نزول الآية
٥ أقوالعن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: حفر رسول الله ﷺ الخندق، واجتمعت قريش وكنانة وغطفان، فاستأجرهم أبو سفيان بِلَطِيمَة١ قريش، فأقبلوا حتى نزلوا بفنائه، فنزلت قريش أسفل الوادي، ونزلت غطفان عن يمين ذلك، وطليحة الأسدي في بني أسد يسار ذلك، وظاهروهم بنو قريظة من اليهود على قتال النبي ﷺ، فلما نزلوا بالنبي ﷺ بحضرة المدينة حفرَ النبيُّ ﷺ الخندقَ، فبينما هو يضرب فيه بمِعْوَله إذ وقع المِعْوَل في صفا، فطارت منه كهيئة الشهاب مِن نار في السماء، وضرب الثاني، فخرج مثل ذلك، فرأى ذلك سلمانُ، فقال له: يا رسول الله، قد رأيتُ خرج مِن كل ضربة كهيئة الشهاب فسطع إلى السماء! فقال: «قد رأيت ذلك؟». فقال: نعم، يا رسول الله. قال: «يفتح لكم أبواب المدائن، وقصور الروم، ومدائن اليمن». قال: ففشا ذلك في أصحاب النبي ﷺ، فتحدثوا به، فقال رجل مِن الأنصار يدعى بَشير بن مُعتِّب: أيَعِدُنا محمد أن يفتح لنا مدائن اليمن وبيض المدائن وقصور الروم، وأحدُنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل؟! هذا -واللهِ- الغرور. فأنزل الله في هذا: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾، وذلك أنّ النبي ﷺ لَمّا بلغه إقبال المشركين مِن مكة أمَر بحفر الخندق، فحفر كلُّ بني أبٍ على حِدَة، وصار سلمان الفارسي في بني هاشم، فأتى سلمان على صخرة فلم يستطع قلعها، فأخذ النبي ﷺ المعول من سلمان، فضرب به ثلاث ضربات، فانصدع الحجر، وسطع نور من الحجر كأنه البرق، فقال سلمان: يا رسول الله، لقد رأيتُ مِن الحجر أمرًا عجيبًا وأنت تضربه. فقال النبي ﷺ: «وهل رأيت؟». قال: نعم. قال النبي ﷺ: «رأيت في الضربة الأولى [قرى] اليمن، وفي الضربة الثانية أبيض المدائن، وفي الضربة الثالثة مدائن الروم، ولقد أوحى الله عز وجل إلَيَّ بأنّه يفتحهن على أُمَّتي». فاستبشر المؤمنون، وفشا ذلك في المسلمين، فلما رأوا شدة القتال والحصر ارتاب المنافقون، فأساءوا القول، قال مُعَتِّب بن قُشَير بن عدي الأنصاري من الأوس من بني عمرو بن عوف: يعِدنا محمد فتح قصور اليمن وفارس والروم، ولا يستطيع أحدُنا أن يبرز إلى الخلاء حتى يوضع فيه سهم؟! هذا -واللهِ- الغرورُ مِن قول ابن عبد المطلب. وتابعه على ذلك نفر؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: كفرًا ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾١
عن عمرو بن عوف المزني -من طريق عبد الله بن عمرو بن عوف- قال: خطَّ رسولُ الله ﷺ الخندقَ عام الأحزاب، فخرجت لنا مِن الخندق صخرةٌ بيضاءُ مُدَوَّرة، فكسرت حديدنا، وشقَّت علينا، فشكونا إلى رسول الله ﷺ، فأخذ المِعْوَلَ مِن سلمان، فضرب الصخر ضربةً صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابَتَيِ المدينة، حتى لكأنّ مصباحًا في جوف ليل مظلم، فكبَّر رسولُ الله ﷺ، وكبَّر المسلمون، ثم ضربها الثانية، فصدعها، وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، فكبَّر ﷺ، وكبَّر المسلمون، ثم ضربها الثالثة، فكسرها، وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، فكبَّر، وكبر المسلمون، فسألناه، فقال: «أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أنّ أمتي ظاهِرةٌ عليها، وأضاء لي في الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشِروا بالنصر». فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله، موعدٌ صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر. فطلعت الأحزاب، فقال المسلمون: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهُمْ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾. وقال المنافقون: ألا تعجبون! يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل، يخبر أنه يُبْصِر مِن يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا! وأنزل القرآن: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾١
عن عروة بن الزبير -من طريق يزيد بن رومان-، ومحمد بن كعب القرظي -من طريق يزيد بن زياد- قالا: قال مُعَتِّب بن قُشَير: كأنّ محمدًا يرى أن يأكل مِن كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط! وقال أوس بن قَيْظيٍّ في مَلَأٍ مِن قومه مِن بني حارثة: إنّ بيوتنا عورة، وهي خارجة من المدينة، ائذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا. فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكرهم نعمته عليهم، وكفايته إيّاهم بعد سوء الظن منهم، ومقالة مَن قال مِن أهل النفاق: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ فكانت الجنود قريشًا وغطفانوبني قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة، ﴿إذْ جاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ﴾ بنو قريظة، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قريش وغطفان. إلى قوله: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ يقول: مُعَتِّب بن قُشَير وأصحابه، ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ يقول: أوس بن قَيْظيّ ومَن كان معه على ذلك مِن قومه١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: قال المنافقون يوم الأحزاب حين رأوا الأحزاب قد اكتنفوهم مِن كل جانب، فكانوا في شكٍّ وريبة مِن أمر الله، قالوا: إنّ محمدًا كان يَعِدُنا فتحَ فارس والروم، وقد حُصِرنا هاهنا حتى ما يستطيع أحدُنا أن يبرز لحاجته. فأنزل الله: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾١