قال مقاتل بن سليمان: ثم رخص لهم في وضع السلاح عند المطر أو المرض، فقال: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم﴾ من عدوكم عند وضع السلاح، ﴿إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا﴾ يعني: الهوان. وكان تقصير الصلاة بعُسْفان بين مكة والمدينة، والنبي ﷺ بإزاء الذين خافوه، وهم غطفان١
٢
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- في الآية، قال: رخَّص في وضع السلاح عند ذلك، وأمرهم أن يأخذوا حِذرهم. وفي قوله: ﴿عذابا مهينا﴾، قال: يعني بالمهين: الهوان١
من أحكام الآية
٢٤ قولًا
١
عن عمرو بن عثمان بن يعلى، عن أبيه، عن جدِّه: أنّ النبي ﷺ كان هو وأصحابٌ له في مضيق، والسماء فوقهم، والبِلَّة١ أسفلهم، والنبي ﷺ على راحلته، فأمر رجلًا أن يُؤَذِّن ويقيم -أو يقيم-، فصلى بهم النبي ﷺ على راحلته؛ السجودُ أخفضُ مِن الركوع٢
٢
عن مروان، أنّه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم. قال مروان: متى؟ قال: عام غزوة نجد، قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة؛ صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، وظهورهم إلى القبلة، فكبَّر رسول الله ﷺ، فكبر الكل، ثم ركع ركعة واحدة، وركعت الطائفة التي خلفه، ثم سجد، فسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابل العدو، ثم قام رسول الله ﷺ، وقامت الطائفة التي معه، وذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه، وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومَن معه، ثم كان السلام، فسلم رسول الله ﷺ، وسلَّموا جميعًا، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان، ولكل واحدة من الطائفتين ركعة ركعة١
٣
عن عبد الله بن عباس: أنّ رسول الله ﷺ صلّى صلاة الخوف بذي قَرَد١، فصفَّ الناس صفَّيْن؛ صفًّا خلفه، وصفًّا موازي العدو، فصلّى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا٢
٤
عن زيد بن ثابت: أنّ رسول الله ﷺ صلى صلاة الخوف. قال سفيان. فذكر مثل حديث ابن عباس١
٥
عن عبد الله بن عباس، قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصلاة الخوف، فقام رسول الله ﷺ، وقمنا خلفه صفَّين، فكبَّر وركع، وركعنا جميعًا؛ الصفّان كلاهما، ثم رفع رأسه، ثم خرَّ ساجدًا، وسجد الصف الذي يليه، وثبت الآخرون قيامًا يحرسون إخوانهم، فلما فرغ من سجوده وقام خرَّ الصفُّ المُؤَخَّر سجودًا، فسجدوا سجدتين، ثم قاموا، فتأخر الصفُّ المُقَدَّم الذي يليه، وتقدم الصف المُؤَخَّر، فركع، وركعوا جميعًا، وسجد رسول الله ﷺ والصف الذي يليه، وثبت الآخرون قيامًا يحرسون إخوانهم، فلما قعد رسول الله ﷺ خرَّ الصفُّ المُؤَخَّر سجودًا، ثم سلم النبي ﷺ١
٦
عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ في صلاة الخوف، أنّه قال: قام رسول الله ﷺ وطائفة من خلفه، وطائفة من وراء الطائفة التي خلف رسول الله ﷺ قعود، وجوههم كلهم إلى رسول الله ﷺ، فكبَّر رسول الله ﷺ، فكبَّرت الطائفتان، فركع، فركعت الطائفة التي خلفه، والآخرون قعود، ثم سجد، فسجدوا أيضًا، والآخرون قعود، ثم قاموا، فقاموا، ونكصوا خلفه حتى كانوا مكان أصحابهم قعودًا، وأتت الطائفة الأخرى، فصلّى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلَّم، والآخرون قعود، ثم سلم، فقامت الطائفتان كلتاهما، فصلوا لأنفسهم ركعة وسجدتين، ركعة وسجدتين١
٧
عن جابر بن عبد الله: أنّ نبي الله ﷺ كان مُحاصِرًا بني مُحارِب بِنَخْل، ثم نُودي في الناس: أنّ الصلاة جامعة. فجعلهم رسول الله ﷺ طائفتين؛ طائفة مُقْبِلة على العدو يتحدَّثون، وصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، فانصرفوا، فكانوا مكان إخوانهم، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعتين، فكان للنبي ﷺ أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان١
٨
عن جابر بن عبد الله، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصففنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ، وكبرنا جميعًا، ثم ركع، وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر للسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المُؤَخَّر في نَحْرِ العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، [ثم قاموا، ثم] تقدم الصف المؤخر، وتأخر المقدم، ثم ركع النبي ﷺ، وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ، وسلمنا جميعًا. قال جابر رضي الله عنه: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم١
٩
عن سهل بن أبي حثمة، قال: صلى النبي ﷺ بأصحابه في خوف، فجعلهم خلفه صفَّين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام، فلم يزل قائمًا حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم تقدم، وتخلف الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم ركعة، ثم جلس حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم١
١٠
عن صالح بن خوّات، عمَّن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أنّ طائفة صفَّت معه، وطائفة تجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصلوا تجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم١
١١
عن مجاهد بن جبر، قال: كان رسول الله ﷺ بعُسْفان، والمشركون بضَجَنان، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، ورآه المشركون يركع ويسجد؛ ائتمروا أن يُغِيرُوا عليه، فلمّا حضرت العصر صفَّ الناسُ خلفه صفَّين، فكبَّر، وكبَّروا جميعًا، وركع، وركعوا جميعًا، وسجد، وسجد الصفُّ الذين يلونه، وقام الصف الثاني الذين بسلاحهم مُقْبِلين على العدوِّ بوجوههم، فلما رفع النبي ﷺ رأسَه سجد الصفُّ الثاني، فلما رفعوا رؤوسهم ركع، وركعوا جميعًا، وسجد، وسجد الصف الذين يلونه، وقام الصف الثاني بسلاحهم مقبلين على العدو بوجوههم، فلمّا رفع النبي ﷺ رأسَه سجد الصفُّ الثاني. قال مجاهد: فكان تكبيرهم وركوعهم وتسليمه عليهم سواء، وتناصفوا في السجود. قال مجاهد: فلم يُصَلِّ رسول الله ﷺ صلاة الخوف قبل يومه ولا بعده١٢
١٢
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- أنّه قال في صلاة الخوف: يصلي طائفة من القوم ركعة، وطائفة تحرس، ثم ينطلق هؤلاء الذين صلى بهم ركعة حتى يقوموا مقام أصحابهم، ثم يجيء أولئك، فيصلي بهم ركعة، ثم يسلم، فتقوم كل طائفة فتصلي ركعة١
١٣
عن جابر بن عبد الله -من طريق يزيد الفقير- قال: صلاة الخوف ركعة١
١٤
عن كعب وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قطعت يده يوم اليمامة -من طريق زياد بن نافع-: أنّ صلاة الخوف لكل طائفة ركعة وسجدتان١
١٥
عن إبراهيم النخعي-من طريق حماد- في صلاة الخوف قال: يصُفُّ صفًّا خلفه، وصفًّا بإزاء العدو في غير مُصَلّاه، فيصلي بالصف الذي خلفه ركعة، ثم يذهبون إلى مَصافِّ أولئك، وجاء أولئك الذين بإزاء العدو، فيصلي بهم ركعة، ثم سلَّم عليهم، وقد صلى هو ركعتين، وصلى كل صف ركعة، ثم قام هؤلاء الذين سلم عليهم إلى مصافِّ أولئك الذين بإزاء العدو، فقاموا مقامهم، وجاءوا فقضوا الركعة، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك الذين بإزاء العدو، وجاء أولئك فصلوا ركعة. قال سفيان: فيكون لكل إنسان ركعتان ركعتان١
عن عبد الله بن مسعود، قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فقاموا صفَّيْن؛ صف خلف رسول الله ﷺ، وصف مستقبل العدو، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم، واستقبلوا هؤلاء العدو، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة، ثم سلم، فقام هؤلاء إلى مقام هؤلاء، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا١
١٨
عن ثعلبة بن زهدم، قال: كُنّا مع سعيد بن العاص بطَبَرِسْتان، فقال: أيُّكم صلّى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فقام حذيفة، فصفَّ الناسُ خلفه، وصفًّا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا١
١٩
عن علي بن أبي طالب، قال: صليت صلاة الخوف مع النبي ﷺ ركعتين ركعتين، إلا المغرب فإنّه صلاها ثلاثًا١
٢٠
عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ في صلاة الخوف: أمر الناسَ فأخذوا السلاح عليهم، فقامت طائفة من ورائه مستقبلي العدوِّ، وجاءت طائفة فصلوا معه، فصلى بهم ركعة، ثم قاموا إلى الطائفة التي لم تُصَلِّ، وأقبلت الطائفة التي لم تُصَلِّ معه فقاموا خلفه، فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلم عليهم، فلما سلم قام الذين قِبَل العدو فكبَّروا جميعًا، وركعوا ركعة وسجدتين بعدما سلَّم١
٢١
عن أبي العالية الرياحي: أن أبا موسى الأشعري كان بالدار من أصبهان، وما بهم يومئذ كبير خوف، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم ﷺ، فجعلهم صفَّين؛ طائفة معها السلاح مقبلة على عَدُوِّها، وطائفة وراءها، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم نكصوا على أدبارهم حتى قاموا مقام الآخرين، وجاء الآخرون يتخللونهم حتى قاموا وراءه، فصلى بهم ركعة أخرى، ثم سلَّم، فقام الذين يلونه والآخرون، فصلوا ركعة ركعة، فسلَّم بعضهم على بعض، فتمَّت للإمام ركعتان في جماعة، وللناس ركعة ركعة١
٢٢
عن أبي بكرة: أنّ رسول الله ﷺ صلى بأصحابه صلاة الخوف، فصلى ببعض أصحابه ركعتين، ثم سلَّم، فتأخروا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، ثم سلَّم، فكان لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللمسلمين ركعتان ركعتان١
٢٣
عن أبي بكرة: أنّ النبي ﷺ صلّى بالقوم في الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي ﷺ ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث١
٢٤
عن عائشة، قالت: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بذات الرقاع، فصَدَع الناسَ صَدْعَتَيْن، فصفت طائفة وراءه، وقامت طائفة وِجاه العدو، فكبر رسول الله ﷺ، وكبرت الطائفة خلفه، ثم ركع وركعوا، وسجد وسجدوا، ثم رفع رأسه فرفعوا، ثم مكث رسول الله ﷺ جالسًا، وسجدوا لأنفسهم سجدة ثانية، ثم قاموا، ثم نكصوا على أعقابهم يمشون القَهْقَرى حتى قاموا من ورائهم، وأقبلت الطائفة الأخرى، فصفوا خلف رسول الله ﷺ، فكبروا، ثم ركعوا لأنفسهم، ثم سجد رسول الله ﷺ سجدته الثانية فسجدوا معه، ثم قام رسول الله ﷺ في ركعته، وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية، ثم قامت الطائفتان جميعًا، فصفوا خلف رسول الله ﷺ، فركع بهم ركعة فركعوا جميعًا، ثم سجد فسجدوا جميعًا، ثم رفع رأسه ورفعوا معه، كل ذلك من رسول الله ﷺ سريعًا جِدًّا، لا يألو أن يخفف ما استطاع، ثم سلم فسلموا، ثم قام وقد شَرَكَه الناس في صلاته كلها١
آثار متعلقة بالآية
قول واحد
١
عن جابر بن عبد الله، قال: غزا رسول الله ﷺ سِتَّ غزوات قبل صلاة الخوف، وكانت صلاة الخوف في السنة السابعة١
نزول الآية
قول واحد
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى﴾، قال: نزلت في عبد الرحمن بن عوف، كان جريحًا١٢
نزول الآية، وتفسيرها
٨ أقوال
١
عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ نزل بين ضَجَنان وعُسْفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحبُّ إليهم من آبائهم وأبنائهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم مَيْلَةً واحدة. وأنّ جبريل أتى النبي ﷺ، فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلي بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ثم يأتي الآخرون، ويصلون معه ركعة واحدة، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم، فيكون لهم ركعة ركعة، ولرسول الله ﷺ ركعتان١
٢
عن عبد الله بن عباس، قال: خرج رسول الله ﷺ في غزاة له، فلقي المشركين بعُسْفان، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه قال بعضهم لبعض: لو حملتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم. فقال قائل منهم: إنّ لهم صلاة أخرى هي أحبُّ إليهم من أهليهم وأموالهم، فاصبروا حتى تحضر، فنحمل عليهم حملة. فأنزل الله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ إلى آخر الآية، وأَعْلَمَه بما ائتمر به المشركون، فلما صلى رسول الله ﷺ العصرَ، وكانوا قبالته في القبلة؛ جعل المسلمين خلفه صفين، فكبر، فكبروا معه جميعًا، ثم ركع، وركعوا معه جميعًا، فلمّا سجد سجد معه الصف الذين يلونه، ثم قام الذين خلفهم مُقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله ﷺ من سجوده وقام سجد الصفُّ الثاني، ثم قاموا، وتأخر الصفُّ الذين يلونه، وتقدم الآخرون، فكانوا يلون رسول الله ﷺ، فلمّا ركع ركعوا معه جميعًا، ثم رفع فرفعوا معه، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله ﷺ من سجوده وقعد قعد الذين يلونه، وسجد الصفُّ المُؤَخَّر، ثم قعدوا فسجدوا مع رسول الله ﷺ، فلما سلم رسول الله ﷺ سلم عليهم جميعًا، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض قالوا: لقد أُخْبِرُوا بما أردنا١
