سورة يس | الآية ١١

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

وقفات مع سور وآيات
لا تنفع المواعظ ولا يجدي النصح من لم يجعل الكتاب والسنة مصدر التلقي عنده، وخاف الله في قرارة نفسه (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب)
سعود الشريم
وقفات مع سور وآيات
( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْب ... ) ما أجمل أن تذكر ذنوبك في الخلاء، فتستغفر منها ربك وتناجيه في الخفاء !!
عايض المطيري
وقفات مع سور وآيات
{ إنما تُنذر من اتبع الذِّكر وخشي الرحمن بالغيب فبشّره بمغفرة وأجر كريم } كلما كانت مسافة الاتباع بينك وبين القرآن قصيرة كلما كانت النُذُر الشرعية والكونية أشد وقعاً وأثرا في نفسك.
عبد الله المهيلان
وقفات مع سور وآيات
( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بالغيب ) بقدر خشيتك من المولى في الخفاء، يكون نصيبك من النعيم في السماء.
عايض المطيري
وقفات مع سور وآيات
{إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} المنتفع حقًا من إنذار الرسول: من اتبع وتأثر وعمل بالقرآن؛ فأثمر ذلك خشية لله.
محمد الغرير
وقفات مع سور وآيات
امتدحهم الله بسرائرهم وخلواتهم فهو وحده المطّلع عليها؛وكل أدرى بنفسه. ﴿وَخَشِيَ الرَّحمن بالغيب فَبَشِّرهُ بِمَغفِرَةٍ﴾
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
آيةٌ عظيمة حاكمة على محكات الإيمان الصادقة: ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم﴾.
عبداللطيف التويجري
وقفات مع سور وآيات
﴿وَخَشِيَ الرَّحمنَ بِالغَيبِ ﴾ الخوف من الله في الخلوة يعقبه بشارة بالمغفرة والأجر الكريم.
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
(إنما تنذر من اتّبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشّره بمغفرة وأجر كريم) فبقدر خشوع القلب ومراقبة الله يكون تأثير المواعظ.
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
"وخشي الرحمن بالغيب" في ذكر الرحمن إشارة إلى أن رحمته لا تقتضي عدم خشيته فالمؤمن يخشى الله مع علمه برحمته.
ابن عاشور
بلاغة القرآن
برنامج لمسات بيانية آية (11): (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) فكرة عامة عن هذه الآية: بالنسبة للذين تقدموا قال (وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (10)) يبقى من يستفيد من الإنذار؟ أولئك سواء عليكم. * إذن هنالك طائفتان؟ هنالك (وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (10)) وطائفة أخرى تستفيد من الإنذار قال (إنما تنذر) إنذاراً نافعاً (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) يعني ينفع من كان حياً يؤثر فيه الإنذار. في هذه الآية ذكر صنفين يستفيدان من هذا الإنذار (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) طائفة من المؤمنين الذين استجابوا هم كانوا مؤمنين تأتي الآية فتزيدهم إيماناً وطائفة من كان له قلب فسمع فيستفيد. إذن هذه عندما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب أن هنالك طائفتان تستفيدان الطائفة المؤمنة الذين هم اتبعوا في الأصل فيزيدهم إيماناً (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا (124) التوبة) فيستفيدوا منها وطائفة أخرى ممن كان له قلب حيّ فيسمع فيستفيد إذن هذه تنفع طائفتين الطائفة المومنة وطائفة أخرى لها قلب فتنتفع بالإنذار يعني قسمين المؤمنين ومن كان حيّ القلب يستمع ويستفيد إذن هو إنذار نافع قسمين من اتبع الذكر يعني كان مؤمناً ومن سيتبع من إذا سمع الإنذار اتّبع. لكن يبقى السؤال هو قال (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) يقولون هذا ماضي يعني المؤمنين، لا، أحياناً الفعل الماضي يكون للاستقبال مثلاً لما قال (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) البقرة) هو لم يخرج بعد، هل هي فقط للماضي؟ هو للمستقبل و(خرجت) ماضي دل على الاستقبال. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) البقرة) هل التوبة بعد الكتمان أو قبله؟ بعد الكتمان، (يكتمون) فعل مضارع وقال (تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا) معناها يتوبون لأن هذا واقع بعد يكتمون بعد المضارع فأحياناً الماضي يأتي للمستقبل. * هذه من أساسيات اللغة أيضاً، جرياً على سنن العربية؟ طبعاً. * هل لهذا دلالة معينة؟ هذا للتوكيد أنه تنزّل المستقبل منزلة الماضي مثل أحوال القيامة (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ (99) الكهف) فإذن هو الآن اتبع الذكر تشمل صنفين صنف سيتّبع وصنف اتّبع (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) كما ذكرنا الآن من كان له قلب فاتّبع ومن كان له قلب حيّ فيتبع عندما يسمع (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس). *هل الإنذار خاص بالكافرين في القرآن؟(د.