سورة البقرة | الآية ١٠٢

عرض السورة
موسوعة التفسير بالمأثور

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

تفسير

٨٩ قولًا
١
عن ابن أبي نَجِيح -من طريق شِبْل- قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، قال: اشترى ما يُفَرِّق به بين المرء وزوجه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، يقول: لقد علمت اليهود في التوراة لَمَن اختار السحر١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٧.
٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾، قال: قد علمت يهودُ أنّ في كتاب الله في التوراة: أنّ مَن اشترى السحر وترك دين الله ما له في الآخرة من خَلاق، ومَن لم يكن له خَلاق فالنار مثواه ومأواه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن عطية (١/٣٠٥) أن الضمير في ﴿يعلمون﴾ عائد على بني إسرائيل باتفاق، ثم قال: «ومَن قال: إنّ الضمير في ﴿علموا﴾ عائد عليهم. خرج هذا الثاني على المجاز، أي: لما عملوا عمل من لا يعلم كانوا كأنهم لا يعلمون. ومَن قال: إنّ الضمير في ﴿علموا﴾ عائد على الشياطين أو على الملكين. قال: إنّ أولئك علموا أن لا خلاق لمن اشتراه، وهؤلاء لم يعلموا فهو على الحقيقة». ونقل أنّ مكيًّا قال بأن الضمير في ﴿علموا﴾ لعلماء أهل الكتاب، وفي قوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ للمتعلمين منهم.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيج- في قوله: ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾، قال: قِوام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٦.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق قيس بن عَبّاد- في قوله: ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾، قال: من نصيب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥.
٦
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾. قال: من نصيب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت وهو يقول: يَدْعُون بالوَيْلِ فيها لا خَلاق لهم إلا سَرابِيل من قِطْرٍ وأغلال١
التخريج
  1. ١أخرجه الطَّسْتِيُّ -كما في الإتقان ٢‏/‏٨٢-.
٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾، قال: من نصيب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٥. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥.
٨
عن الحسن البصري -من طريق مَعْمَر- ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾، قال: ليس له دين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٤، وابن جرير ٢‏/‏٣٦٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥.
٩
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿وما له في الآخرة من خلاق﴾، قال: ليس له في الآخرة جَنَّة عند الله١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٤، وأخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥كلاهما بلفظ: ليس له في الآخرة جهة عند الله.
١٠
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾: من نصيب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾، يقول: ما لَه في الآخرة من نصيب. نظيرها في براءة قوله سبحانه: ﴿فاستمتعتم بخلاقكم﴾ [التوبة:٦٩]، وكقوله: ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾ [آل عمران:١٧٧]، يعني: نصيب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٦-١٢٨.
١٢
قال سفيان -من طريق وكيع-: سمعنا في قوله: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ أنّه ما له في الآخرة من نصيب١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّحَ ابن جرير (٢/٣٦٦) أنّ الخلاقَ هنا بمعنى: النصيب، مستندًا إلى نظائره من السّنّة، ولغة العرب، ودلالةِ العقل، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والسّدّيّ، وسفيان، فقال: «وأَوْلى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى الخلاق في هذا الموضع: النصيب. وذلك أنّ ذلك معناه في كلام العرب، ومنه قول النبي ﷺ: «لَيُؤَيِّدَنَّ اللهُ هذا الدين بأقوامٍ لا خَلاق لهم». يعني: لا نصيب لهم ولا حَظَّ في الإسلام والدين».
١٣
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿ولبئس ما شروا﴾، قال: باعوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٨، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥ وزاد: يعني: اليهود.
١٤
عن الحسن البصري: لو كانوا علماء أتقياء ما اختاروا السحر١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٦٦-.
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولبئس ما شروا﴾ يقول: باعوا به أنفسهم من السحر، ﴿لو﴾ يعني: إن ﴿كانوا يعلمون﴾، ولكنهم لا يعلمون١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٨.
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق خُصَيْف، عن مجاهد وعكرمة- قال: الملكان يعلمان الناس الفُرْقَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٣.
١٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، قال: يُؤَخِّذون١ أحدهما عن صاحبه، ويُبَغِّضون أحدهما إلى صاحبه٢٣
التخريج
  1. ١التأخيذ: أن تحتال المرأة بحيل في منع زوجها عن جماع غيرها، وذلك نوع من السحر. اللسان (أخذ).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٥٣، ٢‏/‏٣٥٩ بنحوه، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٣من طريق أبي جعفر بنحوه، ومن طريق سعيد بن بشير: «... ويعطفان واحدًا منهما إلى صاحبه». وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٣ذكر ابن عطية (١/٣٠٤) أن ﴿يفرقون﴾ معناه: فرقة العصمة، ثم أورد هذا القول، وعلَّق عليه بقوله: «وقيل معناه:... فهي أيضًا فرقة».
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، والفُرْقَة: أن يُؤَخَّذ الرجل عن امرأته١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن جرير (٢/٣٥٧): «وقوله -جل ثناؤه-: ﴿فيتعلمون منهما﴾ خبرٌ مُبْتَدَأٌ عن المُتَعَلِّمين من المَلَكين ما أُنزِل عليهما، وليس بجواب لقوله: ﴿وما يعلمان من أحد﴾، بل هو خبر مستأنف، ولذلك رُفِع فقيل: ﴿فيتعلمون﴾. فمعنى الكلام إذًا: وما يُعَلِّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة، فيَأَبْوَن قَبُول ذلك منهما، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه. وقد قيل: إنّ قوله: ﴿فيتعلمون﴾ خبر عن اليهود، معطوف على قوله: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾، ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، وجعلوا ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم. والذي قلنا أشبه بتأويل الآية؛ لأن إلحاق ذلك بالذي يليه من الكلام ما كان للتأويل وجه صحيح أوْلى من إلحاقه بما قد حيل بينه وبينه من معترض الكلام. والهاء والميم والألف من قوله: ﴿منهما﴾ من ذِكْرِ المَلَكَيْن، ومعنى ذلك: فيتعلم الناس من المَلَكَيْن الذي يفرقون به بين المرء وزوجه». وذكر ابن عطية (١/٣٠٤) أن الضمير في ﴿منهما﴾ قيل بعوده على الملكين، وقيل بعوده على السحر وعلى الذي أنزل على الملكين.
١٩
عن الحسن البصري -من طريق سَلّام بن مسكين- في قوله: ﴿وما هم بضارين به من أحد الا بإذن الله﴾، قال: لا يَضُرُّ هذا السحرُ إلا من دخل فيه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٣.
٢٠
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- قوله: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾، قال: نعم، مَن شاء اللهُ سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضُرَّ أحد إلا بإذن الله، كما قال الله -تبارك وتعالى-١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٣. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٦٦-.
٢١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما هم بضارين﴾ يعني: السحرة ﴿به من أحد﴾ يعني: بالسحر ﴿من أحد إلا بإذن الله﴾ في ضُرِّه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٧.
٢٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة- ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾، أي: بتَخْلِية الله بينه وبين ما أراد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٣.
٢٣
عن سفيان [الثوري] -من طريق ابن المبارك- في قوله: ﴿إلا بإذن الله﴾، قال: بقضاء الله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (٢/٣٦٢) أنّ للإذن في كلام العرب أوجهًا: منها: الأمر على غير وجه الإلزام. ومنها: التخلية بين المأذون له والمخلّى بينه وبينه. ومنها: العلم بالشيء. وذَهَبَ إلى أنّ المراد بالإذن في الآية: العلم بالشيء، ثم قال: «كأنه قال -جل ثناؤه-: وما هم بضارين بالذي تعلموا من الملكين من أحد إلا بعلم الله، يعني: بالذي سبق له في علم الله أنه يضره»، مُستدلًّا بأثر سفيان، ولم يُورِد غيرَه.
٢٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويتعلمون ما يضرهم﴾ فيتعلمون السحر من الشياطين، والفرقة من هاروت وماروت ﴿ولا ينفعهم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٧.
٢٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾، قال: لمن اشترى ما يفرق به بين المرء وزوجه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٣.
٢٦
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، أي: لَمَنِ اسْتَحَبَّه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥.
٢٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ولقد علموا﴾، قال: لقد عَلِم أهلُ الكتاب فيما يقرؤون من كتاب الله، وفيما عُهد لهم: أنّ الساحر لا خَلاق له عند الله يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥ من طريق سعيد بن بشير. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٦٦-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٨
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥.
٢٩
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾، يعني: اليهود. يقول: لقد عَلِمَت اليهود أنّ مَن تعلمه واختاره ما له في الآخرة من خَلاق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٦٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٥.
٣٠
عن عبيد الله بن عبد الله -من طريق الزهري- في هذه الآية: كانا مَلَكَيْن من الملائكة، فأُهْبِطا ليحكما بين الناس؛ وذلك أن الملائكة سَخِروا من حُكّام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فَحافا لها١، ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك، وخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا٢
التخريج
  1. ١حافا لها: مالا عن الحق وظلما في الحكم لأجلها. لسان العرب (حيف).