٣
عن عبد الله بن عباس: نزلت في رسول الله ﷺ، وذلك أنّه غزا مُحارِبًا وبني أنمار، فنزلوا ولا يرون من العدو أحدًا، فوضع الناس أسلحتهم، وخرج رسول الله ﷺ لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء تَرُشُّ، فحال الوادي بين رسول الله ﷺ وبين أصحابه، فجلس رسول الله ﷺ في ظِلِّ شجرة، فبصر به غَوْرَثُ بن الحارث المحاربي، فقال: قتلني الله إن لم أقتله. ثم انحدر من الجبل ومعه السيف، فلم يشعر به رسول الله ﷺ إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سلَّه مِن غِمْدِه، فقال: يا محمد، مَن يعصمك مني الآن؟! فقال رسول الله ﷺ: «الله». ثم قال: «اللَّهُمَّ، اكفني غورث بن الحارث بما شئت». ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله ﷺ ليضربه، فأكَبَّ لوجهه من زُلَّخَة١ زُلِّخَها مِن بين كتفيه، ونَدَرَ٢ سيفُه، فقام رسول الله ﷺ، فأخذه، ثم قال: «يا غورث، مَن يمنعك مني الآن؟!». قال: لا أحد. قال: «تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله وأعطيك سيفك؟». قال: لا، ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدًا، ولا أُعِين عليك عدوًّا. فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال غورث: واللهِ، لأنت خير مني. فقال النبي ﷺ: «أجل، أنا أحقُّ بذلك منك». فرجع غورث إلى أصحابه، فقالوا: ويلك، ما منعك منه؟ قال: لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه، فواللهِ، ما أدري مَن زَلَّخَني بين كَتِفَيَّ؛ فخررت لوجهي. وذكر حاله. قال: وسكن الوادي، فقطع رسول الله ﷺ الوادي إلى أصحابه، فأخبرهم الخبر، وقرأ عليهم هذه الآية: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم﴾٣
٤
عن يزيد الفقير، قال: سألتُ جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر، أقصرهما؟ قال: الركعتان في السفر تمام، إنّما القصر واحدة عند القتال. بينا نحن مع رسول الله ﷺ في قتال إذ أقيمت الصلاة، فقام رسول الله ﷺ، فصفَّت طائفة، وطائفة وجوهها قِبَل العدو، فصلى بهم ركعة، وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خَلَفُوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله ﷺ، فصلّى بهم ركعة، وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله ﷺ جلس، فسلَّم، وسلم الذين خلفه، وسلم أولئك، فكانت لرسول الله ﷺ ركعتين، وللقوم ركعة. ثم قرأ: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾١
٥
عن سليمان اليشكري: أنّه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة، أي يوم أنزل؟ فقال جابر: انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بِنَخْل١ جاء رجل من القوم إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد. قال: «نعم». قال: هل تخافني؟ قال: «لا». قال: فمَن يمنعك مِنِّي؟ قال: «الله يمنعني منك». قال: فسَلَّ السيف ثم تهدده وأوعده، ثم نادى بالرحيل، وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ بطائفة من القوم، وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصافِّ أصحابهم، ثم جاء الآخرون، فصلى بهم ركعتين، والآخرون يحرسونهم، ثم سلم، فكانت للنبي ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان ركعتان، فيومئذ أنزل الله في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح٢
٦
عن مجاهد بن جبر، قال: صلّى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر قبل أن تنزل صلاة الخوف، فتلهَّف المشركون أن لا يكونوا حملوا عليه، فقال رجل: فإنّ لهم صلاة قبل مغربان الشمس هي أحبُّ إليهم من أنفسهم. فقالوا: لو قد صلوا بعدُ لحملنا عليهم، فأرصدوا ذلك. فنزلت صلاة الخوف، فصلى بهم رسول الله ﷺ صلاة الخوف بصلاة العصر١
