تفسير
٢٨ قولًاعن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح- قالوا: كان سليمان يَتَجَرَّدُ في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يُدخل طعامه وشرابه، فدخله في المرة التي مات فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا تنبت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها، فيسألها: ما اسمكِ؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا. فيقول لها: لأيِّ شيء نبتِّ١؟ فتقول: نبتُّ لكذا وكذا. فيأمر بها فتُقطع، فإن كانت نبتتْ لغرسٍ غرسها، وإن كانت نبتت لدواء، قالت: نبتُ دواء لكذا وكذا. فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة، فسألها: ما اسمكِ؟ فقالت له: أنا الخروبة. فقال: لأي شيء نبتِّ؟ قالت: لخراب هذا المسجد. قال سليمان: ما كان الله لِيُخَرِّبه وأنا حي، أنتِ التيعلى وجهكِ هلاكي وخراب بيت المقدس. فنزعها، وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب، فقام يصلي مُتَّكئًا على عصاه، فمات ولا تعلم به الشياطين في ذلك، وهم يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كُوًى بين يديه وخلفه، وكان الشيطان الذي يريد أن يَخْلَعَ٢ يقول: ألستُ جليدًا٣ إن دخلتُ فخرجتُ من الجانب الآخر. فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمرَّ، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق، فمرَّ ولم يسمع صوت سليمان - عليه السلام -، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت فلم يحترق، ونظر إلى سليمان قد سقط، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه، فأخرجوه، ووجدوا منسأته -وهي العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرَضَة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرَضَة على العصا، فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي في قراءة ابن مسعود: (فَمَكَثُوا يَدْأَبُونَ لَهُ مِن بَعْدِ مَوْتِهِ حَوْلًا كامِلًا). فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذِبونهم، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنةً يعملون له، وذلك قول الله: ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي العَذابِ المُهِينِ﴾ يقول: تبيّن أمرهم للناس أنهم كانوا يكذِبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنتِ تأكلين الطعام أتيناكِ بأطيب الطعام، ولو كنتِ تشربين الشراب سقيناكِ أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين. فالذي يكون في جوف الخشب فهو ما تأتيها به الشياطينُ شكرًا لها٤٥
عن عبد الله بن شداد -من طريق خالد بن حصين- قال: قيل لسليمان -صلى الله عليه-: إنّ آية موتك أن ينبت في بيت المقدس شجرةٌ يُقال لها: الخروبة، فإذا نبتَ فهو آيةُ موتِك، فبينا هو كذلك إذ خرجت شجرة، فقال لها: ما اسمكِ؟ قالت: أنا الخروبة. فدخل المحراب، فقام على عصاه، فقُبض وهو على عصاه، فخرجت دابة من الأرض، فأكلت عصاه، فخَرَّ، فـ﴿تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾[[أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة ١/٢٢٥.]][[c=٥٣٠٦]]
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- قال: لَمّا ردّ الله الخاتم إليه لم يُصَلِّ صلاة الصبح يومًا إلا نظر وراءَه، فإذا هو بشجرة خضراء تهتز، فيقول: يا شجرة، أما يأكلك جِنٌّ ولا إنس ولا طير ولا هوام ولا بهائم؟ فتقول: إنِّي لم أُجعل رزقًا لشيء، ولكن دواء مِن كذا، ودواء من كذا. فقام الجن والإنس يقطعونها، ويجعلونها في الدواء، فصلى الصبح ذات يوم والتفت، فإذا بشجرة وراءه، قال: مَن أنتِ، يا شجرة؟ قالت: أنا الخرنوبة. قال: واللهِ، ما الخرنوبة إلا خراب بيت المقدس، واللهِ ما يُخرّب ما كنت حيًّا، ولكني أموت. فدعا بحنوط، فتحنّط وتكفَّن، ثم جلس على كرسيه، ثم جمع كفيه على طرف عصاه، ثم جعلها تحت ذقنه، ومات، فمكث الجن يعملون سنة يحسبون أنه حي، وكانت لا ترفع أبصارها إليه، وبعث الله الأرَضَة، فأكلت طرف العصا، فخَرَّ مُنكَبًّا على وجهه، فعلمتُ الجنُّ أن قد مات، فذلك قوله: ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ ولقد كانت الجن تعلم أنها لا تعلم الغيب، ولكن في القراءة الأولى: (تَبَيَّنَتِ الإنسُ أن لَّوْ كانَ الجِنُّ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي العَذابِ المُهِينِ)[[أخرجه عبد الرزاق ٢/١٢٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]][[c=٥٣٠٧]]
