سورة التوبة | الآية ١١٣

عرض السورة
موسوعة التفسير بالمأثور

ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن عبد الله بن مسعود، قال: جاء ابنا مُلَيْكَة، وهما من الأنصار، فقالا: يا رسول الله، إنّ أُمَّنا كانت تحفظ على البَعْل، وتُكْرِم الضيفَ، وقد وأَدَتْ في الجاهلية، فأين أُمُّنا؟ فقال: «أُمُّكما في النار». فقاما وقد شقَّ ذلك عليهما، فدعاهما رسولُ الله ﷺ، فرجعا، فقال: «ألا إنّ أُمِّي مع أُمِّكما». فقال منافقٌ مِن الناس: أوَما يُغني هذا عن أُمِّه إلا ما يُغني ابنا مُلَيْكَة عن أُمِّهِما ونحن نَطَأُ عَقِبَيْه؟! فقال شابٌّ مِن الأنصار: لم أر رجلًا كان أكثر سؤالًا لرسول الله ﷺ منه: يا رسول الله، وأين أبواك؟ فقال رسول الله ﷺ: «ما سألتُهما ربِّي فيطيعَني فيهما -وفى لفظ: فيطمِعَني فيهما-، وإنِّي لَقائِم يومئذ المقام المحمود». فقال المنافق للشابِّ الأنصاريِّ: سلْهُ: وما المقام المحمود؟ قال: يا رسول الله، وما المقام المحمود؟ قال: «ذاك يوم ينزِل اللهُ فيه على كُرْسِيِّه، يَئِطُّ به كما يَئِطُّ الرَّحلُ الجديد مِن تَضايُقِه، وهو كَسِعَة ما بين السماء والأرض، ويُجاء بكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا، فيكون أول مَن يُكْسى إبراهيم، يقول الله: اكْسُوا خليلى. فيُؤْتى بِرَيْطَتَيْن١ بيضاوين مِن رِياط الجَنَّة، ثم أُكسى على أثره، فأقوم عن يمين اللهِ مقامًا يغبطُني فيه الأوَّلون والآخِرون، ويُشَقُّ لي نهرٌ مِن الكوثر إلى حوضي». قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قطّ، لَقلَّما جرى نهرٌ قطُّ إلا في حالةٍ٢ أو رَضْراضٍ٣! فسَلْه: فيمَ يجري النهر. قال: «في حالة مِن المِسْك ورَضراضٍ». قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط، واللهِ، لقلَّما جرى نهر قط إلا كان له نبات، فسله: هل لذلك النهر نبات؟ فقال الأنصارى: يا رسول الله، هل لذلك النهر نبات؟ قال: «نعم». قال: ما هو؟ قال: «قُضْبان الذَّهَب». قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط، واللهِ، ما نبتت قضيب إلا كان له ثمر، فسله: هل لتلك القضبان ثمار؟ فسأل الأنصاريُّ، قال: يا رسول الله، هل لتلك القضبان ثمار؟ قال: «نعم، اللؤلؤ، والجوهر». فقال المنافق: لم أسمع كاليوم قط، فسله عن شراب الحوض؟ فقال الأنصاري: يا رسول الله، ما شراب الحوض؟ قال: «أشدُّ بياضًا مِن اللَّبَن، وأَحْلى مِن العسل، مَن سقاه الله مِنه شَرْبَةً لم يَظْمَأ بعدَها، ومَن حَرَمَهُ لم يَرْوَ بعدها»٤
التخريج
  1. ١الرَّيْطة: المُلاءَة إذا كانت قطعة واحدة، وقيل: هو كل ثوب لين دقيق. لسان العرب (ريط).
  2. ٢الحال: الطين الأسود كالحَمْأة. النهاية (حول).
  3. ٣الرضراض: الحصى الصغار. النهاية (رضرض).
  4. ٤أخرجه أحمد ٦‏/‏٣٢٨-٣٣٠ (٣٧٨٧)، والحاكم ٢‏/‏٣٩٦ (٣٣٨٥) واللفظ له. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وتعقَّبه الذهبي في التلخيص، فقال: «لا، والله؛ فعثمان ضعَّفه الدراقطني، والباقون ثقات». وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٣٦١-٣٦٢ (١٨٤٥٧): «في أسانيدهم كلهم عثمان بن عمير، وهو ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١٣‏/‏٧٣٩ (٦٣٣٣): «مُنكَر».
