تفسير
٦٠ قولًاعن قتادة بن دِعامة: في قوله: ﴿قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾ أنّه لن تراك نفسٌ فتَحْيا، وإليها يَفْزَعُ كل عالِمٍ١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾، يعني: أول المُصَدِّقين بأنّك لن تُرى في الدنيا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿وخر موسى صعقًا﴾، قال: مَغْشِيًّا عليه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- ﴿وخر موسى صعقا﴾، قال: غُشِيَ عليه، إلّا أنّ روحه في جسده١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وخرَّ موسى صعقا﴾، أي: ميِّتًا١٢
قال محمد بن السائب الكلبي: خرَّ موسى صَعِقًا يوم الخميس يوم عرفة، وأُعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾، يعني: ميِّتًا١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجّاج- ﴿وخر موسى صعقا﴾، أي: ميِّتًا١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وخر موسى صعقا﴾، قال: مَغْشِيًّا عليه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك-: ﴿فلما أفاق قال﴾ لِعِظَم ما رأى: ﴿سبحانك﴾ تنزيهًا لله مِن أن يراه أحدٌ، ﴿تبت إليك﴾: رجعتُ عن الأمر الذي كنتُ عليه١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح وغيره- في قوله: ﴿تبت إليك﴾، قال: من سُؤالي إيّاك الرؤيةَ١
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿فلما أفاق﴾، قال: فلمّا ردَّ الله عليه روحه ونفسه١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: لَمّا رأى موسى ذلك وأفاق؛ عَرَف أنّه قد سأل أمرًا لا ينبغي له، فقال: ﴿سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ يعني: ردَّ عليه نفسَه؛ ﴿قالَ﴾ موسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ﴾ من قولي: ربِّ، أرني أنظر إليك١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- يقول: أوَّل المُصَدِّقين الآن أنّه لا يراك أحد١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾، فمرَّت به الملائكة وقد صعِق، فقالت: يا ابن النساء الحُيَّض، لقد سألتَ ربَّك أمرًا عظيمًا. فلمّا أفاق قال: سبحانك، لا إله إلا أنت، تبت إليك، ﴿وأنا أول المؤمنين﴾. يقول: أنا أول مَن يؤمن أنّه لا يراك شيء من خلقك١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: ثُمَّ إنّه أفاق، فقال: ﴿سبحانك تبتُ إليك وأنا أول المؤمنينَ﴾. يعني: أول المؤمنين من بني إسرائيل١
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع- في قوله: ﴿وأنا أول المؤمنين﴾، قال: قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أوَّلُ منْ آمنَ بأنّه لا يراك أحدٌ مِن خلقك إلى يوم القيامة١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح، وغيره- في قوله: ﴿وأنا أول المؤمنين﴾، قال: أول قومي إيمانًا١٢
عن أنس -من طريق ثابت- عن النبي ﷺ، في قوله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾، قال: «أظْهَرَ مِقدار هذا». ووضع الإبهام على خِنصَرِ الإصبع الصغرى. فقال حميدٌ: يا أبا محمد، ما تريد إلى هذا؟ فضرب في صدره، وقال: مَن أنت يا حُميدُ، وما أنت يا حُميدُ؟! يُحَدِّثني أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ، وتقول أنت: ما تريد إلى هذا؟!١
قال عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار: ما تَجَلّى من عظمة الله للجبل إلا مِثْلُ سَمِّ الخِياط، يعني: صار دَكًّا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ موسى لَمّا كلَّمه ربُّه أحَبَّ أن ينظر إليه، فسأله، فقال: ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾. قال: فحفَّ حولَ الجبل بالملائكة، وحفَّ حول الملائكة بنارٍ، وحفَّ حول النار بالملائكة، وحفَّ حولهم بنار، ثم تجلّى ربُّك للجبل، تَجَلّى منه مثل الخِنصَرِ، فجعل الجبلَ دَكًّا، وخرَّ موسى صَعِقًا، فلم يزل صَعِقًا ما شاء الله١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾، قال: ما تجلّى منه إلا قَدْرُ الخِنصَرِ١
