تفسير
٢٣ قولًاعن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: إنّ إبراهيم مرَّ برجل ميت -زعموا: أنه حَبَشِيٌّ- على ساحل البحر، فرأى دوابَّ البحر تَخْرُج فتأكل منه، وسِباعَ الأرض تأتيه فتأكل منه، والطير تقَعُ عليه فتأكل منه، فقال إبراهيم عند ذلك: ربِّ، هذه دوابُّ البحر تأكل من هذا، وسِباعُ الأرضِ، والطيرُ، ثم تُميتُ هذه فتَبْلى، ثم تُحْيِيها، فأرني كيف تُحيي الموتى١
عن عبد الله بن عباس، وسعيد بن جبير: لَمّا اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلًا سأَلَ ملكُ الموت ربَّه أن يأذن له فيُبَشِّر إبراهيم بذلك، فأذِن له، فأتى إبراهيمَ ولم يكن في الدار، فدخل داره -وكان إبراهيم - عليه السلام - أغيَر الناس؛ إذا خرج أغْلَقَ بابه-، فلما جاء وجد في داره رجلًا، فثار عليه ليأخذه، وقال له: مَن أذِن لك أن تدخل داري؟ فقال: أذِن لي ربُّ هذه الدار. فقال إبراهيم: صدقتَ. وعَرَف أنّه ملَك، فقال: مَن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، جِئْتُ أُبَشِّرُك بأنّ الله تعالى قد اتَّخَذَك خليلًا. فحَمِد الله - عز وجل -، وقال: فما علامةُ ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءَك، ويحيي الله الموتى بسؤالك. فحينئذ قال إبراهيم: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ بعلمي أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك، واتخذتني خليلًا١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾، قال: مرَّ إبراهيمُ على دابِّة ميتٍ قد بَلِيَ وتقَسَّمَتْه الرياح والسباعُ، فقام ينظر، فقال: سبحان الله! كيف يُحْيِي اللهُ هذا؟ وقد علم أنّ الله قادرٌ على ذلك، فذلك قوله: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾١
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- قال: سألَ إبراهيمُ عليه السلام ربَّه أن يُرِيَه كيف يحيي الموتى؛ وذلك مِمّا لقِيَ مِن قومه مِن الأذى، فدعا به عند ذلك فقال: ﴿ربِّ، أرني كيف تحيي الموتى﴾١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى﴾، قال: ذُكِر لنا: أنّ خليل الله إبراهيم ﷺ أتى على دابَّةٍ تَوَزَّعَتْها الدَّوابُّ والسِّباع، فقال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾١
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: لَمّا اتخذ الله إبراهيم خليلًا سأل ملكُ الموت أن يأذن له فيُبشِّرَ إبراهيم بذلك، فأذِن له، فأتى إبراهيمَ وليس في البيت، فدخل داره -وكان إبراهيمُ مِن أغير الناس، إذا خرج أغلق الباب- فلما جاء وجد في بيته رجلًا، ثار إليه ليأخذه، وقال له: مَن أذِن لك أن تدخل داري؟ قال ملك الموت: أذِن لي ربُّ هذه الدار. قال إبراهيم: صدقتَ. وعرف أنه ملكُ الموت، قال: مَن أنت؟ قال: أنا ملَك الموت، جئتُكَ أُبَشِّرُك بأنّ الله قد اتَّخَذك خليلًا. فحَمِد الله، وقال: يا ملَك الموت، أرِني كيف تقبضُ أنفاس الكُفّار. قال: يا إبراهيم، لا تطيق ذلك. قال: بلى. قال: فأعْرِضْ. فأعرَض إبراهيم، ثُمَّ نظر، فإذا هو برجل أسودَ يَنالُ رأسُه السماءَ، يخرج مِن فِيه لَهَبُ النار، ليس مِن شعرة في جسده إلا في صورة رجل أسود يخرج مِن فيه ومسامِعِه لهب النار، فغُشِي على إبراهيم، ثم أفاق وقد تحوَّل ملكُ الموت في الصورة الأولى، فقال: يا ملَك الموت، لو لم يَلْقَ الكافرُ عند موته من البلاء والحزن إلا صُورَتَك لَكَفاه، فأرِني كيف تقبض أنفاسَ المؤمنين؟ قال: فأعْرِضْ، فأعرَض إبراهيمُ، ثم التفت، فإذا هو برجل شابٍّ أحسنَ الناس وجهًا وأطيبَه ريحًا في ثِيابٍ بيض، قال: يا ملَك الموت، لو لم يَرَ المؤمنُ عند موته مِن قُرَّة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه. فانطلق مَلَكُ الموت، وقام إبراهيم يدعو ربه، يقول: ربِّ، أرني كيف تحيي الموتى، حتى أعلم أني خليلك. قال: أولم تؤمن؟ يقول: تُصَدِّقْ بأَنِّي خليلُك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بِخُلُولَتِكَ١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى﴾، وذلك أنّه رأى جِيفَة حمار على شاطئ البحر تَتَوزَّعُهُ دوابُّ البَرِّ والبحرِ والطيرُ، فنظر إليها ساعة، ثُمَّ قال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: بَلَغَنِي: أنّ إبراهيم بينما هو يسير على الطريق إذا هو بجِيفَة حمار، عليها السباعُ والطير، قد تَمَزَّعَتْ لحمها، وبقي عظامُها، فوقف، فعَجِب، ثُمَّ قال: ربِّ، قد علمتُ لَتَجْمَعَنَّها مِن بطون هذه السباع والطير، ربِّ أرني كيف تحيي الموتى١