  2. ٢أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٣، وابن جرير ٢‏/‏٣٣٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٣١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: وأما شأن هاروت وماروت؛ فإن الملائكة عَجِبت من ظُلْم بني آدم وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم: اختاروا منكم مَلَكَيْن أُنزِلُهما في الأرض بين بني آدم. فاختاروا -فلم يَأْلوا- هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعَجِبْتُما من بني آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم؟ وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراءَ وراءَ، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودَعا كذا وكذا. فأمرهما بأمر، ونهاهما، ثم نزلا على ذلك، ليس أحدٌ أطوعَ لله منهما، فحَكَما فعَدَلا، فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عَرَجا وكانا مع الملائكة، وينزلان حين يُصْبِحان فيحكمان فيعدلان، حتى أُنزِلت عليهما الزُّهْرَةُ في أحسن صورة امرأة تُخاصم، فقضيا عليها، فلما قامت وجَد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدتَ مثل ما وجدتُ؟ قال: نعم. فبعثا إليها: أن ائْتِينا نَقْضِ لك. فلَمّا رجعت قالا لها -وقَضَيا لَها-: ائْتِينا. فأتتهما، فكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولَذَّتها، فلما بلغا ذلك واسْتَحَلّاه وافْتَتَنا طارت الزُّهْرَة، فرجعت حيث كانت، فلما أمسيا عَرَجا، فزُجِرا، فلم يُؤْذَن لهما، ولم تحملْهما أجنحتُهما، فاستغاثا برجل من بني آدم، فأتياه، فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهلُ الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يومًا يدعو لهما، فدعا لهما، فاستجيب له، فخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقالا: نعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخُلْد، نعم، ومع الدنيا سبع مرات مثلها. فأُمِرا أن يَنزِلا ببابل، فثَمَّ عذابُهما، وزعم أنهما مُعَلَّقان في الحديد، مَطْوِيّان، يَصْطَفِقان بأجنحتهما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير٢‏/‏٣٤٨، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٢ مختصرًا. وأورده ابن أبي زمنين ١‏/‏١٦٥ عن يحيى بن سلام مختصرًا وقال: وقد ذكر يحيى عن غير مجاهد: أن المرأة التي افتتنا بها كانت من نساء أهل الدنيا.
٣٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-: أنّه كان من أمْرِ هاروت وماروت أنهما طَعَنا على أهل الأرض في أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت ابن آدم عشرًا من الشهوات، فبها يعصونني. قال هاروت وماروت: ربنا، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لَحَكَمْنا بالعدل. فقال لهما: انزِلا، فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دُنباوَند، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عَرَجا، فإذا أصبحا هَبَطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما حسنها، واسمها بالعربية: الزُّهَرة، وبالنبطية: بَيْذَخَت، واسمها بالفارسية: أناهِيذ، فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني. فقال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا نرجو رحمة الله. فلما جاءت تُخاصِمُ زوجَها ذكرا إليها نفسَها، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خَرِبَةً مِنَ الخِرَب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء؟ وبأي كلام تنزلان منها؟ فأخبراها، فتكلمت فصعدت، فأنساها الله ما تَنزِل به، فبقيت مكانها، وجعلها الله كوكبًا -فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها، وقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت-، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا، فلم يستطيعا، فعرفا الهَلَكَة، فخُيِّرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا من عذاب الآخرة، فعُلِّقا ببابل، فجعلا يكلمان الناس كلامهما، وهو السحر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٤٤.
٣٣
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: لَمّا وقع الناسُ من بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: أي ربِّ، هذا العالَمُ إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، وقد رَكِبوا الكفرَ، وقتلَ النفس الحرام، وأكلَ المال الحرام، والسرقةَ، والزنا، وشربَ الخمر. فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم، فقيل لهم: إنهم في غيب، فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم مَلَكَيْن، آمرهما بأمري، وأنهاهما عن معصيتي. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، وجُعِلَ بهما شهوات بني آدم، وأُمِرا أن يعبدا الله، ولا يشركا به شيئًا، ونُهِيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فلَبِثا على ذلك في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمان إدريس، وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في سائر الناس كحُسْنِ الزُّهْرَة في سائر الكواكب، وأنها أتت عليهما، فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، وأنها أبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، وأنهما سألاها عن دينها الذي هي عليه، فأخرجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا فصبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها، فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، فقالت: لا، إلا أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث؛ إما أن تعبدا الصنم، أو تقتلا النفس، أو تشربا هذه الخمر. فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون الثلاثة شرب الخمر. فسقتهما الخمر، حتى إذا أخذت الخمرة فيهما وقعا بها، فمَرَّ إنسان وهما في ذلك، فخشيا أن يُفْشِيَ عليهما فقَتَلاه، فلما أن ذهب عنهما السُّكْرُ عرفا ما قد وقعا فيه من الخطيئة، وأرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا، وكُشِف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب، وعرفوا أنه من كان في غَيْبٍ فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة، قيل لهما: اختارا عذابَ الدنيا، أو عذاب الآخرة. فقالا: أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا ببابل، فهما يعذبان١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٤٥. قال ابن كثير في تفسيره ١‏/‏٢٠١: «قد رواه الحاكم في مستدركه مُطَوَّلًا... ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. فهذا أقرب ما روى في شأن الزهرة».
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن كثير (١/٥٢٢) على هذه الآثار بقوله: «ذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا مَلَكَين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة أنّ هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قولٍ: إنه كان من الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾ [طه:١١٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. مع أن شأن هاروت وماروت -على ما ذكر- أخف مما وقع من إبليس -لعنه الله-. وقد حكاه القرطبي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي». وعلَّقَ ابن عطية (١/٣٠٢) -بعد أن اختصر الكلام عن هاروت وماروت- بقوله: «وهذا القصص يزيد في بعض الروايات، وينقص في بعض، ولا يُقْطَع منه بشيء؛ فلذلك اختصرته». وعلَّقَ ابن كثير (١/٥٣٢) قائلًا: «وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن، وقتادة، وأبي العالِية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال».
٣٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق قيس بن عَبّاد- قال: إنّ هاروت وماروت أُهْبِطا إلى الأرض، فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نَهَياه أشد النَّهْيِ، وقالا له: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾. وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان، فعرفا أنّ السحر من الكفر، فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلَّمه، فإذا تعلمه خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٢، ١٩٤.
٣٥
عن الحسن البصري -من طريق أبي صالح [الهذيل بن حبيب]- في قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل﴾، قال: وكان هاروت وماروت مطيعين لله عز وجل، هبطا بالسحر ابتلاء من الله لخلقه، وعهد إليهما عهدًا أن لا يُعَلِّما أحدًا سحرًا حتى يقولا له مقدمة: ﴿إنما نحن فتنة﴾ يعني: محنة وبلوى، ﴿فلا تكفر﴾ فإذا أبى عليهما إلا تعليم السحر قالا له: اذهب إلى موضع كذا وكذا، فإنك إذا أتيته وفعلت كذا وكذا كنت ساحرًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٨.
٣٦
عن قتادة بن دعامة، والحسن البصري -من طريق سعيد- قالا: كانا يُعَلِّمان السحر، فأخذ عليهما أن لا يُعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢/ ٣٥٥، وابن أبي حاتم ١/ ١٩٢ عن الحسن من طريق عباد، وعن قتادة من طريق أبي جعفر. وذكره يحيى بن سلام عن قتادة -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١٦٦ -.
٣٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إنما نحن فتنة﴾، قال: بلاء١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٥٧، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٢ من طريق أبي جعفر.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ جرير (٢/٣٥٦)، وابن كثير (١/٥٣٦) إلى ما ذهب إليه قتادة مِن أنّ الفتنة في ذلك الموضع معناها: الاختبار، والابتلاء.
٣٨
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: إذا أتاهما -يعني: هاروت وماروت- إنسانٌ يريد السحر وعَظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة. فإن أبى قالا له: ائْت هذا الرماد فبُلْ عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور يسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان، وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكلِّ شيء منه، فذلك غضبُ الله، فإذا أخبرهما بذلك عَلَّماه السحر، فذلك قول الله: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٥٥.
٣٩
وقال محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر-: لا يُعَلِّمان إلا الفُرْقَة، وأُخِذَ عليهما أن لا يُعَلِّما أحدًا حتى يتقدما إليه ويقولا له: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٣.
٤٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، وذلك أنّ هاروت وماروت يصنعان من السحر الفُرْقَةَ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٧.
٤١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- قال: أخذ الميثاق عليهما أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾. لا يجترئ على السحر إلا كافرٌ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٥٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن عطية (١/٣٠٣) أن المهدوي حكى أن قولهما: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. وعلَّقَ ابن كثير (١/٥٣٦) على الاستدلال بهذه الآية على تكفير مَن تعلَّم السحر بقوله: «ويستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله، قال: «من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». وهذا إسناد جيد، وله شواهد أُخَر».
٤٢
عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: «لعن الله الزُّهْرَة؛ فإنها هي التي فتنت المَلَكَيْن هاروت وماروت»١
التخريج
  1. ١رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٥٤)، وعزاه ابن حجر في المطالب ١٤‏/‏٤٥٨ (٣٥٢٣) إلى ابن راهويه. قال ابن كثير في التفسير ١‏/‏٣٥٥: «لا يصح، وهو منكر جدًّا». قال الألباني في الضعيفة ٢‏/‏٣١٥ (٩١٣): «موضوع».