فاضل السامرائي) الإنذار في القرآن الكريم لا يكون خاصاً للكفار والمنافقين وقد يأتي الإنذار للمؤمنين والكافرين. والإنذار للمؤمن ليس فيه توعد فهو للمؤمنين تخويف حتى يقوم المؤمن بما ينبغي أن يقوم به كما في قوله تعالى (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ {11} يس) وهذا ليس فيه تخصيص لمؤمن أو كافر. وقد يأتي الإنذار للمؤمنين (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ {214} الشعراء) (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ {18}فاطر) وقد يكون للناس جميعاً (وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ {44} إبراهيم) (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ {51}) . * ربنا تبارك وتعالى قال (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) لماذا اتّبع وليس تبِع؟ افتعل تفيد المبالغة والاجتهاد في الأمر يعني فرق بين صبر واصطبر، جهد واجتهد، اصطبر فيها مبالغة في الصبر (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) طه) فاتّبع للمبالغة في الإتباع وليس إتباعاً عرضياً وإنما مبالغة في الإتباع ويدلنا على هذا لو قرأنا الاية (وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) هل هذا متّبع كيفما كان أو متّبع مجتهد في الإتباع؟ مجتهد. لما قال (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) هل هذه للمتّبع هكذا أو المجتهد؟ للمجتهد. فإذن (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) مناسب لما بعده من الصفات (وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) هذا المبشّر بالمغفرة والأجر الكريم هذا مبالغ في الإتّباع وليس هكذا كيفما كان. فهو مناسب. قال سبحانه وتعالى ( وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) خشي الرحمن بالغيب فيها أكثر من معنى يُذكر: من المعاني التي تسبق إلى الذهن أنه خشي الرحمن وإن لم يشاهده كما آمن به بالغيب خشيه بالغيب. * ما معنى الخشية؟ الخوف مع التعظيم. ويكون في الغالب عالِماً بما يخشى. * إنما يخشى الله من عباده العلماء لأنهم يعلمون! كما آمن به سبحانه بالغيب خشيه بالغيب، آمن به ولم يشاهده كذلك خشيه ولم يشاهده وهذا طبعاً من تمام الإيمان لأن الناس عادة يخشون من يشاهدهم ويشاهدونه إذا كانوا يعلمون أن هنالك من يراقب أفعالهم توقفوا عند أمور لا يفعلوها وإن كانوا يحبون أن يفعلوها فإن غاب عن أعينهم ذهبت الخشية. أما هذا فإنه يخشى الرحمن لأنه يعلم أنه حاضر معه (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ (4) الحديد) يراقب أفعالكم وهذا من معاني الخشية، هذا أحد المعاني، أحد الأوجه. من أحد معاني يخشى أنه يخشى عقابه الذي سيكون بالغيب وهو يوم القيامة. * ليست خشية خاصة بذات الله وإنما بعقابه؟ بعقابه، (اتقوا النار) ومرة يقول (اتقون) فهو إذن يخشى عقابه الكائن يوم القيامة وهو غيب يوم القيامة غيب وما يحصل فيه غيب. إذن من معاني هذا التعبير أيضاً أنه يخشاه وهو لم يشاهده وأنه يخشى عقابه وهو غيب يوم القيامة. من معاني أيضاً هذا التعبير أنه يخشى الرحمن إذا غاب عن أعين الناس بمعنى يعني هنالك أناس كثير يفعلون أفعالاً إذا خلوا إلى أنفسهم فإن علموا أن أحداً شاهدهم توقفوا عنه لا يفعلونه، إذا أمن مراقبة الناس فعل لكن هذا الفعل قد لا يفعله أمام الناس. فهذا يخشى الرحمن وإن غاب عن أعين الناس * يخشى الرحمن أمام الناس وبعيداً عن أعين الناس؟ يخشى الرحمن وإن لم يشاهده ويخشى عقابه الذي في الغيب ويخشاه إذا غاب عن أعين الناس فكثير من الناس وإن كان عندهم دين لكن إذا خلوا إلى أنفسهم قد يفعلون أفعالاً لا يفعلونها أمامهم، هذا يخشى الرحمن وهو غائب عن أعين الناس. فإذن هذه عموم أنواع الخشية * التي تتجلى في قوله (وخشي الرحمن بالغيب) ليس بالغيب الغيب المطلق لأننا في الدنيا لم نرى الله؟ هذا أحد الأوجه التي تُذكر في هذه الآية. * يعني إطلاق عموم دلالة كلمة الغيب بالنسبة للناس وبالنسبة لرب الناس، سبحان الله! وهم غائبون عنه ربنا سبحانه وتعالى الإيمان به بالغيب وما وعد الله به غيب. * بالتأكيد أننا لا نرى الله سبحانه وتعالى فما أفادت كلمة غيب هنا؟ لأنه آمن به بالغيب. ربنا سبحانه وتعالى ذكر الملائكة أنه يؤمنون به، أيضاً ربنا سبحانه وتعالى غائب عن الملائكة لم يروه وهم يؤمنون به، فهذا إيمان بالغيب ليس كل الناس يؤمنون بالغيب. * حينما نقول اتبع الذكر المنطق إذا قلنا اتبع الذكر يقصد به يخشى الرحمن ويؤمن بالغيب، إتباع الذكر في حد ذاته. كل متبع يخشاه بهذه الأوجه كلها؟ أحياناً مع أنه متبع لبعض الأمور لكن قد تفلت منه أمور لا يفعلها أمام الناس وإنما يفعلها أمام نفسه، يحصل هذا الشيء، هذا أمر آخر إتباع مع الخشية والخشية بالغيب. * (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزئون (14) البقرة) لكن هنا الخشية كما ذكرتها معنى الخوف فما الإفادة التي استفدناها من كلام الرحمن مع الخشية؟ كان يأتي اسم آخر، ما دلالة وجود الرحمن مع الخشية؟ أحياناً يسبق إلى الذهن أن الرحمن لا يعاقب الناس يقولون (رحمته سبقت غضبه) (رحمتي وسعت كل شيء) فيتجرأ على فعل التجاء أو اتكالاً على الرحمن الرحيم، هكذا يذهب أن رحمتي واسعة والله غفور رحيم فيفعل الأشياء اتكالاً على هذه الصفة، على صفة الرحمن الرحيم، فربنا حذّرهم قال لا مع أنه رحمن لكن ينبغي أن يُخشى يعني رحمته لا تمنع عقابه ولا تمنع غضبه، * لا نغترّ برحمته كثيراً! لا تتكل على هذا وتترك كل شيء، وإنما الرحمن يعاقب فلا تتكلوا على رحمته فلذلك كان هذا تحذيراً مهماً وكبيراً. ثم إذا كان المنعِم رحمته كثيرة فينبغي أيضاً أن تخشى هذا الراحم وإلا يقطع عنك نعمتك. يعني إذا كان واحد يرحم إنساناً ويفعل له الخير هل ينبغي له أن يخالفه أو يحاربه؟ أو يطيعه؟ هذا يعاقِب بقطع الرحمة عنه إذن كونه رحمن ينبغي أن يُخشى ويُطاع لئلا يقطع عنه رحمته ولئلا يعاقبه بسلب ما أنعم به عليه . جو السورة هو يشيع فيها العزة والرحمة (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)). هناك أمر آخر مهم، هذا توجيه أن تكون الرحمة تنبغي أن تكون مقرونة بخشية الراحم، لا يصح الاتصاف بالرحمة وحدها لأنها قد تكون ضعفاً في غير محلها، قد تكون ضعفاً إن لم يكن معها قوة وخشية. يجب أن يكون معها قوة وخشية إذا كان الشخص لا يخاف من المٌربي ولا يخشاه متكلاً على رحمته يسيء . * "من أمِن العقاب أساء الأدب" ! قد تكون الرحمة وحدها في غير موضعها ستكون موطن ذم وموضع نقص، يعني هذا توجيه للمربي ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحِم يجب أن تجمع الأمرين الرحمة والخشية والخوف من هذا الراحم، لا تترك كل شيء وتتركه يفعل ما يشاء ولا تعاقبه لأنك ترحمه هذا سيسيء ويفعل ما يشاء "من أمِن العقاب أساء الأدب" إذن هذا توجيه للمربين ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحِم. * إذن وجود صفات أو أسماء لله فيها قوة وعزة هذا مطلوب بجانب الرحمة؟ طبعاً، ولذلك قال (نبئ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (50) الحجر) يجمع ، حتى سيدنا إبراهيم قال (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) مريم). * أو نقول هنا أن الخشية هنا خوف بسيط أو عذاب بسيط مقرون بالرحمن أم لا تعطي هذه الدلالة؟ عندما حذر (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (50) الحجر) صفة فيها شدة ولذلك هذا الاقتران اقتران في غاية الكمال الخشية والرحمة. * مع إسم الرحمن أيضاً لكن عودة بسيطة لكلمة الغيب يقول ربنا تبارك وتعالى (وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) وفي مواطن أخرى يذكر الخشية فقط (يخشون ربهم) بدون كلمة الغيب وبدون كلمة الرحمن أيضاً، فما الفرق بين هذه الآية وتلك؟ كيف نفهم سياقاتهما الدلالية؟ لما يقول (يخشون ربهم) هذه خشية مطلقة، يعني غير مقيّدة بالأمور التي تُذكر، عامة على كل حالة سواء كانت بالغيب أم لا. مثلاً عند غيبتهم عن عيون الناس أو عند حضورهم هم يخشون الرحمن في كل حال ليست في حالة دون حالة فستكون خشية مطلقة يدخل فيها (بالغيب) لما قال (يخشون ربهم) صارت الخشية مطلقة وصارت الخشية بالغيب جزءاً من تلك. * يعني هنا أطلق الخشية، عامة؟ عامّة في كل الأحوال. الآن ماذا ذكرت؟ يخشى ربه بالغيب وإن لم يشاهده يخشى ربه، يخشى عقابه أيضاً هذا دخل في قول يخشى ربه، يخشى إذا غاب عن عيون الناس هذا أيضاً يخشى ربه فهو يجمع كل المواطن التي تُذكر بالغيب وغيرها. تلك ستكون جزءً من الإطلاق، يخشون ربهم بالغيب هي حالة من حالات الخشية وتلك خشية عامة مطلقة وهذه مقيّدة. * حينما يقيّد بالغيب (وخشي الرحمن بالغيب) إذا كانت الخشية من العبد لله بالغيب فهي في غير الغيب أعمّ بالنسبة للناس وهذا العموم يدخل فيه التقييد؟ لا، الخصوص يدخل فيه التقييد وليس العموم، العموم مطلق سواء كان في هذه أو غيرها. * (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (23) الزمر) بدون بالغيب! الآية (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) هذا الأمر اقشعرار الجلود ولينها هل يشعر بها غير صاحبها؟ لا، مع الناس أو وحده؟ إذن دخل فيها (بالغيب) لأنه لا أحد يعلم غير الله سبحانه وتعالى فإذا قال هنا بالغيب ليس لها هنا موضع أصلاً، لا تفيد، هذا الأمر لا يعلمه إلا صاحبه وربنا سبحانه وتعالى، من يعلم بهذا؟ (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) هذه القشعريرة أمر داخلي ولين القلوب. * هذه القشعريرة أمر داخلي ولين القلوب يعلمه الله سبحانه وتعالى وفيه غيب! إذا قال هنا (بالغيب) ماذا ستفيد هذه العبارة؟ * إذن لا توجد في القرآن الكريم كلمة زائدة أبداً؟ لا، مستحيل. حتى في سورة الرعد أيضاً ذكر (يخشون ربهم) قال تعالى (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ (21) الرعد) ليس فيها غيب، آية الزمر عرفناها فماذا عن هذه؟ هذا الأمر يتضح عند ذكر كل سياق ورد فيه (بالغيب) وهذه الآية، ينبغي أن يُعلم السياق حتى يعلم لماذا هنا لم يقيد وهناك قيد. نقرأ سياق آية الرعد هذه ونقرأ سياقات أخرى حتى يتبين الفرق لماذا هنا أطلق وهناك قيّد. في الرعد قال (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)) أطلق في هذه الآية. الآن نقرأ ماذا قال في الغيب، ماذا ورد في الغيب، قال تعالى في الأنبياء (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)). وفي موطن آخر (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) فاطر) (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) الملك) (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33) ق) (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس) هذه بالغيب وتلك مطلقة. لو لاحظنا أولاً حتى نفهم النص الذي يظهر من آية الرعد التي هي مطلقة وصفهم بأنهم أولو الألباب ذكر أولو الألباب (إنما) وقصّر التذكر عليهم (إنما) أداة قصر (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) هذا وصف عام يشمل جميع كل ما أمر الله به، لا ينقضون الميثاق (وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ)، يصلون ما أمر الله به أو يوصل (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)، يخشون ربهم (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)، يخافون سوء الحساب (وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)، (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ)، (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، هذه مطلقة بالغيب وزيادة (سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ). جزاؤهم (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ) يدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم (يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) والملائكة يدخلون عليهم يحيونهم سلام عليكم (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ). لو نظرنا في جميع الآيات التي ورد فيها قوله (يخشون ربهم بالغيب) تشمل الجزء مما ذكر في آية الرعد. كما أطلق الخشية أطلق الوصف وأطلق الأجر، لما كانت الخشية بالغيب جزء من الخشية العامة تلاحظ كل ما ورد في القرآن في هذه المواطن هو جزء. حتى تكون المسألة واضحة، في الأنبياء قال (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)) ذكراً للمتقين، يخشون ربهم بالغيب، من الساعة مشفقون. لاحظ في سورة الرعد (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) (في سورة الرعد أكثر). في سورة الرعد أكثر فأصبح هذه الصفات (الذين يخشون ربهم بالغيب) جزء مما ذكر في الخشية العامة. نلاحظ في سورة فاطر (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)) أمران يخشون ربهم وأقاموا الصلاة هذه جزء مما ورد في سورة الرعد. في سورة الملك (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) فقط يخشون ربهم بالغيب لم يذكر شيئاً آخر، سورة ق (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33) ق) متقين، أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب، في سورة ق لم يذكر عبادة بدنية كلها عبادات قلبية (أواب، حفيظ، قلب منيب) لم يذكر عبادة بدنية مثل الإنفاق وإقامة الصلاة، سورة الرعد أعمّ. في سورة يس قال (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس) لم يذكر صفات أخرى. إذن تلاحظ عندما قال (بالغيب) هي جزء من الخشية العامة والصفات التي ذكرها هي جزء من الصفات المطلقة المذكورة في قوله (يخشون ربهم). في يس قال (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) لكن نلاحظ في سورة الرعد ذكر اتباع الذكر على درجة الإحسان. أنت عندما تنفق تكون اتبعت الذكر لكن هؤلاء ما اكتفوا وإنما أنفقوا سراً وعلانية هذا إحسان في الإنفاق ليس مجرد إتّباع. مثال آخر، هو قال (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) لاحظ (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا (40) الشورى) هذا اتّباع (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) الشورى) هذا أعلى، (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) هذا أعلى، هذا إحسان في الإتباع وليس اتباعاً فقط. * إذن هو يقصد ليس مجرد إتباع الذكر وإنما الإحسان في الإتباع؟ فما ذكر في الرعد قال (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) ولما قال (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) هذا إحسان في الإتباع، إذن صارت آية يس جزء مما ورد في قوله (يخشون ربهم). لاحظ حتى الجزاء، الجزاء في آية الرعد أعلى مما ذكر في يس. في يس قال (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) وفي الرعد (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)). في يس قال مغفرة وأجر كريم الأجر لا يعني الجنة.الأجر هو الجزاء على العمل ولا يعني الجنة بالضرورة. قال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) النساء) هذه في الدنيا وقال (لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أجراً عظيماً) الجزاء على العمل وليس بالضرورة الجزاء هو الجنة. * إذن في يس ليس المغفرة والأجر الكريم لا يدل دلالة قاطعة على أن الجزاء هو الجنة؟ ليس بالضرورة وإنما الجزاء على العمل زولا يشترط أن يكون الجنة. (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا (20) المزمل) لا تعني الجنة. يمكن أن تكون حسنات لكن الأجر هو الجزاء على العمل. ما ذكر في الرعد أعلى لأنه ذكر الجنة ويدخلون عليهم من كل باب. قد تقول يخشون ربهم بالغيب أعلى من يخشون ربهم؟ هو أشمل لأن قد تكون أحياناً الخشية بالحضور أعلى من الخشية * كيف وقالوا (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)؟ قسم من الناس ضعاف نفوس لا يحبون أن يُتهموا بالتدين يقولون هذا رجعي ويقولون هو معقد فيعمل أعمالاً أمام الناس لا يرتضيها هو ويخشى أن يُتهم بالرجعية والتخلّف ولو رجع إلى نفسه لا يفعلها، مثلاً أنا لست صائماً للتدين وإنما للصحة، يخجل أن يُتهم أنه متدين. يقول أنا لا أمتنع عن الخمر تديناً وإنما لأنها مذهبة للعقل أو تضر بالصحة، يعني هو يراعي الناس يفعل أفعالاً محرّمة بدافع المجاملة لا يخشى الله. الخشية أمام الناس وإظهارها أعل، يُظهر خشيته من الله أمام الناس ستكون أعلى وستكون أكمل لأن فيها إظهار وتعظيم لشعائر الله * مهما سمع من كلام ومهما اتُهم من اتهامات هو ثابت! تقوية لضعفاء المؤمنين ولذلك ربنا ذكر عن قوم (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) المدثر) فإذن الخشية المطلقة أكمل وأشمل لأن أحياناً تكون الخشية أمام الناس وإظهار أنك تخشى الله هذه فيها تقوية للإسلام وتقوية لشعائر الدين وتقوية للآخرين. * إذا صنع هذا ربما يقال له هذا رياء مثلاً؟ المهم هو وأمام الناس قد تكون أكمل * يعني ذكر الخشية بتقييد الغيب هذه أشمل؟ أشمل، ولذلك كان أجرها كما ذكر كثير. * هل الله سبحانه وتعالى فعلاً يحب اللغة العربية؟ وإذا كان يحبها هو أنزل كتباً أخرى بغير لغات؟ هو تحدى بها الخلق وتحدى بها الناس وتحدى به العرب لم يتحدى بلغات أخرى. * هذا التحدي فيه تعظيم للغة، يتحدى بها لأنها قوية في حد ذاتها. والله هذا يفسر لنا الانهيالات التي تنهال على اللغة العربية ولن تنال منها ولن تطال إن شاء الله. نكمل رحلتنا مع الخشية بالغيب والخشية بدون غيب بالشمول والعموم. ذكرنا الآن الفرق بين الخشية المطلقة وبين الخشية المقيّدة. أذكر أمراً في هذه الآية (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس) وفي هذه الآية ذكر نوعين من العبادة عبادة ظاهرة (اتبع الذكر) وعبادة قلبية (خشي الرحمن بالغيب) وذكر نوعين من الجزاء (مغفرة وأجر كريم) المغفرة ما يتعلق بالذنوب والأجر الكريم ما يتعلق بالعمل الصالح إذن شمل كل أنواع العبادة القلبية والظاهرة وكل أنواع العمل العمل السيئ مغفور لهم والعمل الصالح مأجورون عليه.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
(إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) والمعنى إذا كان إنذارك لا ينفع من حق عليه القول فإن الإنذار ينفع من يتبع الذكر ويخشى الرحمن بالغيب أي ينفع من كان حياً يؤثر فيه الإنذار، وينفع أيضاً من اتبع الذكر وهو القرآن والوعظ وخشي الرحمن بالغيب وهم المؤمنون. فالإنذار ينفع طائفتين: طائفة المؤمنين المتبعين للذكر الخاشين للرحمن فإن الإنذار يزيدهم أيماناً وتمسكاً وحذراً وخوفاً مما تنذرهم إياه. وطائفة آخري وهي التي لها قلب وسمع وبصر فتدخل في زمرة أهل الإيمان وهذا شأن كثير ممن أنذروا فإنهم فارقوا دينهم وآمنوا بدين الله. وعلى هذا يكون المعنى إنما تنذر إنذاراً نافعاً من اتبع الذكر، فمع هؤلاء يحصل المطلوب من الإنذار ومقصودة. والذكر هو القرآن والمواعظ وكل ما يذكر به المرء. وقد تقول: إنه عبر بالفعل الماضي فقال (اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِى الرَّحْمَنَ) فهذا يخص طائفة المؤمنين ولا يشمل من لم يدخل الإيمان قلبه بعد. فنقول: إن الفعل الماضي قد يعبر به عن المستقبل كقوله تعالى (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) – البقرة (150)، أي تخرج، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) – البقرة (159 -160)، أي إلا الذين يتوبون ويصلحون ويبينون بعد الكتمان، فعبر عن الكتمان بالفعل المضارع فقال (إن الذين يكتمون) وعبر عن التوبة والإصلاح والتبيين بعد الكتمان بالفعل الماضي فقال (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ، فإذا كان الكتمان مضارعاً فلا شك أن التوبة منه والتبيين يكونان بعده ولكنه عبر عن ذلك بالفعل الماضي. جاء في (الكشاف) إن قوله تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) "على معنى إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين وهم المتبعون للذكر وهو القرآن والوعظ الخاشعون ربهم" (1) وجاء في (البحر المحيط):"إنما تنذر أي إنذاراً ينفع من اتبع الذكر وهو القرآن، قال قتادة: أو الوعظ" (2). وجاء في (التفسير الكبير): "قال تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ). والترتيب ظاهر وفي التفسير مسائل: (المسألة الأولى) قال من قبل (لتنذر) وذلك يقتضي الإنذار العام على ما بينا، وقال (إنما تنذر) وهو يقضي التخصيص فكيف الجميع بينهما؟ نقول من وجوه: (الأول) هو أن قوله (لتنذر) أي كيفما كان سواء كان مفيداً أو لم يكن، وقوله (إنما تنذر) أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر ويخشى. (الثاني) هو أن الله تعالى لما قال إن الإرسال والإنزال وذكر أن الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم وإنما تنذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر كأنه يقول: يا محمد إنك بإنذارك تهدى ولا تدري من تهدى فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك" (3). وجاء في (روح المعاني) أن "(اتبع) بمعنى (يتبع)، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع والمعنى إنما ينفع إنذارك المؤمنين الذين اتبعوا، ويكون المراد بمن اتبع المؤمنين بالإنذار الإنذار عما يفرط منهم بعد الإتباع فلا يلزم تحصيل الحاصل، وقيل المراد من اتبع في علم الله وهم الأقلون الذين لم يحق القول عليهم (4). وقال (اتبع الذكر) ولم يقل (تبع) للدلالة على المبالغة في الاتباع والاجتهاد فيه ولذا اتبعه بقوله وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ فإن الذي يخشى الرحمن بالغيب هو متبع إتباعاً جاداً وليس إتباعاً على ضعف، والذي يبشر بمغفرة وأجر كريم هو المتبع لا مجرد التابع. فهؤلاء هم الذين يحصل معهم المقصود من الإنذار. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص30 إلى ص32 1- الكشاف 2/583 2- البحر المحيط 7/325 3- التفسير الكبير 26/47 4- روح المعاني 22/217
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
(وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) هذا فيه معان وأوجه: منها إنه يدل على إنه خشي الرحمن وإن لم يشاهده فكما آمن به بالغيب خشيه بالغيب، وهذا من تمام الإيمان ذلك أن الناس عادة يخشون من يشاهدهم ويشاهدونه ويعلمونه إنه مراقب أفعالهم فإن غاب عن أعينهم ذهبت الخشية منه، أما هذا فإنه يخشى الرحمن بالغيب لأنه يعلم أنه حاضر معه شاهد عليه يراقب أفعاله وإن غاب عن بصره. ومن معاني هذا التعبير أيضاً إنه خشي عقاب الرحمن الذي حذر عباده يوم القيامة وهو غيب ومعنى خشية عقابه وهذا من معاني خشية الرحمن بالغيب أيضاً. ومن معانيه أيضاً إنه يخشى الرحمن إذا غاب عن أعين الناس والمشاهدين له فكثير من الناس يفعلون أفعالاً إذا خلوا إلى أنفسهم لا يفعلونها إذا شاهدهم الناس، والمعنى إنه إذا أمن مراقبة الناس واطلاعهم عليه خشي الرحمن فلا يفعل إلا ما يرضيه. فهذا كله من معاني خشية الرحمن بالغيب وباستكمالها تكون خشيته بالغيب، جاء في (التفسير الكبير): "وقوله (بالغيب) يعنى بالدليل وإن لم ينته إلى درجة المرئي المشاهد فإن عند الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى للخشية فائدة. والمشهور أن المراد به بالغيب ما غاب عنا وهو أهوال القيامة، وقيل إن الوحدانية تدخل فيه" (1). وجاء في (البحر المحيط): "(بالغيب) أي الخلوة عند مغيب الإنسان عن عيون البشر" (2). وجاء في (روح المعاني): "(بالغيب) حال من المضاف المقدر في نظم الكلام... أي خشي عقاب الرحمن حل كون العقاب ملتبساً بالغيب أي غائباً عنه، وحاصله خشي العقاب قبل حلوله ومعاينة أهواله. ويجوز أن يكون حالاً من فاعل (خشي) أي خشي عقاب الرحمن غائباً عن العقاب غير مشاهد له أو خشي غائباً عن أعين الناس غير مظهر الخشية لهم لأنها علانية قلما تسلم من الرياء (3). قالوا وذكر اسمه (الرحمن) مع الخشية دون غيره من أسمائه الحسنى لأكثر من سبب منها: 1- إنه قد يسبق إلى الذهن أن الرحمن لا يعاقب لأن رحمته واسعة وإنها سبقت غضبه فيسبق إلى نفسه الرجاء وينسى الخشية فذكر ذلك لئلا يغتر مغتر برحمته. 2- أن الرحمة تورث الاتكال فقرنه بالخشية لئلا يتكل على رحمته وينسى عقابه. 3- أن من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر ينبغي أن يكون الخوف منه أتم وذلك لئلا يقطع عنه نعمته. 4- وهناك أمر آخر وهو أن جو السورة تشيع فيه الرحمة وذكرها وقد بنيت السورة على العزة والرحمة كما ذكرنا في قوله تعالى (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) والعزيز ينبغي أن يخشى فقوله (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) جمع بين العزة والرحمة. 5- وفيه توجيه إلى أن الرحمة ينبغي أن تكون مقرونة بخشية الراحم فلا يصح الاتصاف بالرحمة وحدها، فالرحمة وحدها قد تكون ضعفاً وقد يكون الاتصاف بها ذماً ونقصاً، فهو توجيه إلى المربين ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحم وبين الربوبية والخشية من الرب، وبين الرحمة والعقوبة، ولذا قال تعالى (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) – مريم (45) وقال (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) – الحجر (49 -50). جاء في (التفسير الكبير): " وقوله (وخشى الرحمن) فيه لطيفة وهي أن الرحمة تورث الاتكال والرجاء، فقال مع إنه رحمن ورحيم فالعاقل لا ينبغي أن يترك الخشية فإن من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم، مخافة أن يقطع عنه النعم المتواترة. و(تكملة اللطيفة) هي أن من أسماء الله اسمين يختصان به هما الله والرحمن كما قال تعالى (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) حتى قال بعض الأئمة هما علمان: إذا عرفت هذا فالله ينبئ عن الهيبة والرحمن ينبئ عن العاطفية فقال في موضع (رجاء الله) وقال ههنا (وخشي الرحمن) يعنى مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه" (4). وجاء في (البحر المحيط):" و(خشي الرحمن) أي المتصف بالرحمة مع أن الرحمة قد تعود إلى الرجاء ولكنه مع علمه برحمته هو يخشاه خوفاً من أن يسلبه ما أنعم به عليه " (5). وجاء في (روح المعاني):"و(خشي الرحمن) أي عقابه ولم يغتر برحمته عز وجل فإنه سبحانه مع عظيم رحمته أليم العذاب كما نطق به قوله تعالى (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ). ومما قرر يعلم سر ذكر الرحمن مع الخشية دون القهار ونحوه (6). وقد تقول: ولم قال ههنا (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) مع إنه قال في أكثر من موطن (ويخشون ربهم) من دون ذكر للغيب؟ والجواب أن كل تعبير مناسب لموطنه الذي هو فيه. ذلك أن قوله (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) مطلق أي يخشونه خشية مطلقة على كل حال سواء كانت بالغيب أم لا، وقوله (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) مقيد أي أن الخشية تكون بالغيب أي عند غيبتهم عن عيون الناس وإيضاح ذلك إنه إذا كان المقصود بالغيب أن يخشى ربه وإن لم يشاهده أو أنه يخشى عذابه يوم القيامة فإن الخشية كلها داخلة فيه سواء قال (بالغيب) أم لم يقل، وإذا كان المقصود بالغيب بمعنى الغيبة عن عيون الناس فإن هذه الخشية تكون مقيدة وقوله (يخشون ربهم) من دون ذكر للغيب يكون مطلقاً عاماً أي سواء كان الخاشي أمام الناس أم لا. وعلى هذا يكون قوله (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) هي حالة من حالات الخشية العامة وهي جزء منها فتلك خشية عامة مطلقة سواء كانت أمام الناس أم لا وهذه مقيدة، فالخشية العامة هي الخشية بالغيب وزيادة. فإذا كان المقام يقتضي ذكر الخشية العامة من دون تقييد ذكرها مطلقة ولم يقيدها وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) – الأنبياء (48 -49) وقال: (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) - فاطر 18 وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) – الملك 1 وقال: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) – ق 32 – 33 وقال: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) – يس11 فهذه كلها ذكر فيها الخشية بالغيب. في حين قال: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) – الرعد 21. وقال (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) – الزمر (23) فلم يذكر الخشية بالغيب وإنما أطلقها في الموطنين. أما أية الزمر فإن الأمر فيها واضح إذ لا داعي فيها للتقييد فإنه قال (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) واقشعرار الجلود ولينها ولين القلوب أمر غائب عن الآخرين ولا يشعر به إلا صاحبه أما الآخرون فلا يعلمونه، ولا يختلف الأمر سواء كان ذلك وحده أم مع الآخرين فلا داعي لتقييد الخشية بالغيب. وأما أية الرعد فإننا نذكر السياق الذي وردت فيه، قال تعالى: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) – الرعد 19-24 ومن النص يظهر ما يأتي: 1- إنه وصفهم بأنهم أولو الألباب وقصر عليهم التذكر فقال (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) والمعنى إنه لا يتذكر إلا أولو الألباب. 2- ذكر أنهم يوفون بعهد الله وهو وصف عام يشمل الالتزام بجميع الفروض وتجنب المعاصي (7). 3- وأنهم لا ينقضون الميثاق. 4- يصلون ما أمر الله به أن يوصل. 5- يخشون ربهم 6- يخافون سوء الحساب 7- إنهم صبروا ابتغاء وجه ربهم. 8- أقاموا الصلاة 9- أنفقوا مما رزقهم الله سراً وعلانية، وهذا يدل على الخشية بالغيب والزيادة. 10- يدرؤون بالحسنة السيئة. وذكر جزاءهم على النحو الآتي: 1- أن لهم عقبى الدار وهي جنات عدن يدخلونها هم. 2- ويدخلها معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. 3- والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. 4- يحبونهم بقولهم سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وإذا نظرنا في جميع الآيات التي ورد فيها قوله يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وجدنا أنها تشمل جزءاً مما ذكر في آيات الرعد.. فكما أن الخشية بالغيب جزء من الخشية العامة المطلقة أدرج في مواطن الخشية بالغيب جزءاً مما ذكر في الخشية العامة، فناظر بينهما في الإطلاق والتقييد، والجزئية والكلية، وأليك إيضاح ذلك: 1- ذكر في سورة الأنبياء إنه مما آتى موسى وهارون: 1. ذكراً للمتقين. 2. الذين يخشون ربهم بالغيب 3. من الساعة مشفقون فما في أية الأنبياء جزء مما ذكر في آيات الرعد، والخشية في الرعد تشمل الخشية بالغيب وزيادة. 2- ذكر في أية فاطر أمرين: 1. يخشون ربهم بالغيب 2. أقاموا الصلاة 3- ذكر في أية الملك: 1. يخشون ربهم بالغيب 4- ذكر في سورة ق: 1. أزلفت الجنة للمتقين. 