تفسير
٢٢ قولًاقال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَقَدْ أخَذَ الله مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يعني: شاهدًا على قومهم، مِن كل سِبْطٍ رجلًا؛ ليأخذ هذا الرجلُ على سبطه الميثاق، وشهداء على قومهم، وكانوا اثني عشر سبطًا، على كل سبط منهم رَجُلًا، فأطاع الله عز وجل منهم خمسة، فكان منهم طالوت مِمَّن أطاع اللهَ عز وجل، وعصى منهم سبعة، فنقبوا على أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: أُمِر موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة، وقال: إنِّي قد كتبتها لكم دارًا وقرارًا ومنزلًا، فاخرج إليها، وجاهد مَن فيها من العدوِّ، فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبًا، مِن كل سبط نقيبًا، يكون على قومه بالوفاء منهم على ما أُمِروا به، وقل لهم: إنّ الله يقول لكم: إني معكم ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة﴾ إلى قوله: ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾. وأخذ موسى منهم اثني عشر نقيبًا، اختارهم من أسباط، كفلاء على قومهم بما هم فيه على الوفاء بعهده وميثاقه، وأخذ من كل سبط منهم خيرَهم وأوفاهم رجلًا. يقول الله عز وجل: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾. فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله، حتى إذا نزل التِّيهَ بين مصر والشام، وهي بلادٌ ليس فيها خَمَرٌ١ ولا ظِلٌّ، دعا موسى ربَّه حين آذاهم الحرُّ، فظلَّل عليهم بالغمام، ودعا لهم بالرزق، فأنزل الله عليهم المن والسلوى. وأمر الله موسى، فقال: أرسل رجالًا يتجسسون إلى أرض كنعان التي وهبتُ لبني إسرائيل، من كل سبط رجلًا. فأرسل موسى الرءوس كلهم الذين فيهم، فبعث الله عز وجل من بَرِّيَّةِ فاران بكلام الله، وهم رءوس بني إسرائيل. وهذه أسماء الرَّهْط الذين بعث الله من بني إسرائيل إلى أرض الشام -فيما يذكر أهل التوراة- ليَجُوسُوها لبني إسرائيل: من سِبْطِ روبيلَ: شامونُ بن ركونَ، ومن سبط شمعون: سافاطُ بن حُرى، ومن سبط يهوذا: كالِبُ بن يوفنا، ومن سبط أبينَ: يجائلُ بن يوسف، ومن سبط يوسف -وهو سبط إفراييمُ-: يوشع بن نون، ومن سبط بنيامين: فَلْطُ بن دَفُونَ، ومن سبط زَبالونَ: حدى بن سُودى، ومن سبط يوسف -وهو منشّا بن يوسف-: حدى بن سُوسا، ومن سبط دان: حملائلُ بن حملٍ، ومن سبط أشرَ: سابورُ بن ملكيلَ، ومن سبط نفتالى: بحرُ بن وفْسِي، ومن سبط دارٍ: حولايلُ بن منكدَ. فهذه أسماء الذين بعثهم موسى يتحسسون له الأرض، ويومئذٍ سُمِّي هوشع بن نون: يوشع بن نون، فأرسلهم وقال لهم: ارتفعوا قِبَلَ الشمس، فارْقَوا الجبل، وانظروا ما في الأرض، وما الشَّعْبُ الذي يسكنونه، أقوياء هم أم ضعفاء؟ أقليل هم أم هم كثير؟ وانظروا أرضهم التي يسكنون أسمينة هي أم هزيلة؟ ذات شجر أم لا؟ اجتازوا واحملوا إلينا من ثمرة تلك الأرض. وكان في أول ما سَمّى بِكْرُ ثمرةِ العنب٢
عن أبي معاذ الفضل بن خالد -من طريق الحسين بن الفرج المروزي- يقول في قوله: ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾: أمر الله بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهم موسى ﷺ؛ فلما كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى: ادخلوها. فأبَوْا، وجَبُنوا، وبَعَثُوا اثني عشر نقيبًا لينظروا إليهم، فانطلقوا، فنظروا، فجاءوا بحَبَّةٍ من فاكهتهم بوِقْرِ الرَّجُلِ، فقالوا: اقدروا قُدرةَ قوم وبأسَهم هذه فاكهتُهم. فعند ذلك قالوا لموسى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا﴾١
عن الربيع بن أنس: أنّ موسى عليه السلام قال للنقباء الاثني عشر: سيروا إليهم، فحدِّثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا؛ إنّ الله معكم ما ﴿أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا﴾١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالَ الله﴾ عز وجل للنقباء الاثني عشر: ﴿إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾ يعني: الذين بعثتهم إليكم، وفيهم عيسى ومحمد ﷺ، فكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. قال الله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاقَكم على أن تعملوا بما في التوراة، فكان الإيمان بالنبيين من عمل التوراة١
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وعزرتموهم﴾، قال: أعنتموهم١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وعزرتموهم﴾، قال: نصرتموهم١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿وعزرتموهم﴾، قال: نصرتموهم بالسيف١