٢
عن أبي هريرة، قال: زار النبيُّ ﷺ قبرَ أُمِّه، فبكى، وأَبْكى مَن حوله، فقال: «استأذنتُ ربِّي عز وجل في أن أستغفر لها، فلم يُؤْذَن لي، واستأذنته في أن أزور قبرَها، فأذِن لي، فزوروا القبور؛ فإنّها تُذَكِّر الموتَ»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٦٧١ (٩٧٦)، والبغوي في تفسيره ٤‏/‏١٠١.

نزول الآيتين

١٩ قولًا
١
عن علي، قال: سمعتُ رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبويك وهما مُشرِكان؟! فقال: أوَلَمْ يستغفرِ إبراهيمُ لأبيه؟! فذكرتُ ذلك للنبيِّ ﷺ؛ فنزلت: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢‏/‏١٦٢ (٧٧١)، ٢‏/‏٣٢٨ (١٠٨٥)، والترمذي ٥‏/‏٣٣١-٣٣٢ (٣٣٥٨)، والنسائي ٤‏/‏٩١ (٢٠٣٦)، والحاكم ٢‏/‏٣٦٥ (٣٢٨٩)، ٢‏/‏٦٠٢ (٤٠٢٨)، وابن جرير ١٢‏/‏٢٥-٢٦، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٩٣ (١٠٠٤٩). قال الترمذي: «هذا حديث حسن». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال النحاس في الناسخ والمنسوخ ص٥٤٩: «وهذا من أحسن ما رُوِي في الآية، مع استقامة طريقه، وصِحَّة إسناده». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٧‏/‏٤٢٤-٤٢٥ (٧٢٤١): «رواه أبو يعلى الموصلي بسند صحيح».
٢
عن علِيٍّ، قال: أخْبَرْتُ رسولَ الله ﷺ بموتِ أبي طالب، فبكى، فقال: «اذهب، فغَسِّله، وكَفِّنه، ووارِه، غفر الله له ورَحِمَه». ففعلتُ، وجعل رسولُ الله ﷺ يستغفر له أيّامًا، ولا يخرج مِن بيته، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١‏/‏٩٩، وابن عساكر في تاريخه ٦٦‏/‏٣٣٦، من طريق محمد بن عمر الواقدي، قال: حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، عن علي به. إسناده ضعيف جِدًّا؛ فيه الواقدي، قال ابن حجر في التقريب (٦١٧٥): «متروك».
٣
عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: لَمّا حضرت أبا طالب الوفاةُ دخل عليه النبيُّ ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمَيَّة، فقال النبيُّ ﷺ: «أيْ عَمِّ، قل: لا إله إلا الله. أُحاجُّ لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمَيَّة: يا أبا طالب، أتَرْغَبُ عن مِلَّة عبد المطلب؟! فجعل رسولُ الله ﷺ يَعْرِضُها عليه، وأبو جهل وعبد الله يعودان بتلك المقالة، فقال أبو طالب آخرَ ما كلَّمهم: هو على مِلَّة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبيُّ ﷺ: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عنك». فنزلت: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية. وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسوله: ﴿إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء﴾ [القصص:٥٦]١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏٩٥ (١٣٦٠)، ٥‏/‏٥٢ (٣٨٨٤)، ٦‏/‏٦٩ (٤٦٧٥)، ٦‏/‏١١٢-١١٣ (٤٧٧٢)، ٨‏/‏١٣٩ (٦٦٨١)، ومسلم ١‏/‏٥٤ (٢٤)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢‏/‏١٦٧ (١١٣٢)، وابن جرير ١٢‏/‏٢٠-٢١، ١٨‏/‏٢٨٤، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٩٤ (١٠٠٥٢)، والثعلبي ٧‏/‏٢٥٥.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾، قال: يقول المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا وقد استغفر إبراهيمُ لأبيه كافرًا؟ فأنزل الله: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٢١.
٥
عن الحسن البصري -من طريق إسحاق بن بشر، عن سعيد، عن قتادة- قال: لَمّا مات أبو طالب قال النبيُّ ﷺ: «إنّ إبراهيم استغفر لأبيه وهو مشرك، وأنا أستغفر لعَمِّي حتى أُبلَّغَ». فأنزل الله: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى﴾. يعني به: أبا طالب، فاشْتَدَّ على النبيِّ ﷺ، فقال اللهُ لنبيه ﷺ: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ يعني: حين قال: ﴿سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفيًا﴾ [مريم:٤٧]، ﴿فلما تبين له أنه عدو لله﴾ يعني: مات على الشِّرْك ﴿تبرأ منه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦٦‏/‏٣٣٧.