٧
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي الزبير- قال: كنت مع النبي ﷺ، فلقينا المشركين بِنَخْل، فكانوا بيننا وبين القبلة، فلما حضرت صلاة الظهر صلّى بنا رسول الله ﷺ ونحن جميع، فلمّا فرغنا تآمر المشركون، فقالوا: لو كُنّا حملنا عليهم وهم يُصَلُّون. فقال بعضهم: فإنّ لهم صلاةً ينتظرونها تأتي الآن، وهي أحبُّ إليهم من أبنائهم، فإذا صلوا فميلوا عليهم. فجاء جبريل إلى رسول الله ﷺ بالخبر، وعلَّمه كيف يُصَلِّي، فلما حضرت العصرُ قام نبي الله ﷺ مِمّا يلي العدو، وقمنا خلفه صفَّيْن، فكبر نبي الله ﷺ، وكبرنا جميعًا. ثم ذكر نحوه١
٨
عن أبي عياش الزُّرَقِيّ، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعُسْفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي ﷺ الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غِرَّتَهم. ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾. فحضرت، فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح، وصففنا خلفه صفَّين، ثم ركع، فركعنا جميعًا، ثم سجد بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، وهؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، ثم ركع، فركعوا جميعًا، ثم رفع، فرفعوا جميعًا، ثم سجد الصفُّ الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون، فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف. قال: فصلّاها رسول الله ﷺ مرتين؛ مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم١٢
تفسير الآية، وأحكامها
٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾، قال: فهذا في الصلاة عند الخوف، يقوم الإمام، وتقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم، ويقفون بإزاء العدو، فيصلي الإمام بمن معه ركعة، ثم يجلس على هيئته، فيقوم القوم، فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس، ثم ينصرفون فيقفون موقفهم، ثم يُقْبِل الآخرون، فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم، فيقوم القوم، فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية. فهكذا صلّى رسول الله ﷺ يوم بطن نخلة١
٢
عن عبد الله بن عمر -من طريق الزهري- في قوله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾، قال: هي صلاة الخوف، صلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، ثم انصرفت الطائفة التي صلت مع النبي ﷺ، فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مُقْبِلَةً على العدو، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة أخرى، ثم سلَّم بهم، ثم قامت كلُّ طائفة فصلَّوا ركعة ركعة١
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿فليصلوا معك﴾، قال: فإنه كانت تأخذ طائفة منهم السلاح فيُقْبِلون على العدو، والطائفة الأخرى يصلون مع الإمام ركعة، ثم يأخذون أسلحتهم، فيستقبلون العدو، ويرجع أصحابهم فيصلون مع الإمام ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولسائر الناس ركعة واحدة، ثم يقضون ركعة أخرى، وهذا تمام من الصلاة١
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿فإذا سجدوا﴾ يقول: فإذا سجدت الطائفةُ التي قامت معك في صلاتك تصلي بصلاتك، ففرغت من سجودها؛ ﴿فليكونوا من ورائكم﴾ يقول: فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم مُصافِّي١ العدو، في المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تُصَلِّ معك ولم تدخل معك في صلاتك٢
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ يعني: النبي ﷺ، ﴿فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾، وليأخذوا حذرهم من عدوهم، ﴿وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون﴾ يعني: تذرون ﴿عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون﴾ يعني: فيحملون ﴿عليكم﴾ جميعًا ﴿ميلة واحدة﴾ يعني: حملة واحدة، يعني: كرجل واحد عند غفلتكم١