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر- في قوله تعالى: ﴿وعزرتموهم﴾، قال: نصرتموهم١
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾، يعني: وأعنتموهم حتى يُبَلِّغوا الرسالة١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- يقول في قوله: ﴿وعزرتموهم﴾، قال: التعزير والتوقير: النصرة والطاعة١
عن يونس النحوي -من طريق أبي عبيدة معمر بن المثنى- أنّه كان يقول: تأويل ذلك: أثنيتم عليهم١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني: طيّبة بها أنفسكم، وهو التطوع؛ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ يقول: أغفر لكم خطاياكم الذي كان منكم فيما بينكم وبيني، ﴿ولَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ يعني: البساتين، ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ يعني: فقد أخطأ قصد الطريق؛ طريق الهدى، فنقضوا العهد والميثاق١
عن أبي العالية الرِّياحي -من طريق الربيع- في قوله: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل﴾ قال: أخذ الله مواثيقهم أن يُخْلِصوا له ولا يعبدوا غيره، ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾ يعني بذلك: وبعثنا منهم اثني عشر كفيلًا، فكفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه١
عن الحسن البصري -من طريق مبارك- في قوله: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل﴾، قال: اليهود من أهل الكتاب١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله عز وجل: ﴿اثني عشر نقيبا﴾. قال: اثني عشر وزيرًا، وصاروا أنبياء بعد ذلك. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول: وإني بحقٍّ قائلٌ لِسُراتها مقالةَ نُصْحٍ لا يضيع نقيبها١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله عز وجل: ﴿اثني عشر نقيبا﴾، قال: هم من بني إسرائيل، بعثهم موسى عليه السلام لينظروا إلى المدينة، فجاءوا بِحَبَّة من فاكهتهم وِقْرَ١ رَجُلٍ، فقالوا: اقدروا قُوَّة قومٍ وبأسَهم وهذه فاكهتُهم. فعند ذلك فُتِنوا، فقالوا: لا نستطيع القتال، فاذهب أنت وربك فقاتلا٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿اثني عشر نقيبا﴾، قال: مِن كُلِّ سِبْطٍ من بني إسرائيل رجالٌ أرسلهم موسى عليه السلام إلى الجبّارين، فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، ولا يَحْمِلُ عُنقُودَ عِنَبِهم إلا خمسة أنفس بينهم في خشبة، ويدخل في شَطْرِ الرُّمّانة إذا نُزِع حَبُّها خمسةُ أنفس أو أربعة، فرجع النقباء كلُّهم ينهى سِبْطَه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون وكالب بن يافنة أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعَصَوْهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما، فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يُصْبِحون حيث أمْسَوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم ذلك، فضرب موسى عليه السلام الحجرَ، لِكُلِّ سِبْطٍ عينًا، حجرًا لهم يحملونه معهم، فقال لهم موسى: اشربوا، يا حمير. فنهاه الله عن سبِّهم، وقال: هم خلقٌ، فلا تجعلهم حميرًا. والسِّبْطُ: كلُّ بطنٍ؛ بنو فلان، وبنو فلان١
قال الحسن البصري: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾، فما ضَمِنوا عنهم من شيء قَبِلوه وفعلوه١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾، قال: شهداء، من كل سِبْط رجلٌ شاهِدٌ على قومه١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: أمر الله بني إسرائيل بالسير إلى أريحاء -وهي أرض بيت المقدس-، فساروا، حتى إذا كانوا قريبًا منه بعث موسى اثني عشر نقيبًا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبابرة، فلقيهم رجل من الجبّارين يُقال له: عاج، فأخذ الاثني عشر، فجعَلهم في حُجْزَتِه، وعلى رأسه حَمْلَةُ حَطبٍ، فانطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا. فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟! فقالت امرأته: بل خلِّ عنهم، حتى يخبروا قومهم بما رأوا. ففعل ذلك، فلمّا خرج القومُ قال بعضُهم لبعض: يا قومُ، إنّكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارْتَدُّوا عن نبي الله، لكن اكتموه، وأخبروا نبييِ الله، فيكونان هما يريان رأيهما. فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه، ثم رجعوا، فانطلق عشرة منهم فنكثوا العهد، فجعل الرجل يخبر أخاه وأباه بما رأى مِن عاجٍ، وكتم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون، فأخبروهما الخبر، فذلك حين يقول الله: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: النقباء: الأمناء١٢