٦
عن الحسن البصري -من طريق المبارك بن فضالة- قال: قيل للنبي ﷺ: إنّ فلانًا يستغفر لأبويه المشركين، قال: «ونحن نستغفر لآبائنا المشركين». فأنزل الله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ إلى قوله: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾. فأَمْسَكُوا عن الاستغفار لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٣٧٥-٣٧٦-، وابن عساكر ٦٦‏/‏٣٣٧.
٧
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق موسى بن عبيدة- قال: لَمّا مرِض أبو طالب أتاه النبيُّ ﷺ، فقال المسلمون: هذا محمد ﷺ يستغفر لعَمِّه، وقد استغفر إبراهيمُ لأبيه. فاستَغْفَروا لقراباتِهم مِن المشركين؛ فأنزل الله: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾. ثم أنزل الله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ قال: كان يرجوه في حياته، ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٩٤، ١٨٩٥. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٤/٤٢٢) على هذا القول بقوله: «والآيةُ على هذا ناسِخةٌ لفِعل النبي ﷺ؛ إذ أفعاله في حُكْمِ الشرعِ المُسْتَقِرِّ».
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّ رجالًا مِن أصحاب النبيِّ ﷺ قالوا: يا نبيَّ الله، إنّ مِن آبائنا مَن كان يُحْسِنُ الجِوار، ويَصِل الأرحام، ويَفُكُّ العاني، ويُوفي بالذِّمَم، أفلا نستغفر لهم؟! فقال النبيُّ ﷺ: «بلى، واللهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية. ثم عَذَرَ اللهُ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ إلى قوله: ﴿تبرأ منه﴾. وذُكِر لنا: أنّ نبيَّ الله ﷺ قال: «أُوحِي إلَيَّ كلمات، قد دَخَلْن في أُذُنِي، ووَقَرْنَ في قلبي، أُمِرْتُ ألّا أستغفر لِمَن مات مُشركًا، ومَن أعطى فضلَ ماله فهو خيرٌ له، ومَن أمْسَك فهو شَرٌّ له، ولا يلوم اللهُ على كفافٍ»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٢٤. وأورده ابن أبي زمنين في تفسيره ٢‏/‏٢٣٥، والثعلبي ٥‏/‏١٠١ مختصرًا. قال المتقي الهندي في كنز العمال ٦‏/‏٣٨٣ (١٦١٦٥): «مرسل».
٩
عن عمرو بن دينار -من طريق شبل- أنّ النبيَّ ﷺ قال: «اسْتَغْفَرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مُشْرِك، فلا أزالُ أسْتَغْفِرُ لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربِّي». وقال أصحابُه: لَنَسْتَغْفِرَنَّ لآبائنا كما استغفر النبيُّ ﷺ لِعَمِّه. فأنزل الله: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ إلى قوله: ﴿تبرأ منه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٢١.
١٠
عن سعيد بن المسيب، قال: لَمّا حُضِر أبو طالب أتاه رسولُ الله ﷺ، فقال له: «أيْ عمِّ، إنّك أعظمُ عليَّ حَقًّا مِن والدي، فقُل كلمة تَجِبُ لي بها الشفاعةُ يوم القيامة، قل: لا إله إلا الله». فذكر نحوَ ما تقدم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٢٢. وأورده الثعلبي ٥‏/‏٩٩.
١١
عن عمرو [بن دينار] -من طريق سفيان بن عيينة- قال: لَمّا مات أبو طالب قال له رسول الله ﷺ: «رحمك اللهُ، وغفر لك، لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله». فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون؛ فأنزل الله: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية. فقالوا: قد استغفر إبراهيمُ لأبيه. فنزلت: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ الآية. قال: فلمّا مات على كُفرِه تَبَيَّن له أنّه عدوٌّ لله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١‏/‏٩٩، وابن عساكر في تاريخه ٦٦‏/‏٣٣٦-٣٣٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢ساق ابنُ عطية (٤/٤٢٣) روايات النزول، ثم علَّق بقوله: «وعلى كُلِّ حالٍ ففي ورود النَّهْيِ عن الاستغفار للمشركين موضعُ اعتراض بقصة إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه، فنزل رفْع الاعتراض في الآية التي بعدها».
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى آخر الآية، وذلك أنّ النبيَّ ﷺ سأل بعد ما افْتَتَحَ مكَّةَ: أيُّ أبويه أحْدَثُ به عهدًا؟ قيل له: أُمُّك آمنةُ بنت وهب بن عبد مناف. قال: «حتى أستغفر لها؛ فقد استغفر إبراهيمُ لأبيه وهو مشرك». فهَمَّ النبيُّ ﷺ بذلك؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٩٩.
