عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: أنزل الله في الوليد بن المُغيرة قوله: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٩٢] إلى آخرها١
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، قال: نزلت في الوليد بن المُغيرة١
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- أنه قال: خَرج مِن بطن أمه وحيدًا. قال: نزلت فيه هذه الآيات حتى بلغ: ﴿عليها تسعة عشر﴾١
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، يعني: الوليد بن المُغيرة المخزومي، كان يُسمّى: الوحيد في قومه، وذلك أنّ الله عز وجل أنزل على النبي ﷺ: ﴿حم، تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ. غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلهَ إلّا هُوَ إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر:١-٣، فلما نزلت هذه الآية قام النبيُّ ﷺ في المسجد الحرام، فقرأها، والوليد بن المُغيرة قريبًا منه يستمع إلى قراءته، فلمّا فَطِن ﷺ أنّ الوليد بن المُغيرة يَستمع إلى قراءته أعاد النبيُّ ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ﴾ إلى قوله: ﴿لا إلهَ إلّا هُوَ إلَيْهِ المَصِيرُ﴾... فلمّا سمعها الوليد انطلَق حتى أتى مجلس بني مخزوم، فقال: واللهِ، لَقد سمعتُ مِن محمد كلامًا آنفًا ما هو مِن كلام الإنس، ولا مِن كلام الجنّ، وإنّ أسفله لَمُغدِق، وإنّ أعلاه لَمُونقٌ، وإنّ له لَحلاوة، وإنّ عليه لَطُلاوة، وإنه لَيَعلو وما يُعلى. ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: لقد صَبأ الوليد، واللهِ، لئن صَبأ لتَصبونّ قريش كلّها. وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. فانطلَق أبو جهل حتى دَخل على الوليد، فقعد إليه كَشَبَه الحزين، فقال له الوليد: ما لي أراك -يا ابن أخي- حزينًا؟ فقال أبو جهل: ما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يَجمعون لك نفقةً لِيُعينوك على كِبَرك، ويزعمون أنك إنما زَيّنتَ قول محمد لِتُصيب مِن فضل طعامه. فغضب الوليدُ عند ذلك، وقال: أوَليس قد عَلمتْ قريشٌ أني مِن أكثرهم مالًا وولدًا، وهل يَشبع محمدٌ وأصحابُه مِن الطعام فيكون لهم فضل؟ فقال أبو جهل: فإنهم يزعمون أنك إنما زَيّنتَ قول محمد من أجل ذلك. فقام الوليد، فانطلَق مع أبي جهل، حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم، فقال: تزعمون أنّ محمدًا كاهن، فهل سمعتموه يُخبر بما يكون في غد؟ قالوا: اللهم، لا. قال: وتزعمون أنّ محمدًا شاعر، فهل رأيتموه يَنطق فيكم بشعرٍ قطّ؟ قالوا: اللهم، لا. قال: وتزعمون أنّ محمدًا كذّاب، فهل رأيتموه يَكذب فيكم قطّ؟ قالوا: اللهم، لا. وكان يُسمّى محمد ﷺ قبل النبوة: الأمين، فبَرّأه من هذه المقالة كلّها، فقالت قريش: وما هو، يا أبا المُغيرة؟ فتفَكّر في نفسه ما يقول عن محمد ﷺ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ فقَدَّر له السحر، ﴿فَقُتِلَ﴾ يعني: لُعِن ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لمحمد ﷺ السحر، ﴿ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم كَلَح، ﴿وبَسَرَ﴾ يعني: وتَغيّر لونه، [﴿ثم أدبر﴾]١ يعني: أعرَض عن الإيمان، ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ عنه، فقال الوليد لقومه: ﴿إنْ هذا﴾ الذي يقول محمد ﴿إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. فقال له قومه: وما السِّحر، يا أبا المُغيرة؟ وفرحوا، فقال: شيء يكون ببابل، إذا تعلّمه الإنسان يُفرِّق بين الاثنين، ومحمد يَأْثُره ولمّا يحذقه بعدُ، وايمُ الله، لقد أصاب فيه حاجته، أما رأيتموه فَرّق بين فلان وبين أهله، وبين فلان وبين أبيه، وبين فلان وبين أخيه، وبين فلان وبين مولاه، فهذا الذي يقول محمد سحرٌ يُؤثر عن مُسَيلمة بن حبيب -الحنفي الكذّاب-. يقول: يرويه عنه، فذلك قوله: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يقول: إنْ هذا الذي يقول محمد إلا قول البشر. قال الوليد بن المُغيرة: عن يَسار أبي فكيهة، هو الذي يأتيه به من مُسَيلمة –الكذّاب-، فجَعل الله له سَقر، وهو الباب الخامس مِن جهنم، فلمّا قال ذلك الوليد شَقّ ذلك على النبي ﷺ ما لم يشقّ عليه فيما قُذف بغيره من الكذب؛ فأَنزل الله تعالى على نبيّه ﷺ يعزيه ليَصبِر على تكذيبهم، فقال: يا محمد ﴿كَذلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢]، وأَنزل في الوليد بن المُغيرة: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾٢
٥