٤٣
عن عبد الله بن عمر -من طريق موسى بن جُبَير عن نافع-، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّ آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي ربِّ، أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك! قال: إني أعلم ما لا تعلمون. قالوا: ربَّنا، نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله للملائكة: هَلُمُّوا مَلَكَيْن من الملائكة حتى نُهْبِطَهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان. فقالوا: رَبَّنا، هاروت وماروت. قال: فأُهبِطا إلى الأرض، فتمثلت لهما الزُّهْرَة، امرأةٌ من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تَكَلَّما بهذه الكلمة من الإشراك. قالا: لا، واللهِ، لا نشرك بالله أبدًا. فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبيٍّ تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تقتلا هذا الصبي. قالا: لا، والله، لا نقتله أبدًا. فذهبت، ثم رجعت بقَدَح من خمر تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تشربا هذا الخمر. فشَرِبا، فسَكِرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلَمّا أفاقا قالت المرأة: والله، ما تركتما شيئًا أبيتماه إلاّ قد فعلتماه حين سَكِرْتُما. فخُيِّرا عند ذلك بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٠‏/‏٣١٧ (٦١٧٨)، وابن حبان ١٤‏/‏٦٣ (٦١٨٦). قال أبو حاتم كما في العلل ٤‏/‏٦٤١: «هذا حديث منكر». وذكر البيهقي في السنن ١٠‏/‏٤-٥ أن رواية هذا الحديث من طريق ابن عمر عن كعب الأحبار قولَه أشبه. وقال ابن كثير ١‏/‏٥٢٤-٥٢٥ بتصرف: «وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر عن النبي ﷺ. وروي له متابع من وجه آخر عن نافع». فذكر الحديث من رواية ابن مردويه من طريق موسى بن سَرْجَس، عن نافع، ومن رواية ابن جرير من طريق معاوية بن صالح، عن نافع، ثم قال: «وهذان أيضًا غريبان جدًّا. وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي ﷺ، كما قال عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب، ورواه ابن جرير من طريقين، عن عبد الرزاق، به. ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عصام، عن مؤمل، عن سفيان الثوري، به. ورواه ابن جرير أيضًا: حدثني المثنى، حدثنا المعلى -وهو ابن أسد-، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني سالم: أنّه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار، فذكره. فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين [يعنى: ما رواه نافع عن ابن عمر، من طريق معاوية بن صالح، ومن طريق موسى بن سرجس]، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار، عن كتب بني إسرائيل». ومال ابن حجر في القول المسدد ١‏/‏٣٩ إلى ثبوت القصة، وقال الألباني في الضعيفة ١‏/‏٣١٤-٣١٥ (١٧٠): «باطل مرفوعًا».
٤٤
عن ابن عمر-من طريق موسى بن جُبير عن موسى بن عقبة، عن سالم-، قال: قال رسول الله ﷺ: «أشْرَفَتِ الملائكةُ على الدنيا، فرأت بني آدم يعصون، فقالت: يا رب، ما أجهل هؤلاء، ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك. فقال الله: لو كنتم في مِسْلاخِهم لَعَصَيْتُموني. قالوا: كيف يكون هذا، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال: فاختاروا منكم ملكين. فاختاروا هاروت وماروت، ثم أُهْبِطا إلى الأرض، ورُكِّبَت فيهما شهواتُ بني آدم، ومُثِّلَتْ لهما امرأة، فما عُصِما حتى واقَعا المعصية، فقال الله: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فنظر أحدهما إلى صاحبه، قال: ما تقول فاختر. قال: أقول: إن عذاب الدنيا ينقطع، وإن عذاب الآخرة لا ينقطع. فاختارا عذاب الدنيا، فهما اللذان ذكر الله في كتابه: ﴿وما أنزل على الملكين﴾» الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الشعب ١‏/‏٣٢١ (١٦١). قال البيهقي: «ورويناه من وجه آخر عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفًا عليه، وهو أصح؛ فإن ابن عمر إنما أخذه عن كعب». وقال الألباني في الضعيفة ١٤‏/‏٣٧٣ (٦٦٥٦): «منكر».
٤٥
عن نافع -من طريق معاوية بن صالح - قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع، انظر هل طلعت الحمراء؟ قلت: لا. مرتين أو ثلاثًا، ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا. قلت: سبحان الله! نجم مُسَخَّر سامع مطيع! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ، قال: «إنّ الملائكة قالت: يا رب، كيف صبرُك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافَيْتُكُم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عَصَيْناك. قال: فاختاروا مَلَكَيْن منكم. فلم يَأْلُوا جُهْدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فنزلا، فألقى الله عليهم الشَّبَق -قلت: وما الشَّبَق؟ قال: الشهوة-، فجاءت امرأة يقال لها: الزُّهْرَة، فوقعت في قلوبهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخَر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم. فطلباها لأنفسهما، فقالت: لا أُمَكِّنُكُما حتى تُعَلِّماني الاسمَ الذي تَعْرُجان به إلى السماء وتَهْبِطانِ. فأَبَيا، ثم سألاها أيضًا، فأبت، ففَعَلا، فلما اسْتُطِيرَت طَمَسَها الله كوكبًا، وقَطَع أجنحتهما، ثم سألا التوبةَ من ربهما، فخَيَّرهما، فقال: إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه، فإذا كان يوم القيامة عذبتكما، وإن شئتما عذبتكما في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه. فقال أحدهما لصاحبه: إنّ عذاب الدنيا ينقطع ويزول. فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فأوحى الله إليهما: أنِ ائْتِيا بابل. فانطلقا إلى بابل، فخُسِف بهما، فهما منكوسان بين السماء والأرض، مُعَذَّبان إلى يوم القيامة»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ١‏/‏١٨٧، والخطيب في تاريخه ٨‏/‏٥٧٣ (٢٥٨٦) من طريق سنيد بن داود، وابن جرير ٢‏/‏٣٤٧-٣٤٨ من طريق معاوية بن صالح. وعزاه السيوطي إلى سُنَيد. قال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يصح». وقال السيوطي في اللآلئ ١‏/‏١٤٥: «لا يصح». وقال الألباني في الضعيفة ٢‏/‏٣١٣-٣١٤ (٩١٢): «باطل مرفوعًا».
٤٦
عن علي بن أبي طالب -من طريق عُمَيْر بن سعيد- قال: إنّ هذه الزُّهْرَة تُسَمِّيها العرب الزُّهَرة، والعجم: أناهِيذ، وكان المَلَكان يحكمان بين الناس، فأتتهما، فأرادها كل واحد منهما عن غير علم صاحبه، فقال أحدهما: يا أخي، إن في نفسي بعض الأمر أريد أن أذكره لك. قال: اذكره، لعلَّ الذي في نفسي مثل الذي في نفسك. فاتفقا على أمرٍ في ذلك، فقالت لهما المرأة: ألا تُخْبِراني بما تصعدان به إلى السماء، وبما تهبطان به إلى الأرض! فقالا: باسم الله الأعظم. قالت: ما أنا بمُؤاتِيتُكُما حتى تُعَلِّمانِيهِ. فقال أحدهما لصاحبه: علمها إياه. فقال: كيف لنا بشدة عذاب الله؟! قال الآخر: إنا نرجو سعة رحمة الله. فعلمها إياه، فتكلمت به، فطارت إلى السماء، ففزع مَلَك في السماء لصعودها؛ فطَأْطَأ رأسه، فلم يجلس بعد، ومسخها الله فكانت كوكبًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٢٣)، وابن جرير ٢‏/‏٣٤٣، وأبو الشيخ في العظمة (٧٠٢)، والحاكم ٢‏/‏٢٦٥، وابن راهويه -كما في المطالب (٣٨٩٢)-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن كثير (١/٥٢٥) على أثر عليّ هذا بقوله: «هذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جدًّا».
٤٧
عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر في سفر، فقال لي: ارْمُق الكوكبة، فإذا طلعت أيْقِظْني. فلما طلعت أيْقَظْتُه، فاستوى جالسًا، فجعل ينظر إليها ويسبها سبًّا شديدًا، فقلت: يرحمك الله، أبا عبد الرحمن، نجم سامع مطيع، ما لَه يُسَبُّ؟! فقال: ها، إنّ هذه كانت بَغِيًّا في بني إسرائيل، فلقي المَلَكان منها ما لقيا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور التفسير ٢‏/‏٥٨٣ (٢٠٦).
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن عطية (١/٣٠٢) على الروايات الواردة في الزهرة، وما روي عن ابن عمر من أنه كان يلعنها، فقال: «وهذا كله ضعيف، وبعيد على ابن عمر».
٤٨
عن مجاهد، قال: كنت نازلًا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر، طلعت الحمراء؟ لا مرحبًا بها، ولا أهلًا، ولا حَيّاها الله، هي صاحبة المَلَكَيْن؛ قالت الملائكة: رب، كيف تَدَعُ عُصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟! قال: إني قد ابتليتهم، فلعلِّي إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا. قال: فاختاروا مِن خِياركم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني مُهْبِطُكما إلى الأرض، وعاهد إليكما: ألّا تُشْرِكا، ولا تَزْنِيا، ولا تَخُونا. فأُهْبِطا إلى الأرض، وأُلْقِي عليهما الشَّبَق، وأُهْبِطَت لهما الزُّهْرَة في أحسن صورة امرأة، فتعرضت لهما؛ فأراداها عن نفسها، فقالت: إني على دين لا يصلح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله. قالا: وما دينك؟ قالت: المجوسية. قالا: الشرك! هذا شيء لا نقربه. فمكثت عنهما ما شاء الله، ثم تعرضت لهما، فأراداها عن نفسها، فقالت: ما شئتما، غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يَطَّلِع على هذا مِنِّي فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما أن تصعدا بي إلى السماء، فعلت. فأقَرّا لها بدينها، وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا إلى السماء اخْتُطِفَت منهما، وقُطعَت أجنحتهما، فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبيٌّ يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب، فقالا: لو أتينا فلانًا فسألناه يطلب لنا التوبة. فأتياه، فقال: رحمكما الله، كيف يطلب أهل الأرض لأهل السماء. قالا: إنا قد ابتُلِينا. قال: ائْتِياني يوم الجمعة. فأتياه، فقال: ما أُجِبْتُ فيكما بشيء، ائْتِياني في الجمعة الثانية. فأتياه، فقال: اختارا، فقد خُيِّرْتُما؛ إن أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله. فقال أحدهما: الدنيا لم يمض منها إلا القليل. وقال الآخر: ويحك، إني قد أطعتك في الأول، فأطعني الآن؛ إنّ عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى، وإننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا. قال: لا، إني أرجو إن علم الله أنّا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة؛ لا يجمعهما علينا. قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا في بَكَراتٍ من حديد في قَلِيبٍ مملوءة من نار، أعاليهما أسافلُهما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٠-١٩١ (١٠٠٧). قال ابن كثير ١‏/‏٥٢٨: «وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر، وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية ابن صالح عن نافع عنه رفعُه، وهذا أثبت وأصح إسنادًا. ثم هو -والله أعلم- من رواية ابن عمر عن كعب، كما تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه، وقوله: إن الزُّهْرَة نزلت على صورة امرأة حسناء. وكذا المروي عن عليّ، فيه غرابة جدًّا». وقال ابن حجر في العجاب ١‏/‏٣٢٣-٣٢٥: «أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن مجاهد... وهذه متابعة قوية لرواية موسى بن جبير عن نافع لكنها موقوفة على ابن عمر».