١٣
عن ابن مسعود، قال: خرج رسول الله ﷺ يومًا إلى المقابر، فاتَّبَعْناه، فجاء حتى جلس إلى قبرٍ منها، فناجاه طويلًا، ثم بكى، فبَكَيْنا لِبُكائه، ثم قام، فقام إليه عمر، فدعاه، ثم دعانا، فقال: «ما أبكاكم؟». قلنا: بكينا لبكائك. قال: «إنّ القبرَ الذي جَلَسْتُ عندَه قبرُ آمِنة، وإنِّي استأذنتُ ربِّي في زيارتها، فأَذِن لي، وإنِّي استأذَنتُ ربِّي في الاستغفار لها فلم يأذن لي، وأنزل عليَّ: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى﴾، فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة مِن الرِّقَّة، فذلك الذي أبكاني»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٣٦٦ (٣٢٩٢)، وابن حبان ٣‏/‏٢٦١ (٩٨١)، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٩٣-١٨٩٤ (١٠٠٥١). قال الحاكم: «صحيح، على شرطهما، ولم يخرجاه هكذا بهذه السياقة، إنما أخرج مسلم حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة فيه مختصرًا». وقال الذهبي في التلخيص: «أيوب بن هانىء ضعَّفه ابن معين». وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ص١٨٦٧: «وفيه أيوب بن هانئ، ضعَّفه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح». وقال الألباني في الضعيفة ١١‏/‏٢٢١ (٥١٣١): «ضعيف».
١٤
قال أبو هريرة، وبُرَيْدة: لَمّا قدِم رسولُ الله ﷺ مَكَّة أتى قبرَ أُمَّه آمِنَة، فوقف عليه حتّى حَمِيَت الشمسُ رجاءَ أن يُؤْذَن له فيَسْتَغْفِر لها؛ فنزلت: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٥‏/‏١٠٠، والبغوي في تفسيره ٤‏/‏١٠١.
١٥
عن بُرَيْدَة، قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ إذ وقف على عسفان، فنظر يمينًا وشمالًا، فأبصر قبرَ أُمِّه آمنة، ووَرَدَ الماءَ فتوضأ، ثم صلّى ركعتين، ودعا، فلم يَفْجَأْنا إلا وقد عَلا بُكاؤُه، فعلا بُكاؤُنا لبكائه، ثم انصرف إلينا، فقال: «ما الذي أبكاكم؟». قالوا: بكيتَ، فبكينا، يا رسول الله. قال: «وما ظننتم؟». قالوا: ظَنَنّا أنّ العذاب نازِل علينا بما نعمَل. قال: «لم يكن مِن ذلك شيء». قالوا: فظَنَنّا أنَّ أُمَّتك كُلِّفَتْ مِن الأعمال ما لا يُطِيقون فرَحِمْتَها. قال: «لم يكن مِن ذلك شيء، ولكن مررت بقبر أُمِّي آمنة، فصَلَّيت ركعتين، فاستأذنتُ ربِّي أن أستغفر لها، فنُهِيتُ، فبَكَيْتُ، ثُمَّ عدتُ فصَلَّيْتُ ركعتين، فاستأذنتُ ربي أن أستغفر لها، فزُجِرْت زَجْرًا، فعلا بُكائي». ثم دعا براحلته، فرَكِبَها، فما سار إلا هُنَيَّة حتى قامَتِ النّاقة١ لِثِقَل الوحي؛ فأنزل الله: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآيتين٢
التخريج
  1. ١قامت الدابة: إذا وقفت عن السير. لسان العرب (قوم).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ النبيَّ ﷺ لَمّا أقبل مِن غزوة تبوك اعْتَمَر، فلمّا هَبَط مِن ثَنِيَّة عُسْفان أمَر أصحابه أن يستندوا إلى العقبة: «حتى أرجع إليكم». فذهب، فنزل على قبر أُمِّه آمنة، فناجى ربَّه طويلًا، ثم إنّه بكى، فاشْتَدَّ بكاؤه، فبكى هؤلاء لبكائه، فقالوا: ما بكى نبيُّ الله هذا البكاء إلا وقد أُحْدِث في أُمَتِّه شيء لم يُطِقْه. فلمّا بكى هؤلاء قام، فرجع إليهم، فقال: «ما يُبكيكم؟». قالوا: يا نبيَّ الله، بكينا لبكائك. قلنا: لعلَّه أُحْدِث في أُمَّتك شيء لم تُطِقْه. قال: «لا، وقد كان بعضه، ولكنِّي نزلتُ على قبر أُمِّي، فدعوت اللهَ ليأذن لي في شفاعتها يوم القيامة، فأبى أن يأذن لي، فرحِمتُها وهى أُمِّي، فبَكَيْتُ، ثم جاءنى جبريل، فقال: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ الآية، فتَبَرَّأْ أنت مِن أُمِّك، كما تَبَرَّأ إبراهيمُ مِن أبيه. فرحِمْتُها وهي أُمِّي، فدعوت ربي أن يرفع عن أُمَّتِي أربعًا، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين؛ دعوت ربى أن يرفع عنهم الرجم مِن السماء، والغرق مِن الأرض، وأن لا يلبسهم شيعًا، وألا يُذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأبى أن يرفع عنهم القتل، والهرج». قال: وإنما عدَل إلى قبر أُمِّه لأنها كانت مدفونة تحت كَداء، وكانت عسفان لهم، وبها وُلِد النبيُّ ﷺ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١١‏/‏٣٧٤ (١٢٠٤٩)، والضياء المقدسي في المختارة ١٢‏/‏١٢٦-١٢٧ (١٥٢). قال الهيثمي في المجمع ١‏/‏١١٧ (٤٥٩): «رواه الطبراني في الكبير، فيه أبو الدرداء وعبد الغفار بن المنيب عن إسحاق بن عبد الله، عن أبيه، عن عكرمة، ومن عدا عكرمة لم أعرفهم، ولم أرَ مَن ذكرهم». وقال الألباني في الضعيفة ١١‏/‏٢٢٣: «وهو أولى بذلك -التضعيف-؛ لأنّ إسحاق بن عبد الله بن كيسان ضعيف جدًّا، وأباه ضعيف».