عن عطاء الخراساني: كانت جيفةَ حمار بساحل البحر، في بحيرة طَبَرِيَّة١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى بينهم، مما قصَّه الله في سورة الأنبياء؛ قال نمروذ -فيما يذكرون- لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد، وتدعو إلى عبادته، وتذكُر مِن قدرته التي تعظِّمه بها على غيره، ما هو؟ قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال نمروذ: أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ ثم ذكر ما قصّ الله من مُحاجَّتِه إياه، قال: فقال إبراهيم عند ذلك: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب-: مرَّ إبراهيمُ بِحُوتٍ نصفُه في البَرِّ ونصفُه في البحر، فما كان منه في البحر فدوابُّ البحر تأكله، وما كان منه في البرِّ فالسباعُ ودوابُّ البرِّ تأكله، فقال له الخبيث [يعني: إبليس]: يا إبراهيم، متى يجمع اللهُ هذا من بطون هؤلاء؟ فقال: يا ربِّ، أرني كيف تحيي الموتى. قال: أولم تؤمن؟! قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي١
قال يحيى بن سلّام: بلغنا: أنّ إبراهيم عليه السلام خرج يسير على حمار له، فإذا هو بجيفة دابَّة يقع عليها طير السماء، فيأخذ منها بِضْعَةً بِضْعَةً١، وتأتيها سباع البر، فتأخذ منها عُضْوًا عُضْوًا، ويقع من أفواه الطيرِ اللحمُ فتأخذه الحيتان، فقام إبراهيم عليه السلام مُتَعَجِّبًا، فقال: يا ربِّ، أرني كيف تحيي الموتى. قال: أو لم تؤمن؟! قال: بلى٢
عن ابن أبي نَجِيح، في قوله: ﴿ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾، قال: ثُمَّ مصير الكافر إلى النار. قال ابن أبي نجيح: سمعته من عكرمة، فعرضته على مجاهد، فلم ينكره١
قال الحسن البصري: لَمّا قال إبراهيم: ﴿رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ قال الله تعالى: إنِّي مُجِيبُك، وأجعله بلدًا آمنًا لمن ﴿آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾: يوم القيامة، ﴿ومن كفر﴾ فإني أمتعه ﴿قليلا﴾، وأرزقه من الثمرات، وأجعله آمنًا في البلد، وذلك إلى قليل، يعني: إلى خروج محمد، وذلك أنّ الله عز وجل كَرَّم محمدًا أن يخرجهم من الحرم؛ وهو المسجد الحرام، قال: ﴿ثم أضطره﴾ عند الموت ﴿إلى عذاب النار وبئس المصير﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم أضطره﴾ أُلْجِئُه إن مات على كفره ﴿إلى عذاب النار وبئس المصير﴾١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قوله: ﴿من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾، يعني: مَن وحَّد الله، وآمن باليوم الآخر١
قال محمد بن السائب الكلبي: يُحْمَل إليه من الآفاق١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وارزق أهله﴾ مِن المقيمين بمكة من الثمرات؛ ﴿من آمن منهم بالله﴾ يعني: مَن صَدَّق منهم بالله واليوم الآخر، وصَدَّق بالله أنَّه واحد لا شريك له، وصَدَّق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، فأَمّا مكة فجعلها الله أمنًا، وأمّا الرزق فإنّ إبراهيم اختص بمسائلته الرزق للمؤمنين١
عن محمد ابن شهاب الزهري، في قوله: ﴿رب اجعل هذا البلد آمنا﴾، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الناس لم يُحَرِّموا مكة، ولكن الله حَرَّمَها، فهي حرام إلى يوم القيامة، وإنّ مِن أعْتى الناس على الله [ثلاثةً]: رجل قَتَل في الحرم، ورجل قَتَل غيرَ قاتله، ورجل أخذ بذُحُول١ الجاهلية»٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾، قال: كان إبراهيمُ يَحْجُرُها على المؤمنين دون الناس١
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدًا آمنا﴾، قال: هذا دُعاءٌ دَعا به إبراهيمُ، فاستجاب له دعاءَه، فجَعَله بلدًا آمنًا١
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق عثمان بن ساجٍ- قال: قال إبراهيم ﷺ: ﴿رب اجعل هذا بلدًا آمنًا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة:١٢٦]، فاستجاب الله عز وجل له، فجعله بلدًا آمنًا، وأَمَّنَ فيه الخائف، ورَزَق أهله من الثمرات تُحْمَل إليهم من الأُفُق١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدًا آمنًا﴾، يعني: مكة، فقال الله عز وجل: نعم، فحَرَّمَه من الخوف١