٤٩
عن عبد الله بن عمر -من طريق سعيد بن جبير- أنّه كان يقول: أطَلَعت الحمراء بعد؟ فإذا رآها قال: لا مرحبًا. ثم قال: إن مَلَكَين من الملائكة -هاروت وماروت- سألا الله أن يَهْبِطا إلى الأرض، فأُهْبِطا إلى الأرض، فكانا يقضيان بين الناس، فإذا أمسيا تكلما بكلمات، فعرجا بها إلى السماء، فقيَّض الله لهما امرأةَ من أحسن الناس، وأُلْقِيَت عليهما الشهوة، فجعلا يُؤَخِّرانها، وألقيت في أنفسهما، فلم يزالا يفعلان حتى وعدتهما ميعادًا، فأتتهما للميعاد، فقالت: عَلِّماني الكلمةَ التي تَعْرُجان بها. فعَلَّماها الكلمة، فتَكَلَّمت بها، فعَرَجَت إلى السماء، فمُسِخَتْ، فجُعِلَتْ كما ترون، فلَمّا أمْسَيا تكلما بالكلمة، فلم يَعْرُجا، فبُعِث إليهما: إن شئتما فعذاب الآخرة، وإن شئتما فعذاب الدنيا إلى أن تقوم الساعة. فنظر أحدهما لصاحبه، فقال أحدهما لصاحبه: بل نختار عذاب الدنيا ألف ألف ضعف، فهما يعذبان إلى يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٤‏/‏٦٠٧-٦٠٨.
٥٠
عن ابن عمر-من طريق الثوري، عن موسى بن عقبة عن سالم-، عن كعب [الأحبار]، قال: ذَكَرَت الملائكةُ أعمالَ بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل: لو كنتم مكانهم لأتيتم مثل ما يأتون، فاختاروا منكم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت، فقيل لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلًا، فليس بيني وبينكما رسول، أنزِلا، لا تُشْرِكا بي شيئًا، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر. قال كعب: فو الله ما أمْسَيا من يومهما الذي أُهْبِطا فيه حتى اسْتَكْمَلا جميعَ ما نُهِيا عنه١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٣، وابن أبي شيبة ١٣‏/‏١٨٦، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٢٤)، وابن جرير ٢‏/‏٣٤٣، والبيهقي في الشعب (١٦٤). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٥١
عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس -من طريق أبي عثمان النَّهْدِيّ- قالا: لَمّا كَثُر بنو آدم وعَصَوا؛ دعت الملائكة عليهم، والأرض، والجبال: رَبَّنا، لا تُمْهِلْهم. فأوحى الله إلى الملائكة: إني أزَلْتُ الشهوة والشيطانَ من قلوبكم، ولو تركتكم لفعلتم أيضًا. قال: فحَدَّثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا. فأوحى الله إليهم: أنِ اختاروا مَلَكَيْن من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، وأُنزِلَت الزُّهْرَة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، يسمونها: بَيْذَخَت، قال: فواقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا، فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض، فخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢/ ٣٤٢.
٥٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق قيس بن عُباد- قال: لَمّا وقع الناس من بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله؛ قالت الملائكة في السماء: رب، هذا العالَم الذي إنَّما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، وقد وقعوا فيما وقعوا فيه، ورَكِبوا الكفرَ، وقتلَ النفس، وأكلَ مال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر! فجعلوا يَدْعُون عليهم، ولا يعذرونهم. فقيل: إنهم في غيب. فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم، من أفضلكم مَلَكَيْن؛ آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونهاهما عن قتل النفس الحرام، وأكل مال الحرام، وعن الزنا، وشرب الخمر، فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمان إدريس، وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في النساء كحُسْنِ الزُّهْرَة في سائر الكواكب، وإنهما أتيا عليها، فخضعا لها في القول، وأراداها عن نفسها، فأبَت إلّا أن يكونا على أمرها ودينها، فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا، فَغَبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها فأراداها عن نفسها، ففعلت مثل ذلك، فذهبا، ثم أتيا عليها، فأراداها عن نفسها، فلما رأت أنهما أبَيا أن يعبدا الصنم قال لهما: اختارا أحد الخِلال الثلاث؛ إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذا النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر. فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون الثلاثة شرب الخمر. فشربا الخمر، فأخذت منهما، فواقعا المرأة، فخشيا أن يُخْبِر الإنسانُ عنهما، فقتلاه، فلما ذهب عنهما السُّكْر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبَيْنَ ذلك، وكُشِفَ الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العَجَب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لِمن في الأرض، فنزل في ذلك: ﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى:٥]. فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فقالا: أمّا عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا ببابل، فهما يعذبان١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٩-١٩٠. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في الشعب.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن كثير (١/٥٢٩) على أثر ابن عباس هذا بقوله: «فهذا أقرب ما روي في شأن الزُّهْرَة».
٥٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق يزيد الفارسي- قال: إنّ أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض، فرأوهم يعملون بالمعاصي، فقالوا: يا رب، أهل الأرض يعملون بالمعاصي. فقال الله: أنتم معي، وهم غَيْبٌ عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة. فاختاروا منهم ثلاثة، على أن يهبطوا إلى الأرض؛ يحكمون بين أهل الأرض، وجُعِل فيهم شهوةُ الآدمِيِّين، فأُمِرُوا أن لا يشربوا خمرًا، ولا يقتلوا نفسًا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن، فاستقال منهم واحد، فأُقِيل، فأُهْبِط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: أناهِيذ، فهَوِياها جميعًا، ثم أتيا منزلها، فاجتمعا عندها، فأراداها، فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا، فأشرف أهل السماء عليهما، وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طِرْتُما. فأخبراها، فطارت، فمُسِخَت جَمْرَة، وهي هذه الزُّهْرَة. وأما هما فأرسَل إليهما سليمان بن داود، فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما مُناطان١ بين السماء والأرض٢٣
التخريج
  1. ١مناطان: معلقان. لسان العرب (نوط).
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٠-١٩١.
تعليقات المحققين
  1. ٣علَّقَ ابن كثير (١/٥٣٠) على أثر ابن عباس هذا بقوله: «وهذا السياق فيه زيادات كثيرة، وإغراب ونكارة».
٥٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي شعبة العدوي- قال: إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون بالخطايا قالوا: يا رب، هؤلاء بنو آدم الذي خلقت بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء، يعملون بالخطايا؟! قال: أما إنّكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي لنا. فأمروا أن يختاروا مَلَكَيْن ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، وأُحِلَّ لهما ما فيها من شيء، غير أنهما لا يشركا بالله شيئًا، ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق. فعَرَض لهما امرأةٌ قد قُسِم لها نصفُ الحُسْن، يقال لها: بَيْذَخَت، فلما أبصراها أراداها، قالت: لا، إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم. فقالا: ما كنا نشرك بالله شيئًا. فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا، إلا أن تشربا الخمر. فشربا حتى ثَمِلا، فدخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيما وقعا فيه أفرج الله السماء لملائكته، فقالوا: سبحانك، أنت أعلم. فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يُخَيِّرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكُبِّلا من أكْعُبِهِما إلى أعناقهما بمثل أعْناقِ البُخْت، وجُعِلا ببابل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٤١.
٥٥
عن خُصَيْف، قال: كنت مع مجاهد، فمر بنا رجل من قريش، فقال له مجاهد: حدثنا ما سمعت من أبيك؟ قال: حدثني أبي: أن الملائكة حين جعلوا ينظرون إلى أعمال بني آدم وما يركبون من المعاصي الخبيثة، وليس يستر الناسَ من الملائكة شيءٌ، فجعل بعضهم يقول لبعض: انظروا إلى بني آدم كيف يعملون كذا وكذا! ما أجرأهم على الله! يَعِيبونهم بذلك. فقال الله لهم: قد سمعتُ الذي تقولون في بني آدم، فاختاروا منكم مَلَكَيْن أُهْبِطُهما إلى الأرض، وأجعل فيهما شهوة بني آدم. فاختاروا هاروت وماروت، فقالوا: يا رب، ليس فينا مثلهما. فأُهْبِطا إلى الأرض، وجُعِلَت فيهما شهوة بني آدم، ومُثِّلَتْ لهما الزُّهْرَة في صورة امرأة، فلما نظرا إليها لم يتمالكا أن تناولا ما الله أعلم به، وأخذت الشهوة بأسماعهما وأبصارهما، فلما أرادا أن يطيرا إلى السماء لم يستطيعا، فأتاهما مَلَك، فقال: إنكما قد فعلتما ما فعلتما، فاختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة. فقال أحدهما للآخر: ماذا ترى؟ قال: أرى أن أُعَذَّب في الدنيا، ثم أُعَذَّب، أحب إلي من أن أُعَذَّب ساعة واحدة في الآخرة. فهما مُعَلَّقان مُنَكَّسان في السلاسل، وجُعِلا فتنة١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٠٥).
٥٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿فلا تكفر﴾، قال: الشياطين والمَلَكان يُعَلِّمون الناس السحرَ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٣٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف أهل التأويل في (ما) في قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، أهي اسم موصول بمعنى: الذي، و﴿هاروت وماروت﴾ ملكان؟ أم هي نافية، و﴿هاروت وماروت﴾ ليسا مِنَ الملائكة؟. رجَّحَ ابن جرير (٢/٣٣٧-٣٤٠) القولَ الأولَ، وانتَقَد القولَ الثاني، مستندًا إلى السياق، والنّظائرِ، ودلالة العقل، فقال: «إياهم به، بل عبد بعضهم والمعبود عنه ناهٍ، فكذلك الملكان غير ضائرهما سِحْر من سَحَر مِمَّن تعلم ذلك منهما، بعد نهيهما إياه عنه، وعِظَتهما له بقولهما: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، إذ كانا قد أدَّيا ما أُمِرَ به بقيلهما ذلك». واسْتَدْرَكَ ابن كثير (٢/٥٢١) على الكلام الأخير لابن جرير قائلًا: «وهذا الذي سلكه غريب جدًّا».
٥٧
قال عبد الله بن مسعود: بابل أرض الكوفة١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ١‏/‏١٢٩.
٥٨
قال الحسن البصري: إنّ المَلَكين ببابل إلى يوم القيامة، وإنّ مَن عَزَم على تَعَلُّم السحر ثم أتاهما سمع كلامهما من غير أن يراهما١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٦٥-.
٥٩
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في سياق حديثه عن قصة هاروت وماروت: فنَزَلا ببابل دُنباوَند١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٤٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن كثير (١/٥٣٣-٥٣٤) بعد أن ساق أثر عائشة رضي الله عنها في قصة المرأة التي أتت هاروت وماروت -الآتي في الآثار المتعلقة بالآية- بقوله: «واستُدِلَّ به على أن بابلَ المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دنباوند (من بلاد فارس) كما قاله السدي وغيره».
٦٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ببابل﴾، أي: وهما ببابل، وإنما سُمِّيَت بابل لأن الألسن تَبَلْبَلَت بها حين أُلْقِي إبراهيم ﷺ في النار١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٦-١٢٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن عطية (١/٣٠٠) قولين آخرين: الأول: أن بابل هي من نصيبين إلى رأس العين، ونسبه لقتادة. الثاني: أنها بالمغرب. وانتقده بقوله: «وهذا ضعيف».
٦١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: التفريق بين المرء وزوجه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٣٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: لم يُنزِلِ اللهُ السحرَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٣١، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٨.
٦٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق القاسم بن مسلم اليَشْكُرِيّ- ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾، قال: يُعَلِّمان الناس السحر١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٧‏/‏١٦٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦٤
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: قال الله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ قال: لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما الإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٨.
٦٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: أما السحر فإنّما تُعَلِّمه الشياطين، وأما الذي يُعَلِّمُه المَلَكان فالتفريق بين المرء وزوجه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٣٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن جرير (٢/٣٣٥) على قول مجاهد، فقال: «فتأويل الآية على هذا القول: واتبعوا السحر الذي تتلو الشياطين في ملك سليمان، والتفريق الذي بين المرء وزوجه الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت». وذكر ابن عطية (١/٢٩٩-٣٠٠) أن ﴿ما﴾ عطف على السحر فهي مفعولة، ثم قال: «وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة للناس ليكفر من اتبعه ويؤمن من تركه، أو على قول مجاهد وغيره: إن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر، أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه». وعلَّق على القول الأخير، بقوله: «والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف يسير بمبادئه».
٦٦
عن القاسم بن محمد -من طريق يحيي بن سعيد- وسأله رجل عن قول الله: ﴿يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾؟ فقال الرجل: يُعَلِّمانِ الناسَ ما أُنزِل عليهما، أم يُعَلِّمان الناسَ ما لم يُنزَل عليهما؟ قال القاسم: ما أُبالِي أيتهما كانت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٣٦، كما أخرج عبد الله بن وهب في الجامع ٣‏/‏٥٩-٦٠ (١٣٦) نحوه من طريق أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: قيل له: أُنزل أو لم يُنزل؟ قال: ما أبالي أي ذلك كان، إلا أنِّي آمنت به.
٦٧
عن عطية العوفي -من طريق فُضَيْل بن مرزوق- ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: ما أُنزِل على جبريل وميكائيل السِّحرَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٨.
٦٨
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين﴾، قال: فالسحر سِحْران؛ سحر تُعَلِّمه الشياطين، وسحر يُعَلِّمه هاروت وماروت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٣٣. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٦٥-.
٦٩
قال خالد بن أبي عمران -من طريق خلاد بن سليمان-: وذَكَر هاروتُ وماروتُ أنَّهما يُعَلِّمان السحر، فقال خالد: نحن نُنَزِّههما عن هذا. فقرأ بعض القوم: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال خالد: لم يُنزَل عليهما١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع ١‏/‏٩٦-٩٧ (٢٢٠). وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٨.
٧٠
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: هذا سِحْر خاصموه به؛ فإنّ كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الإنس فصُنِع وعُمِل به كان سحرًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٣٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٣ عند قوله تعالى: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾.
تعليقات المحققين
  1. ٢بيَّن ابن جرير (٢/٣٣٤) أن معنى (ما) في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ -على قول السّدّيّ- بمعنى: الذي. ثم قال مُعَلِّقًا على هذا القول: «فمعنى الآية على تأويل هذا القول: واتبعت اليهود الذي تلت الشياطينُ في ملك سليمان الذي أُنزِل على الملكين ببابل هاروت وماروت. وقال قائلو هذه المقالة: إن الله أنزل السحرَ على هاروت وماروت ببابل، وهما مَلَكان من ملائكة الله».
٧١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: ما أنزل الله عليهما السحرَ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٣١، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢بيَّن ابن جرير (٢/٣٣١ بتصرف) أنّ (ما) في قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ -على هذا القول- معناها الجحد، وهي بمعنى: لم. ثم قال مُعَلِّقًا عليه: «فتأويل الآية على هذا المعنى: واتبعوا الذي تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحرَ على المَلَكَيْن، ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ ببابل هاروت وماروت، فيكون حينئذ قوله: ﴿بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ من المُؤَخَّرِ الذي معناه التقديم. فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون مَعْنِيًّا بالمَلَكَيْن: جبريل وميكائيل؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أنّ الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبها الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا ﷺ أن جبريل وميكائيل لم يَنزِلا بسحر قَطّ، وبَرَّأَ سليمانَ مِمّا نَحَلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تُعَلِّم الناس ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت؛ فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة على الناس، وردًا عليهم».
٧٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾، أي: واتبعوا ما أُنزِل على الملكين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٦-١٢٨.
٧٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، يعني: ما تَلَتِ الشياطينُ على عهد سليمان، وفي سلطانه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٦.
٧٤
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، أي: السحر في ملك سليمان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٢١، ٣٢٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٦ وزاد: يعني: يهود الذين قالوا ما قالوا.
٧٥
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- في قوله: ﴿على ملك سليمان﴾، يقول: في ملك سليمان١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٢١.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابن جرير (٢/٣١٨) إلى أنّ ﴿على﴾ بمعنى: في، مستندًا إلى لغة العرب، وأقوال السَّلَف، فقال: «يعني بقوله -جل ثناؤه-: ﴿على ملك سليمان﴾: في ملك سليمان. وذلك أن العرب تضع (في) موضع (على)، و(على) في موضع (في)، من ذلك قول الله -جلَّ ثناؤه-: ﴿ولأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، يعني به: على جذوع النخل، وكما قالوا: فعلت كذا في عهد كذا، وعلى عهد كذا، بمعنى واحد، وبما قلنا من ذلك كان ابن جريج وابن إسحاق يقولان في تأويله». وذَهَبَ ابن كثير (١/٥١٩) إلى أنّ الفعل ﴿تتلو﴾ ضُمِّن معنى: تكذب. وذَكَر أن التضمين أحسن مما ذهب إليه ابنُ جرير، فقال: «وعدّاه -أي: الفعل ﴿تتلو﴾- بـ﴿على﴾؛ لأنه ضَمَّنَ ﴿تتلو﴾: تكذب. وقال ابن جرير: ﴿على﴾ هاهنا بمعنى: في، أي: تتلو في ملك سليمان. ونقله عن ابن جُرَيج، وابن إسحاق. قلت: والتضمين أحسن وأولى».
٧٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق المِنهال، عن سعيد بن جبير- قال: انطلقت الشياطين في الأيام التي ابْتُلِي فيها سليمان، فكتبت فيها كتبًا فيها سِحْرٌ وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها، فقرؤوها على الناس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣١٩.
٧٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّي، عن أبي مالك- في قوله: ﴿ما تتلو﴾، قال: ما تَتَّبِع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٢٠.
٧٨
عن أبي رَزِين [مسعود بن مالك الأسدي] -من طريق منصور-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٢٠.
٧٩
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جُرَيج- في قوله: ﴿ما تتلو الشياطين﴾، قال: نَراهُ: ما تُحدِّث١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣١٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ جرير (٢/٣١٨-٣٢١) على هذا القول بقوله: «قال بعضهم: يعني بقوله: ﴿تتلو﴾: تُحَدِّث، وتَرْوِي، وتَتَكَلَّم به، وتخبر، نحوَ تِلاوة الرجلِ القرآنَ، وهي قراءته». وبَيَّنَ أنّهم وجَّهوا تأويلهم ذلك إلى ظاهر التلاوة، وهو «أنّ الشياطين هي التي علمت الناس السحر، ورَوَتْه لهم».