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ كثير (٧/٢٩٧) على هذا الحديث بقوله: «وهذا حديث غريب، وسياق عجيب».
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلمّا نزَلت أمسَكُوا عنِ الاستغفار لأمواتهم، ولم يُنَهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثُمَّ أنزل الله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه﴾ الآية. يعني: استغفَر له ما كان حيًّا، فلمّا مات أمْسَك عن الاستغفار١
التخريج
  1. ١أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٦‏/‏٢٨٢ (٢٤٨٣) مُطَوَّلًا، وابن جرير ١٢‏/‏٢٣-٢٤، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٩٣ (١٠٠٥٠) واللفظ له، من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به. وأورده الثعلبي ٥‏/‏١٠١. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
١٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا﴾ الآية، قال: إنّ النبيَّ ﷺ أراد أن يستغفر لأُمِّه، فنهاه الله عن ذلك، قال: «فإنّ إبراهيم قد استغفر لأبيه». فنزل: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٢٣. قال السيوطي: «إنّ هذا الأثر ضعيف معلول؛ فإن عطية ضعيف، وهو مخالف لرواية علي بن أبى طلحة عن ابن عباس السابقة، وتلك أصح، وعليٌّ ثقة جليل».
١٩
عن عطية بن سعد العوفي -من طريق فضيل- قال: لَمّا قدِم رسولُ الله ﷺ مَكَّةَ وقَفَ على قبرِ أُمِّه حتى سخنت عليه الشمس رجاءَ أن يُؤْذَن له فيَسْتَغْفِر لها، حتّى نزلت: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ إلى قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنهُ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٢٢.

النسخ في الآية

٣ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ إلى قوله: ﴿كما ربيانى صغيرًا﴾ [الإسراء:٢٣]، قال: ثم استثنى، فقال: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ إلى قوله: ﴿عن موعدة وعدها إياه﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
قال قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾: كان أُنزِل في سورة بني إسرائيل: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء:٢٣]، ثم أنزل في هذه الآية: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ الآية، فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مُشْرِكَيْن، ولا أن يقول: ربِّ، ارحمهما١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٢٣٤-.
٣
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم- أنّه قال: وقال في سورة بني إسرائيل: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]، ثم نسخ منها الآية التي في براءة: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٣‏/‏٧٦-٧٧ (١٦٧).

تفسير

٣ أقوال
١
عن أبي مالك غَزْوان الغِفارِيِّ -من طريق إسماعيل السدي- قوله: ﴿الجحيم﴾، قال: ما عَظُم مِن النار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٩٤.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، قال: تَبَيَّن للنبيِّ ﷺ أنّ أبا طالب حين مات أنّ التوبةَ قد انقَطَعَتْ عنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٢٩.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ يعني: ما ينبغي للنبي ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما﴾ كانوا كافرين، فـ﴿تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ حين ماتوا على الكُفْر. نزلت في محمد ﷺ وعليِّ بن أبي طالب عليه السلام، فقد استغفر إبراهيمُ لأبيه وكان كافرًا، فبيَّن اللهُ كيف كانت هذه الآية١