تفسير الكلبي: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ إلى قوله: ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ أنّ الوليد بن المُغيرة قال: يا قوم، إنّ أمْر هذا الرجل -يعني: النبي ﷺ- قد فشا، وقد حضَر الموسم، وإنّ الناس سيسألونكم عنه، ... بنحو ما سبق مختصرًا١
٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال في قوله: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ حتى بلَغ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، قال: هذه الآيات أُنزِلَتْ في الوليد بن المُغيرة١
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبيِّ ﷺ، فقَرأ عليه القرآن، فكأنه رَقَّ له، فبَلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عمّ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا ليُعطوكه، فإنك أتيتَ محمدًا لتَعرَّض لِما قِبلَه. قال: قد عَلمتْ قريش أني مِن أكثرها مالًا. قال: فقُلْ فيه قولًا يَبلغ قومك أنّك مُنكِرٌ له، أو أنك كارهٌ له. قال: وماذا أقول؟ فواللهِ، ما فيكم رجل أعلم بالشِّعر مني، ولا برَجَزِهِ ولا بقِصِيده مني، ولا بأشعار الجنّ، واللهِ، ما يُشبه الذي يقول شيئًا من هذا، وواللهِ، إنّ لِقَوْله الذي يقول حلاوة، وإنّ عليه لَطُلاوة١، وإنه لَمُثمِرٌ أعلاه، مُغدِقٌ أسفله، وإنّه لَيَعلو وما يُعلى، وإنه ليَحْطِم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أُفكّر. فلما فَكّر قال: هذا سحرٌ يُؤثر؛ يَأْثُره عن غيره. فنَزلت: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾٢
٨
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق معمر، عن رجل-، مثله١
٩
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- في قول الوليد بن المُغيرة: إنّه يأمر بالعدل، والإحسان١
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- قال: دَخل الوليدُ بن المُغيرة على أبي بكر، فسأله عن القرآن، فلمّا أخبَره خرج على قريش، فقال: يا عجبًا لِما يقول ابنُ أبي كَبْشَة، فواللهِ، ما هو بشعرٍ، ولا بسحرٍ، ولا بهَذْي من الجنون، وإنّ قوله لَمِن كلام الله. فلمّا سمع النّفرُ مِن قريش ائتمروا، وقالوا: واللهِ، لَئِن صَبأ الوليدُ لَتَصْبأنّ قريشٌ. فلما سمع بذلك أبو جهل قال: واللهِ، أنا أكفيكم شأنَه. فانطَلق حتى دَخل عليه بيتَه، فقال للوليد: ألم ترَ قومك قد جَمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألستُ أكثرهم مالًا وولدًا؟! فقال له أبو جهل: يَتحدَّثون أنك إنما تَدخل على ابن أبي قُحافة لِتُصيب من طعامه. فقال الوليد: لقد تَحدّث بهذا عشيرتي! فواللهِ، لا أقرب ابنَ أبي قُحافة، ولا عمر، ولا ابن أبي كَبْشَة، وما قوله إلا سحرٌ يُؤثر. فأَنزل الله: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾١
تفسير
١٠ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس، ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، قال: الوليد بن المُغيرة١
٢
قال عبد الله بن عباس: وكان يُسمّى: الوحيد في قومه١
٣
عن سعيد بن جُبَير، ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ الآيات، قال: هو الوليد بن المُغيرة بن هشام المَخزوميّ، وكان له ثلاثة عشر ولدًا، كلّهم ربّ بيت، فلما نزلت: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ لم يَزل في إدبار مِن الدنيا في نفسه وماله وولده حتى أخرجه الله من الدنيا١
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وحِيدًا﴾، قال: خَلَقتُه وحده، ليس له مال ولا ولد١
٥
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، يعني: الوليد بن المُغيرة١
٦
عن عامر الشعبي -من طريق حُصَين- في قوله عز وجل: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾، قال: هو الوليد بن المُغيرة المَخزوميّ١
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، قال: هو الوليد بن المُغيرة، أخرجه الله مِن بطن أمه وحيدًا، لا مال له ولا ولد، فرَزقه الله المال والولد والثّروة والنّماء١
٨
عن أبي مالك غَزْوان الغفاري، ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، قال: الوليد بن المُغيرة١
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، يعني: الوليد بن المُغيرة المَخزوميّ، كان يُسمّى: الوحيد في قومه...١
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ يقول: خَلِّ بيني -يا محمد- وبين مَن خَلقتُ وحيدًا. يقول: حين لم يكن له مال ولا بنون، يعني: خَلِّ بيني وبينه، فأنا أتفرّد بهلاكه، وأمّا الوليد يعني: خَلَقتُه وحده ليس له شيء١٢