2. وهم كل أواب. 3. حفيظ. 4. من خشي الرحمن بالغيب. 5. جاء بقلب منيب. ومن الملاحظ في آيات (ق) هذه أنه لم يذكر أعمالاً بدنية ظاهرة كالصلاة والإنفاق ودرء السيئة بالحسنة وغيرها، وأن الجزاء أقل مما في الرعد. 5- ذكر في سورة يس: 1. اتبع الذكر. 2. خشي الرحمن بالغيب. وقوله (اتبع الذكر) أمر عام يشمل عموم الإتباع، ونظيره في آيات الرعد (الذين يوفون بعهد الله) فإنه يشمل جميع ما عهد الله في كتبه، فما ذكر في الرعد أكثر تفصيلاً وقد شمل ما في آية يس تفصيلاً على جهة الإحسان في الإتباع وليس مجرد الإتباع. يوضح ذلك أن الله تعالى قال في صفات المتقين (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) وهذا إتباع. وقال ههنا (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) وهذا من الإحسان في الاتباع وليس مجرد الاتباع. وقال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) وهذا إتباع، وقال (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وهذا أمثل في الإتباع وأحسن، وقال ههنا (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) وهذا أعلى وأكمل وأمثل في الإتباع وأحسن مما قبله ذلك إنه لم يعف فقط وإنما درأ السيئة بالحسنة. ثم إن الجزاء في آيات الرعد أعلى مما ذكر في سورة يس فقد قال في سورة يس (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) وذكر في سورة الرعد أن لهم عقبى الدار جنات عدن ....الخ وهذا أعلى مما ذكر في سورة يس فإنه ذكر في سورة يس الأجر ولم يذكر الجنة والأجر لا يعنى الجنة نصاً وإنما هو الجزاء على العمل ويكون الأجر على حسب العمل، قال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) - النساء (66-68). فالأجر العظيم هنا لا يعنى الجنة وإنما هو الثواب على العمل ولذلك قال بعدها: (وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا). وقال (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) – المزمل 20. إذ لا يصح أن يقال هنا أن الأجر هو الجنة، ألا ترى أنه لا يقال (هو خيراً وأعظم جنة)؟ فما ذكر في آيات الرعد من الصفات والجزاء أعلى وأكمل. من هذا يتضح أم قوله (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أعم وأشمل من قوله (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ). قد تقول: إنك تعنى أن الذين قيل فيهم قوله (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أعلى وأمثل ممن فيهم (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) ونحن لا يبدو لنا هذا الأمر. فنقول: هذا أشمل لأنه يشمل الخشية بالغيب وغيرها، وقد تكون الخشية بالحضور أعلى من الخشية بالغيب عن الناس ذلك أن قسماً من الناس ضعاف النفوس لا يحبون أن يتهموا بالتدين والرجعية والجمود أو بالتعقيد فيتهاون ويعمل أمام الملأ أعمالاً لا ترتضيها نفسه ولو خلى بينه وبين نفسه لم يفعلها، فمثلاً: إن هناك من يقول: أنا لست صائماً تدينا وإنما لأمر يتعلق بالصحة لأنه يخجل أن يقول: أنا صائم تديناً، وآخر يقول: أنا لا أمتنع عن الخمر تديناً ولكن لأنها مذهبة للعقل والصحة. وهناك آخرون يفعلون أفعالاً محرمة بدافع المجاملة ونفوسهم تشعر بالإثم والحرج ولو تركوا وأنفسهم لم يفعلوها كشرب الخمر أو غيره من المعاصي كما فالتعالي عن قسم من أهل النار(وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) – المدثر (45)، وعن آخر يقول لصاحبه (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) – الزخرف _38)، ونحو ذلك. فإظهار الخشية من الله أمام هؤلاء أكمل وأمثل وأعلى من الخشية بالغياب عن عيون الناس لأن فيها إظهاراً وتعظيماً لشعائر الله وتقوية لضعفاء الدين وقمعاً للذين يجاهرون بمحاربة الله ورسوله. وعلى هذا تكون الخشية المطلقة أشمل وأكمل، ومعنى الخشية المطلقة: الخشية بالغيب والخشية بالمشاهدة. ثم لنلاحظ من ناحية آخري في قوله تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) أنه ذكر نوعين من العبادة: عبادة ظاهرة وهي قوله تعالى (اتبع الذكر) وعبادة قلبية وهي قوله (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)، وذكر نوعين من الجزاء: المغفرة والأجر الكريم. والمغفرة هي ما يتعلق بالذنوب. والأجر الكريم ما يتعلق بالعمل الصالح. فشمل ذلك كل أنواع العمل سواء كان سيئاً أم صالحاً. فالعمل السيئ مغفور لهؤلاء، والعمل الصالح مكافأ عليه بالأجر الكريم وهو أحسن تقسيم وأنسبه. جاء في (البحر المحيط): "ولما أجدت فيهم النذارة بشرة بمغفرة لما سلف وأجر كريم على ما أسلف من العمل الصالح وهو الجنة" (8) وجاء في (روح المعاني): "(فبشره بمغفرة) عظيمة لما سلف وقيل لما يفرط منه، و(أجر كريم) حسن لا يقادر قدره لما أسلف" (9) **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص32 إلى ص40. - التفسير الكبير 26/47 2- البحر المحيط 7/325 3- روح المعاني 22/217 4- التفسير الكبير 26/47 – 48 5- البحر المحيط 7/326 6- روح المعاني 22/217 7- البحر المحيط 5/382 8- البحر المحيط 7/325 9- روح المعاني 22/317
فاضل السامرائي