٨٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واتبعوا﴾ يعني: اليهود ﴿ما تتلوا الشياطين﴾ يعني: ما تَلَتِ الشياطينُ١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢بَيَّنَ ابن جرير (٢/٣٢١) أنّ التلاوة في لغة العرب تحتمل معنيين: أحدهما: الاتّباع. والآخر: القراءة والدراسة. ثم ذَهَبَ إلى أنّ الآية تحتملهما؛ مُعَلِّلًا ذلك بعدمِ الدّليل على التّخصيص، بقوله: «لم يخبرنا الله -جل ثناؤه- بأيِّ معنى التلاوة كانت تلاوةُ الشياطين الذين تَلَوْا ما تَلَوْهُ من السحر على عهد سليمان بخبرٍ يقطع العُذْر، وقد يجوز أن تكون الشياطينُ تَلَتْ ذلك دراسةً وروايةً وعملًا، فتكون كانت متبعته بالعمل، ودراسته بالرواية، فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك، وعملت به، ورَوَتْه».
٨١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾، أي: الشهوات التي كانت الشياطين تتلوا، وهي المعازف، واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٥.
٨٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق عمرو بن دينار- في قول الله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾، قال: كانت الشياطين تستمع الوحيَ، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان إلى ما كتبوا من ذلك، فلما تُوُفِّي سليمانُ وجدته الشياطين، فعَلَّمَتْه الناسَ، وهو السحر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣١٩، كما أخرجه ٢‏/‏٣٢٧ من طريق ابن جريج بنحوه، وفيه: وإن سليمان أخذ ما كتبوا من ذلك فدفنه تحت كرسيه.
٨٣
عن الحسن البصري -من طريق زياد مولى مُصْعَب- ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾، قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٥.
٨٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، قال: من الكهانة والسحر. قال: وذُكر لنا -والله أعلم-: أنّ الشياطين ابتدعت كتابًا فيه سحر وأمر عظيم، ثم أفْشَوْه في الناس، وعلَّمُوهم إياه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣١٩.
٨٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، وذلك أنّ طائفة من الشياطين كتبوا كتابًا فيه سحر، فدفنوه في مُصَلّى سليمان حين خرج من مُلْكِه، ووضعوه تحت كُرْسِيِّه، فلما توفي سليمان استخرجوا الكتاب، فقالوا: إن سليمان تَمَلَّكَكُم بهذا الكتاب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٦-١٢٨.
٨٦
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾، قال: وهي المعازف، واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣١٦.
٨٧
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- قال: تَلَتِ الشياطينُ السحرَ على اليهود على مُلْك سليمان، فاتبعته اليهود على مُلْكِه، يعني: اتبعت السحرَ على مُلْكِ سليمان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣١٦.
٨٨
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ قال: لما جاءهم رسول الله مصدقا لما معهم ﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾ الآية، قال: اتبعوا السحر، وهم أهل الكتاب، فقرأ حتى بلغ: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣١٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بهذه الآية؛ أهُم اليهود المعاصرون لرسول الله ﷺ، أم هم اليهود الذين كانوا على عهد سليمان عليه السلام؟ فذهبَ ابنُ جرير (٢/٣١٧-٣١٨) إلى أنّ الآية تشملهما؛ لصحَّةِ ذلك في كلامِ العرب، كما لا مُخَصِّص لأحدهما، حيث قال: «والصواب من القول في تأويل قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ أنّ ذلك توبيخ من الله لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله ﷺ، فجحدوا نبوته، وهم يعلمون أنّه لله رسول مرسل، وتأنيب منه لهم في رفضهم تنزيله، وهجرهم العمل به، وهو في أيديهم يعلمونه ويعرفون أنه كتاب الله، واتباعهم واتباع أوائلهم وأسلافهم ما تلته الشياطين في عهد سليمان... وإنما اخترنا هذا التأويل لأنّ المُتَّبِعَةَ ما تلته الشياطين في عهد سليمان وبعده إلى أن بعث الله نبيه بالحق، وأَمْرُ السحر لم يزل في اليهود، ولا دلالة في الآية أن الله تعالى أراد بقوله: ﴿واتبعوا﴾ بعضًا منهم دون بعض، إذْ كان جائزًا فصيحًا في كلام العرب إضافة ما وصفنا -من اتِّباع أسلاف المُخْبَر عنهم بقوله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾- إلى أخلافهم بعدهم، ولم يكن بخصوص ذلك عن رسول الله ﷺ أثر منقول، ولا حجة تدل عليه، فكان الواجب من القول في ذلك أن يقال: كل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود داخل في معنى الآية، على النحو الذي قلنا». وعلَّقَ ابن كثير (١/٥١٩) على هذه الآثار بعد سَوْقها بقوله: «فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهِم».
٨٩
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، قال: واتَّبَعَتْهُ اليهود على ملكه، وكان السحر قبل ذلك في الأرض، ولم يَزَلْ بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن كثير (١/٥١٩) على أثر الحسن بقوله: «وقول الحسن البصري رحمه الله: قد كان السحر قبل زمان سليمان بن داود. صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى عليه السلام، وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة:٢٤٦]، ثم ذكر القصة بعدها، وفيها: ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾، وقال قوم صالح -وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام لنبيهم صالح: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء:١٥٣]، أي: من المسحورين. على المشهور».

آثار متعلقة بالآية

٦ أقوال
١
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، قال ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت». قال الأعمش: أراه قال: «فيلتزمه»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏٢١٦٧ (٢٨١٣).
٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: إن الملائكة فيما بينهم إذا علَّمته الإنسَ فصُنع وعُمل به كان سحرًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٣.
٣
عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس مِنّا مَن تَطَيَّر أو تُطُيِّر له، أو تَكَهَّن أو تُكُهِّن له، أو سَحَر أو سُحِر له، ومَن عَقَد عُقْدَة، ومَن أتى كاهِنًا، فصَدَّقه بما يقول، فقد كَفَر بما أُنزِل على محمد»١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار ٩‏/‏٥٢ (٣٥٧٨). قال البزار: «وهذا الحديث قد روي بعض كلامه من غير وجه، فأما بجميع كلامه ولفظه فلا نعلمه يروى إلا عن عمران بن حصين، ولا نعلم له طريقًا عن عمران بن حصين إلا هذا الطريق، وأبو حمزة العطار بصري لا بأس به». وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥‏/‏١١٧ (٨٤٨٠): «رجاله رجال الصحيح، خلا إسحاق بن الربيع، وهو ثقة». وقال الألباني في الصحيحة ٥‏/‏٢٣٠ (٢١٩٥) بعد أن ساق له شاهِدَيْن: «وبالجملة، فحديث الترجمة حسن، بل هو صحيح بهذين الشاهدين».
٤
عن صفوان بن سُلَيْم، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن تعلَّم شيئًا مِن السحر قليلًا أو كثيرًا كان آخر عهده من الله»١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١٠‏/‏١٨٤ (١٨٧٥٣) مرسلًا.
٥
عن عبد الله بن مسعود، قال: مَن أتى كاهنًا أو ساحرًا فصَدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار (١٨٧٣، ١٩٣١)، وعند الحاكم ١‏/‏٨ من حديث أبي هريرة مرفوعًا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥‏/‏١١٨: «رجاله رجال الصحيح، خلا هبيرة بن يريم، وهو ثقة». وينظر: غاية المرام للألباني (٢٩٠).
٦
عن عائشة أنّها قالت: قدِمَتْ عليَّ امرأةٌ من أهل دَوْمَةِ الجَندَل تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حَداثَة ذلك، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به، قالت: كان لي زوج، فغاب عنِّي، فدخلتُ على عجوز، فشكوتُ إليها، فقالت: إن فعلتِ ما آمُرُكِ، فأجعله يأتيك. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبتُ أحدهما، ورَكِبَت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، فإذا أنا برَجُلَيْن مُعَلَّقَيْن بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر. فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، وارجعي. فأبَيْتُ، وقلت: لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التَّنُّور، فبُولِي فيه. فذهبتُ، ففزِعتُ، ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا: فعلتِ؟ فقلت: نعم. فقالا: هل رأيتِ شيئًا؟ قلت: لم أرَ شيئًا. فقالا: لم تفعلي، ارجعي إلى بلدكِ، ولا تكفري. فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التَّنُّور، فبولي فيه، ثم ائْتِي. فذهبتُ، فاقْشَعَرَّ جلدي، وخِفْتُ، ثم رجعتُ إليهما، فقلت: قد فعلتُ. فقالا: ما رأيتِ؟ فقلت: لم أرَ شيئًا. فقالا: كذبتِ، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك، ولا تكفري، فإنكِ على رأس أمرك. فأبيتُ، فقالا: اذهبي إلى ذلك التَّنُّور، فبُولِي فيه. فذهبت، فبُلْتُ فيه، فرأيت فارسًا مُقَنَّعًا بحديد خرج مِنِّي حتى ذهب في السماء، وغاب عَنَّي حتى ما أراه، وجئتُهما، فقلتُ: قد فعلتُ. فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: رأيت فارسًا مُقَنَّعًا خرج مِنِّي، فذهب في السماء حتى ما أراه. قالا: صدقتِ، ذلك إيمانُك خرج منكِ، اذهبي. فقلت للمرأة: واللهِ، ما أعلم شيئًا، ولا قالا لي شيئًا. فقالت: بلى، لم تريدي شيئًا إلا كان، خذي هذا القمح فابْذُرِي، فَبَذَرْتُ، وقلت: أطْلِعِي. فأَطْلَعَت، قلت: أحْقلِي. فأَحْقَلَت، ثم قلت: أفْرِكِي، فأَفْرَكَت، ثم قلت: أيْبِسي. فأَيْبَسَتْ، ثم قلت: أطْحَنِي. فأَطْحَنَتْ، ثم قلت: أخْبِزِي، فأَخْبَزَتْ، فلما رأيتُ أنِّي لا أريد شيئًا إلا كان سُقِط في يدي، ونَدِمت، والله، يا أم المؤمنين، ما فعلت شيئًا، ولا أفعله أبدًا. فسألَت أصحابَ رسول الله ﷺ وهم يومئذ متوافرون، فما دَرَوْا ما يقولون لها، وكلهم خاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٥٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٤، والحاكم ٤‏/‏١٥٥، والبيهقي في سننه ٨‏/‏١٣٦-١٣٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن كثير (١/٥٣٣-٥٣٤ بتصرف) على أثر عائشة هذا بقوله: «وقد ورد أثر غريب، وسياق عجيب في ذلك، أحببنا أن ننبه عليه»، ثم ساق الحديث، وقال: «فهذا إسناد جيد إلى عائشة رضي الله عنها. وقد استدل بهذا الأثرِ من ذهب إلى أن الساحر له تَمَكُّنٍ في قَلْبِ الأعيان؛ لأن هذه المرأة بذرت، واستغلت في الحال. واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دُنباوند، كما قاله السدي وغيره».

