك سليمان، فاتبعته اليهود على مُلْكِه، يعني: اتبعت السحرَ على مُلْكِ سليمان١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ قال: لما جاءهم رسول الله مصدقا لما معهم ﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾ الآية، قال: اتبعوا السحر، وهم أهل الكتاب، فقرأ حتى بلغ: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾١٢
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، قال: واتَّبَعَتْهُ اليهود على ملكه، وكان السحر قبل ذلك في الأرض، ولم يَزَلْ بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان١٢