عن علي بن أبي طالب -من طريق علي بن علقمة الأنماريّ- قال: لَمّا نزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية. قال لي النبيُّ ﷺ: «ما ترى، دينارًا؟». قلتُ: لا يطيقونه. قال: «فنصف دينار؟». قلتُ: لا يطيقونه. قال: «فكم؟». قلتُ: شَعِيرةً١. قال: «إنك لَزهيد». قال: فنَزَلَتْ: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ الآية. قال: فبي خفّف اللهُ عن هذه الأُمّة٢٣
٢
عن سعد بن أبي وقّاص -من طريق مُصعب- قال: نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾، فقدّمتُ شَعيرة، فقال رسول الله ﷺ: «إنك لَزهيد». فنَزَلَت الآية الأخرى: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾١
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآية، قال: إنّ المسلمين أكثروا المسائلَ على رسول الله ﷺ حتى شقُّوا عليه، فأراد الله أن يُخَفِّف عن نبيّه ﷺ، فلما قال ذلك ضنّ كثيرٌ مِن الناس، وكفّوا عن المسألة؛ فأنزل الله بعد هذا: ﴿أأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية، فوسّع الله عليهم، ولم يُضيّق١
٤
عن مجاهد بن جبر، قال: كان مَن ناجى النبيَّ ﷺ تصدّق بدينار، وكان أول مَن صنع ذلك عليُّ بن أبي طالب، ثم نَزَلَتْ الرخصة: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾١
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: نُهُوا عن مناجاة النبي ﷺ حتى يُقدِّموا صدقة، فلم يُناجِه إلا عليُّ بن أبي طالب؛ فإنّه قد قدّم دينارًا فتصدَّق به، ثم ناجى النبي ﷺ، فسأله عن عشر خصال، ثم نَزَلَتْ الرخصة١
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر﴾: وذلك أنّ الناس كانوا قد أحفوا برسول الله ﷺ في المسألة، فنهاهم الله عز وجل عنه، وربما قال: فمَنعهم في هذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يَقضيَها حتى يُقدِّم بين يدي نجواه صدقة، فاشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأنزل الله عز وجل بعدُ هذه الآية، فنَسَختْ ما كان قبلها مِن أمر الصدقة من نجوى، فقال: ﴿أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة﴾ وهما فريضتان واجبتان، لا رُخصةَ لأحدٍ فيهما١
٧
قال محمد بن السّائِب الكلبي -من طريق معمر-: جاء عَلِيٌّ بدينار، فتصدَّق به، وكلّم النبي ﷺ، فأمسَك الناسُ عن كلام النبي ﷺ، ثم نزل التخفيف، فقال: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾١
٨
قال مقاتل بن سليمان: ذلك أنّ الأغنياء كانوا يُكثِرون مُناجاة النبيِّ ﷺ، ويَغلبون الفقراء على مجالس النبي ﷺ، وكان النبيُّ ﷺ يكره طول مجالستهم وكثرة نجواهم، فلمّا أمرهم بالصّدقة عند المناجاة انتَهَوا عند ذلك، وقَدرت الفقراء على كلام النبي ﷺ ومجالسته، ولم يقدم أحد مِن أهل المَيسرة بصدقة غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ قدّم دينارًا، وكلّم النبي ﷺ عشر كلمات، فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى أنزل الله تعالى: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾١
٩
عن مقاتل [بن حيان]، قال: إنّ الأغنياء كانوا يأتون النبيَّ ﷺ، فيُكِثُرون مناجاته، ويَغلبون الفقراء على المجالس، حتى كرِه النبيُّ ﷺ طول جلوسهم ومناجاتهم، فأمر الله بالصّدقة عند المناجاة، فأما أهل العُسرة فلم يجدوا شيئًا، وكان ذلك عشر ليال، وأما أهل المَيسرة فمنع بعضُهم مالَه وحبس نفسَه، إلا طوائف منهم، جعلوا يُقَدِّمون الصّدقة بين يدي النّجوى، ويزعمون أنه لم يفعل ذلك غير رجل من المهاجرين من أهل بدر؛ فأنزل الله: ﴿أأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية١
تفسير
قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ يعني: النبي ﷺ ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلك﴾ يعني: الصدقة ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن إمساكه ﴿وأَطْهَرُ﴾ لذنوبكم، نَزَلَتْ في الأغنياء، ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ الصّدقة على الفقراء ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن لا يجد الصّدقة١