قراءات

٣ أقوال
١
قرأ عبد الله بن عباس، والحسن البصري، ويحيى بن أبي كثير: (المَلِكَيْنِ) بكسر اللام. وقالوا: هما رجلان ساحران كانا ببابل. وقال الحسن: عِلْجان؛ لأن الملائكة لا يُعَلِّمون السحر١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ٢٤٥، وتفسير البغوي ١/ ١٢٩ بنحوه. (المَلِكَيْنِ) بكسر اللام قراءة شاذة، وتروى أيضًا عن عبد الرحمن بن أبزى، والضحاك. انظر: المحتسب ١/ ١٠٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابن جرير (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠) القراءة بكسر لام (ملِكين)؛ لإجماع الحجة من القراء على خطأ القراءة بها، فقال: «وحكي عن بعض القراء أنه كان يقرأ: (ومَآ أُنزِلَ عَلى المَلِكَيْنِ)، يعني به: رجلين من بني آدم، وقد دَلَّلْنا على خطأ القراءة بذلك من جهة الاستدلال، فأما من جهة النقل فإجماع الحجة على خطأ القراءة بها من الصحابة والتابعين وقراء الأمصار، وكفى بذلك شاهدًا على خَطَئِها».
٢
عن عبد الرحمن بن أبْزى -من طريق الحسن بن أبي جعفر- أنّه كان يقرؤها: (ومَآ أُنزِلَ عَلى المَلِكَيْنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٨.
٣
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق ثابت- أنّه قرأ: (ومَآ أُنزِلَ عَلى المَلِكَيْنِ)، وقال: هما عِلْجان من أهل بابل١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن عطية (١/٣٠٠-٣٠١ بتصرف) على القراءتين، وبيَّن ما يترتب عليهما، فقال: «وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى (الملِكين) بكسر اللام، قال ابن أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضا فـ(ما) نافية، وقال الحسن: هما عِلْجان كانا ببابل ملكين، فـ(ما) على هذا القول غير نافية. وهارُوتَ ومارُوتَ بدل من ﴿المَلَكَيْنِ﴾ على قول من قال: هما ملَكان، ومن قرأ (ملِكين) بكسر اللام وجعلهما داود وسليمان أو جعل المَلَكين جبريل وميكائل، جعل هارُوتَ ومارُوتَ بدلًا من ﴿الشَّياطِينُ﴾ في قوله: ﴿ولكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾، وقال: هما شيطانان، ويجيء ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ إما على أن الاثنين جمع، وإما على تقدير أتباع لهذين الشيطانين اللذين هما الرأس، ومن قال كانا عِلْجَيْن قال: ﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾ بدل من قوله: ﴿المَلَكَيْنِ﴾، وقيل: هما بدل من ﴿النّاسَ﴾ في قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ﴾». وعلَّقَ ابن كثير (١/٥٢٢) على هذا القول مُبَيِّنًا ما استندوا إليه من نظائر القرآن والسنّة، فقال: «ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله: ﴿وما أُنزلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر:٦]، ﴿وأَنزلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، ﴿ويُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ [غافر:١٣]. وفي الحديث: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء». وكما يقال: أنزل الله الخير والشر».

تفسير الآية

٦ أقوال
١
عن علي بن أبي طالب مرفوعًا، قال: «هما مَلَكان من ملائكة السماء»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٣٥٥-. قال ابن كثير: «رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده، عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعًا. وهذا لا يثبت من هذا الوجه».
٢
عن علي بن أبي طالب -من طريق عمير بن سعيد- في الآية، قال: هما مَلَكان من ملائكة السماء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٨ (١٠٠١).
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق القاسم بن مسلم اليَشْكُرِيّ- ﴿وما أنزل على الملكين﴾ يعني: جبريل وميكائيل، ﴿ببابل هاروت وماروت﴾ يُعَلِّمان الناس السحر١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٧‏/‏١٦٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٤
عن عطية العوفي -من طريق فُضَيْل بن مرزوق- ﴿وما أنزل على الملكين﴾، قال: ما أُنزِل على جبريل وميكائيل السحر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٨.
٥
عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر -من طريق معروف المكي، عَمَّن سمع أبا جعفر- قال: السِّجِلُّ مَلَكٌ، وكان هاروت وماروت أعوانَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٩. والأثر أورده السيوطي مطولًا في الدر المنثور عند قوله تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وتقدم أيضا في تفسير قوله تعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة:٣٠].
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾، أي: واتَّبعوا ما أُنزِل على المَلَكين، يعني: هاروت وماروت، وكانا من الملائكة، مكانهما في السماء واحد١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٦-١٢٨.

نزول الآية، وتفسيرها

٢٠ قولًا
١
عن خُصَيْفٍ -من طريق عَتّاب بن بشير- قال: كان سليمان إذا نبتت الشجرة قال: لأي داء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا. فلما نبتت الشجرة الخُرْنُوبة قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لمسجدك أُخَرِّبه. فلم يلبث أن توفي، فكتب الشياطين كتابًا، فجعلوه في مُصَلّى سليمان، فقالوا: نحن نَدُلُّكم على ما كان سليمان يُداوِي به، فانطلقوا، فاستخرجوا ذلك الكتاب، فإذا فيه سحر ورُقًى، فأنزل الله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾ إلى قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ -وذُكِرَ أنها في قراءة أُبَيّ: (وما يُتْلى عَلى المَلَكَيْنِ)- ﴿ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، سبع مرار، فإن أبى إلّا أن يكفر عَلَّماه، فيخرج منه نور حتى يسطع في السماء. قال: المعرفة التي كان يعرف١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٠٤) بزيادة عما هنا. وقراءة (وما يُتْلى) شاذة.
٢
قال محمد بن السائب الكلبي: إنّ الشياطين كتبوا السحر والنِّيرَنجِيّاتِ١ على لسان آصَفَ: هذا ما عَلَّم آصَفُ بن بَرْخِيا سليمانَ الملكَ، ثم دفنوها تحت مُصَلّاه حين نَزَع اللهُ ملكَه، ولم يشعر بذلك سليمان، فلما مات سليمان استخرجوها من تحت مُصَلّاه، وقالوا للناس: إنما مَلَكَكم سليمانُ بهذا؛ فتعلَّمُوه. فأما علماء بني إسرائيل فقالوا: معاذَ الله أن يكون هذا علمُ سليمان. وأما السَّفِلة، فقالوا: هذا علم سليمان. وأقبلوا على تعلمه، ورَفَضُوا كتبَ أنبيائهم، وفَشَت المَلامة لسليمان، فلم تزل هذا حالهم حتى بعث الله محمدًا ﷺ، فأنزل عذرَ سليمان على لسانه، وأظهر براءته مما رُمِي به، فقال: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾٢
التخريج
  1. ١النِّيرَنجِيّاتِ، جمع النيرنج -بالكسر-: أُخَذ -بضم ففتح- كالسحر، وليس بحقيقته، إنما هو تشبيه وتلبيس. تاج العروس (نرج).
  2. ٢أخرجه الواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص١٣٧. وذكره البغوي ١‏/‏١٢٧-١٢٨.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، يعني: ما تلت الشياطين على عهد سليمان وفي سلطانه، وذلك أنّ طائفة من الشياطين كتبوا كتابًا فيه سحر، فدفنوه في مُصَلّى سليمان حين خرج من مُلْكه، ووضعوه تحت كرسيه، فلما توفي سليمان استخرجوا الكتاب، فقالوا: إن سليمان تَمَلَّكَكم بهذا الكتاب، به كانت تجيء الريح، وبه سخرت الشياطين. فعَلَّموه الناسَ، فأَبْرَأ الله عز وجل منه سليمان: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾، فتركت اليهودُ كتاب الأنبياء، واتبعوا ما قالت من السحر١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٦-١٢٨.
٤
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: عَمَدَت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام، فكتبوا أصناف السحر: مَن كان يُحْبُّ أن يَبْلُغَ كذا وكذا فلْيَقُل كذا وكذا. حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموا عليه بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب آصَفُ بن بَرْخِيا الصِّديق للملك سليمان بن داود من ذَخائِر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه، فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحْدَثُوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان سليمان بن داود إلا بهذا. فأَفْشَوُا السحر في الناس، وتَعَلَّمُوه، وعَلَّمُوه، فليس في أحد أكثر منه في يهود، فلَمّا ذَكَرَ رسول الله ﷺ -فيما نزل عليه من الله- سليمانَ بن داودَ، وعَدَّه فيمن عَدَّه من المرسلين؛ قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تَعْجَبُون لمحمد، يزعم أنّ سليمان بن داود كان نبيًّا! والله ما كان إلا ساحرًا. فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد ﷺ: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾، أي: باتِّباعهم السحر، وعملهم به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣١٦-٣١٧.