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿مِنسَأَتَهُ﴾: عصاه١
عن عبد الله بن عباس، قال: لبث سليمانُ على عصاه حولًا بعدما مات، ثم خرّ على رأس الحول، فأخذت الجن عصًا مثل عصاه، ودابةً مثل دابته، فأرسلوها عليها، فأكلتها في سنة، وكان ابن عباس يقرأ: (فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإنسُ أن لَّوْ كانَ الجِنُّ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُواْ فِي العَذابِ المُهِينِ سَنَةً) قال سفيان: وفي قراءة ابن مسعود: (وهُمْ يَدْأَبُونَ لَهُ حَوْلًا)١
عن عبد الله بن عباس -من طريق قيس بن سعد- قال: كانت الإنس تقول في زمن سليمان: إنّ الجن تعلم الغيب. فلمّا مات سليمان مكث قائمًا على عصاه ميِّتا حولًا، والجن تعمل بقيامه، (فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإنسُ أن لَّوْ كانَ الجِنُّ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُواْ فِي العَذابِ المُهِينِ سَنَةً) كان ابن عباس يقرؤها كذلك١
عن عبد الله بن عباس، قال: ﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ بلغت نصف العصا، فتركوها في النصف الباقي، فأكلتها في حَوْل، فقالوا: مات عام أول١
عن سعيد بن جبير، ﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾، قال: العصا١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾، قال: عصاه١
عن عكرمة مولى ابن عباس: ﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾، أنّه سُئِل عن المنسأة. قال: هي العصا. وأنشد فيها شعرًا قاله عبد المطلب: أمن أجلِ حبْلٍ لا أبا لك صِدْتَه بمنسأة قد جر حبْلك أحبُلا١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾، قال: الأرَضَة أكلت عصاه حتى خرَّ١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: كانت الجِنُّ تخبر الإنسَ أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غدٍ، فابتُلوا بموت سليمان، فمات، فلبث سنة على عصاه وهم لا يشعرون بموته، وهم مُسَخَّرون تلك السنة، ويعملون دائبين، ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾، وفي بعض القراءة: (تَبَيَّنَتِ الإنسُ أن لَّوْ كانَ الجِنُّ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُواْ فِي العَذابِ المُهِينِ)، وقد لبثوا يدأبون ويعملون له حولًا بعد موته١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: المنسأة: العصا. بلسان الحبشة١
عن عطاء الخراساني -من طريق يونس بن يزيد- في قوله: ﴿منسأته﴾، قال: عصاه١
قال مقاتل بن سليمان: وذلك أنّ الجِنَّ كانوا يُخْبِرُون الإنسَ أنّهم يعلمون الغيب الذي يكون في غدٍ، فابتُلوا بموت سليمان ببيت المقدس، وكان داود أسَّسَ بيتَ المقدس موضع فسطاط موسى عليه السلام، فمات قبل أن يُبْنى، فبناه سليمان بالصَّخر والقار، فلما حضره الموت قال لأهله: لا تخبروا الجِنَّ بموتي حتى يفرغوا مِن بناء بيت المقدس. وكان قد بقي منه عملَ سنة، فلما حضره الموت وهو مُتَّكِئٌ على عصاه، وقد أوصى أن يُكتم موته، وقال: لا تبكوا عَلَيَّ سنةً؛ لِئَلّا يتفرق الجنُّ عن بناء بيت المقدس. ففعلوا، فلما بنوا سنة وفرغوا مِن بنائه سلَّط الله عز وجل عليه الأَرَضَة عند رأس الحوْل على أسفل عصاه، فأكلته ﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ أسفل العصا، فخرَّ عند ذلك سليمان ميتًا، فرأته الجنُّ، فتفرقت، ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ يعنى: تبينت الإنس أن لو كانوا الجن ﴿يَعْلَمُونَ الغَيْبَ﴾ يعني: غيب موت سليمان ﴿ما لَبِثُوا﴾ حولًا ﴿فِي العَذابِ المُهِينِ﴾ والشقاء والنصَب في بيت المقدس. وإنما سُمُّوا الجن لأنهم استخفوا مِن الإنس فلم يروهم١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾: المنسأة: العصا١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: قال سليمان لملك الموت: إذا أُمِرتَ بي فأعلِمني. فأتاه، فقال: يا سليمان، قد أُمِرتُ بك، قد بقيتْ لك سُوَيْعَةٌ. فدعا الشياطينَ، فبنوا عليه صَرْحًا مِن قوارير ليس له باب، فقام يصلي، فاتَّكأ على عصاه، فدخل عليه ملك الموت، فقبضَ روحه وهو متكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارًا مِن ملَك الموت. قال: والجِنُّ تعمل بين يديه وينظرون إليه، يحسبون أنه حي، فبعث الله دابة الأرض؛ دابةٌ تأكل العيدان يُقال لها: القادح. فدخلتْ فيها، فأكلتها، حتى إذا أكلتْ جوف العصا ضعُفتْ، وثقل عليها، فخرّ ميتًا، فلما رأت ذلك الجن انفَضُّوا وذهبوا، فذلك قوله: ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾١
قال يحيى بن سلّام: مكث حولًا وهو مُتَوَكِّئ على عصاه، لا يرى الجِنُّ والإنسُ إلا أنّه حيٌّ على حاله الأول؛ لتعظُم الآية، بمنزلة ما أذهب الله مِن عملهم تلك الأربعين الليلة التي غاب عنها سليمان عن مُلْكِه، حيث خلَفه ذلك الشيطانُ في ملكه، وكان موتُه فجأةً وهو مُتَوَكِّئٌ على عصاه حولًا لا يعلمون أنه مات، وذلك أن الشياطين كانت تزعم للإنس أنهم يعلمون الغيب، فكانوا يعملون له حولًا لا يعلمون أنه مات، قال عز وجل: ﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ سقط لَمّا أكلتِ الأَرَضَةُ العَصا خرَّ سليمان، فقال: ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ للإنس ﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي العَذابِ المُهِينِ﴾ في تلك السُّخرة؛ في تلك الأعمال في السلاسل، تبين للإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين١
عن عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «كان سليمانُ إذا صلّى رأى شجرةً نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمُكِ؟ فتقول: كذا وكذا. فيقول: لِمَ أنتِ؟ فتقول: لكذا وكذا. فإن كانت لغرْسٍ غُرست، وإن كانت لدواء كُتِبَت، فصلّى ذات يوم، فإذا شجرة نابتة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب. قال: لأي شيء أنتِ؟ قالت: لخراب هذا البيت. فقال سليمان: اللهم، عمِّ عنِ الجن موتي، حتى يعلم الإنسُ أنّ الجن لا يعلمون الغيب. فهيّأ عصًا، فتوكأ عليها، وقبضه الله وهو متكئ، فمكث حولًا ميتًا والجن تعمل، فأكلتها الأرَضَة، فسقطت، فعلموا عند ذلك بموته، (فَتَبَيَّنَتِ الإنسُ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا حَوْلًا فِي العَذابِ المُهِينِ) -وكان ابن عباس يقرأها كذلك-، فشكرت الجنُّ الأَرَضَة، فأينما كانت يأتونها بالماء»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير-، موقوفًا١
عن عبد الله بن مسعود، ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ الآية، قال: مكث سليمانُ بنُ داود حولًا على عصاه مُتَّكِئًا، حتى أكلتها الأرَضَةُ، فخرَّ١
عن عطاء -من طريق جرير- قال: كان سليمان بن داود يصلي، فمات وهو قائم يصلي، والجن يعملون لا يعلمون بموته، حتى أكلت الأرَضَة عصاه، فخرَّ١
عن إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾، يعني: فلما أنزلنا عليه الموت١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ﴾ على سليمان ﴿المَوْتَ﴾ وذلك أنّ سليمان عليه السلام كان دخل في السن، وهو في بيت المقدس١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿دابَّةُ الأَرْضِ﴾: الأرَضَة١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿إلّا دابَّةُ الأَرْضِ﴾، قال: الأرَضَة١
عن قتادة بن دعامة: قال: الأرَضَة١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما دَلَّهُمْ﴾ ما دل الجنَّ ﴿عَلى مَوْتِهِ﴾ على موت سليمان ﴿إلّا دابَّةُ الأَرْضِ﴾ يعني: الأرَضَة١٢