٥
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ أي: في ملك سليمان، يعني: اليهود الذين قالوا ما قالوا، ﴿وما كفر سليمان﴾ أي: ما علم بالسحر، والسحرُ كفرٌ لِمَن عَمِل به، ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ أي: هم الذين صنعوا ما صنعوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٦-١٨٧.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق عمران بن الحارث- قال: إنّ الشياطين كانوا يَسْتَرِقُون السمعَ من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة حقٍّ كَذَب معها ألف كذبة، فَأُشْرِبَتْها قلوب الناس، واتخذوها دواوين، فأَطْلَع الله على ذلك سليمانَ بن داود، فأخذها، فدفنها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق، فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه المُمَنَّع! قالوا: نعم. فأخرجوه، فإذا هو سحر، فتناسختها الأمم، وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر، فقال: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٠٧)، وابن جرير ٢‏/‏٣٢٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٧، والحاكم ٢‏/‏٢٦٥.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير- قال: كان آصَفُ كاتب سليمان، وكان يَعْلَم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها. فأَكْفَرَه جهال الناس، وسَبُّوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالهم يسبونه، حتى أنزل الله على محمد: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي في الكبرى (ت: شعيب الأرناؤوط) ١٠‏/‏١٢ (١٠٩٢٧)، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٤.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير- قال: كان الذي أصاب سليمان بن داود في سبب أناس من أهل امرأة يقال لها: جرادة، وكانت من أكرم نسائه عليه، قال: فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدًا. قال: وكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من شأنه؛ أعطى الجَرادة -وهي امرأته- خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس، فجاءها سليمان، فقال: هاتي خاتمي. فقالت: كذبتَ، لستَ سليمان. فعرف أنه بلاء ابْتُلِي به، فانطلقت الشياطين، فكَتَبَتْ في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها، فقرؤوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب. فبَرِئ الناسُ من سليمان، وأَكْفَرُوه، حتى بعث الله محمدًا ﷺ، وأنزل عليه: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ يعني: الذي كتب الشياطين من السحر والكفر، ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾. فأنزل الله عذره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٢٤.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: لَمّا ذهب ملك سليمان ارْتَدَّ فِئامٌ من الجن والإنس، واتَّبَعُوا الشهوات، فلَمّا رجع إلى سليمان ملكه، وقام الناس على الدين؛ ظهر على كتبهم، فدفنها تحت كرسيه، وتوفي حِدْثان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتاب من الله نَزَل على سليمان، أخفاه منا. فأخذوه، فجعلوه دينًا، فأنزل الله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٥.
١٠
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: إنّ اليهود سألوا النبي ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوا عنه، فيَخْصِمهم، فلما رَأَوْا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أُنزِل علينا مِنّا. وإنّهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾ الآية، وإنّ الشياطين عَمَدُوا إلى كتاب، فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان، وكان سليمان لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا به الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه، ويحسد الناس عليه. فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد خَزُوا، وأدحض الله حجتهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٦ (٩٨٥) مرسلًا.
١١
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر بن أبي المغيرة- قال: كان سليمان يَتَتَبَّع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزائنه، فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدَنَت إلى الإنس، فقالوا لهم: أتريدون العِلْمَ الذي كان سليمان يُسخِّر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزائنه، وتحت كرسيه. فاستثارته الإنس، فاستخرجوه، فعملوا به، فقال أهل الحِجا: كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر. فأنزل الله -جل ثناؤه- على لسان نبيه محمد ﷺ براءة سليمان، فقال: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ الآية، فأبرأ اللهُ سليمانَ على لسان نبيه عليهما السلام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٢٣.
١٢
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عمران بن حُدَيْر- في هذه الآية: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، قال: لَمّا تُوُفِّي سليمان وقع في الناس أوصابٌ، فقال الناس: لو كان سليمان حيًّا كان عنده من هذا فَرَج. قال: فظهرت لهم الشياطين، فقالوا: نحن نَدُلُّكم على ما كان يعمل سليمان. قال: فكتبوا كتبًا، فجعلوها في بيوت الدواب، فأمرهم أن يحفروا في بيوت الدواب، واستخرجوا الكتب التي كتب الشياطين من السِّحْر والسَّجْع، فقالوا: هذا ما كان سليمان يعمل. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾، قال: لم يكن من عمل سليمان، ولكن من عمل الشيطان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢‏/‏٢٥٦.
١٣
عن أبي مِجْلَز [لاحق بن حميد] -من طريق عمران بن حُدَيْر- قال: أخذ سليمان من كل دابة عهدًا، فإذا أصيب رجل، فسأل بذلك العهد؛ خُلِّي عنه، فزاد الناس السَّجْع والسحر، وقالوا: هذا كان يعمل به سليمان. فقال الله: ﴿وما كفر سليمان﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٢٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٤
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾، قال: اتِّباع السحر كفر، وليس من دين سليمان السحر، يقول: ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ بتركهم دين سليمان، واتباعهم ما تلت الشياطين على ملكه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٧.
١٥
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- أنّ صخرًا المارِد حين كان غلب على ملك سليمان، فلما فطن له الناس كتب كتاب السحر، ودعا الشياطينَ، فأخبرهم أنه قد غلب سليمانَ على ملكه، وأنه يلقي خاتمه في البحر فلا يقدر عليه، ويستريحوا منه، وأن هذا كتابًا كتبه فيه أصناف السحر، وختمه بخاتم سليمان، وإني أدفنه تحت كرسيه، وكتب في عنوانه: هذا ما كتب آصَف بن بَرْخِيا الصِّدِّيق للملك سليمان بن داود من العلم. فلما مات سليمان جاءت الشياطين في صورة الإنس، فقالوا لبني إسرائيل: إن لسليمان كنزًا من دفائن من كنوز العلم، كان يعمل به هذه العجائب، فهل لكم فيه؟ قالوا: نعم. فحفروا ذلك الموضع، واستخرجوا ذلك الكتاب، فلما نظروا فيه أنكر الأحبار ذلك، وقالوا: ما هذا من أمر سليمان. وأخذه قوم، وقالوا: والله ما كان سليمان يعمل إلا بهذا. ففشا فيهم السحر، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود. فلَمّا ذَكر الله لرسوله أمْرَ سليمان، وأنزل عليه في سليمان في المرسلين، وعدّه فيهم، قال مَن كان بالمدينة من اليهود: ألا تعجبون من محمد ﷺ، يزعم أن سليمان كان نبيًّا! والله ما كان إلا ساحرًا. فأنزل الله عز وجل فيما قالوا: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ يقول: ما كتبت الشياطين -يعني: أيام غلب صخر سليمان على ملكه-، ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ هم كتبوا السحر، وما عمل سليمان بالسحر، ﴿وما أنزل﴾ السحر ﴿على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ حتى فرغ من قصتهما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢‏/‏٢٥٦-٢٥٧.
١٦
عن شهر بن حَوْشَب -من طريق أبي بكر- قال: قالت اليهود: انظروا إلى محمد، يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، إنما كان ساحرًا يركب الريح. فأنزل الله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير مطولًا ٢‏/‏٣٢٧، وأوله نحو قول ابن عباس السابق من طريق العوفي.
١٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِرَ لنا -والله أعلم-: أنّ الشياطين ابتدعت كتابًا فيه سحر وأمر عظيم، ثم أفْشَوْه في الناس، وعلموهم إياه، فلما سمع بذلك سليمان نبي الله تَتَبَّع تلك الكتب، فأتى بها، فدفنها تحت كرسيه كراهيةَ أن يتعلمها الناس، فلما قبض الله نبيه سليمان عمدت الشياطين فاستخرجوها من مكانها الذي كانت فيه، فعلَّموها الناس، فأخبروهم أن هذا علم كان يكتمه سليمان ويستأثر به، فعذر الله نبيه سليمان، وبَرَّأه من ذلك، فقال: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾، يقول: ما كان عن مشورته ولا عن رِضًا منه، ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٢٦، ٣٢٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٧ مختصرًا من طريق سعيد بن بشير.
١٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- قال: كتبت الشياطين كتبًا فيها سحر وشرك، ثم دفنت١ تلك الكتب تحت كرسي سليمان، فلما مات سليمان استخرج الناس تلك الكتب، فقالوا: هذا علم كَتَمَناه سليمانُ. فقال الله -جل وعز-: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾٢٣
التخريج
  1. ١في المطبوع من تفسير عبد الرزاق: دفعت.
  2. ٢أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٣، وابن جرير ٢‏/‏٣٢٦.
تعليقات المحققين
  1. ٣قال ابن جرير (٢/٣٢٨) مُستندًا إلى أقوال السَّلَف: «معنى الكلام: واتبعوا ما تتلو الشياطين من السحر على ملك سليمان، فتضيفه إلى سليمان، وما كفر سليمان فيعمل بالسحر، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. وقد كان قتادة يتأول قوله: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ على ما قلنا».
١٩
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾: على عهد سليمان. قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غَيْث أو أمر، فيأتون الكهنة، فيخبرونهم، فتُحَدِّثُ الكهنةُ الناسَ، فيجدونه كما قالوا، حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، فأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أنّ الجن تَعْلَم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف بعد ذلك خَلْفٌ؛ تَمَثَّل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم، فأراهم المكان، فقام ناحية، فقالوا له: فادْنُ. قال: لا، ولكني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني. فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر. ثم طار، فذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاءهم محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣١٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٨٦، والواحدي (ت: الفحل) ص١٣٨.
٢٠
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾، قال: إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه، فيَخْصِمَهُم، فلما رَأَوْا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أُنزل إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله -جل وعَزَّ-: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾، وإنّ الشياطين عَمَدُوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان -وكان سليمان لا يعلم الغيب-، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا به الناس، وقالوا: هذا علمٌ كان سليمان يكتمه، ويحسد الناس عليه. فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث، فرجعوا من عنده، وقد خَزُوا، وأَدْحَضَ الله حجتهم١