حُكي عن سهل بن سعد الساعدي: أنّ الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورًا قَدْرَ الدِّرهم، فجعل الجبلَ دَكًّا، أي: مُسْتَوِيًا بالأرض١
عن مجاهد بن جبر -من طريق أبي سعد-: ﴿قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾؛ فإنّه أكبرُ منك، وأشدُّ خَلْقًا. قال: فلمّا تجلّى ربُّه للجبل، فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبلُ يَندَكُّ على أوَّلِه، فلمّا رأى موسى ما يصنعُ الجبلُ خرَّ موسى صَعِقًا١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الملك بن أبي سليمان- في قوله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾، قال: كَشَف بعض الحُجُب١
قال الضحاك بن مزاحم: أظهر الله من نور الحُجُب مثلَ منخر ثور١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: إنّ موسى عليه السلام لَمّا كلَّمه ربُّه أحبَّ أن ينظر إليه، ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾. فحفَّ حول الجبل، وحفَّ حول الملائكة بنار، وحفَّ حول النار بملائكة، وحفَّ حول الملائكة بنار، ثم تجلّى ربُّه للجبل١
عن أبي مَعْشَرٍ، قال: مكث موسى أربعين ليلةً لا يَنظُرُ إليه أحدٌ إلا ماتَ؛ مِن نور ربِّ العالمين، ومصداق ذلك في كتاب الله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾١
قال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم الأول بأحاديث أهل الكتاب: أنّهم يجدون في تفسير ما عندهم من خبر موسى حين طلب ذلك إلى ربِّه؛ أنّه كان من كلامه إيّاه حين طمع في رؤيته، وطلب ذلك منه، ورَدَّ عليه ربُّه منه ما رَدَّ: أنّ موسى كان تَطَهَّر، وطَهَّر ثيابه، وصام للقاء ربه، فلمّا أتى طور سيناء ودنا اللهُ له في الغمام فكَلَّمه سَبَّحه، وحمده، وكبَّره، وقدَّسه، معَ تَضَرُّع وبكاء حزين، ثم أخذ في مدحته، فقال: ربِّ، ما أعظمك، وأعظم شأنك كله، من عظمتك أنّه لم يكن شيء قبلك، فأنت الواحدُ القهار، كأنّ عرشك تحت عظمتك نارًا توقد لك، وجعلت سُرادقًا من دونه سرادق من نور، فما أعظمك، ربِّ، وأعظم ملكك، جعلت بينك وبين ملائكتك مسيرة خمسمائة عام، فما أعظمك ربِّ، وأعظم ملكك وسلطانك، فإذا أردت شيئًا تقضيه في جنودك الذين في السماء، أو الذين في الأرض، وجنودك الذين في البحر؛ بعثت الريح من عندك لا يراها شيءٌ من خلقك إلا أنت إن شئت، فدَخَلَتْ في جوف مِن شئت من أنبيائك، فبَلغوا ما أردت من عبادك، وليس أحدٌ من ملائكتك يستطيع شيئًا من عظمتك، ولا من عرشك، ولا يسمع صوتك، فقد أنعمت عَلَيَّ، وأَعْظَمْتَ عَلَيَّ الفضل، وأحسنت إلَيَّ كُلَّ الإحسان، عَظَّمْتَنِي في أمم الأرض، وعَظَّمْتَني عند ملائكتك، وأَسْمَعْتَنِي صوتَك، وبَذَلْتَ لي كلامك، وآتيتني حِكْمَتك، فإنْ أعُدَّ نعماك لا أحصها، وإن أُرد شكرك لا أستطعه. دعوتك -ربِّ- على فرعون بالآيات العظام، والعقوبة الشديدة، فضربت بعصاي التي في يدي البحر، فانفلق لي ولِمَن معي، ودعوتُك حين أجزت البحر، فأغرقتَ عدوَّك وعدوي، وسألتُك الماء لي ولأُمَّتي، فضربتَ بعصاي التي في يدي الحَجَر، فمنه أرويتني وأُمَّتي، وسألتك لِأُمَّتي طعامًا لم يأكله أحدٌ كان قبلهم، فأمرتني أن أدعوك من قِبَل المشرق ومِن قِبَل المغرب، فناديتك من شرقي أمتي، فأعطيتني المَنَّ من مشرقي لنفسي، وآتيتهم السلوى من غَرْبِيِّهم مِن قِبَل البحر، واشتكيت الحرَّ، فناديتُك، فظَلَّلْتَ عليهم الغمام، فما أطيق نعماك عَلَيَّ أن أعدها ولا أحصيها، وإن أردت شكرها لا أستطيعها. فجِئْتُك اليومَ راغبًا طالبًا سائلًا مُتَضَرِّعًا؛ لِتُعْطيني ما مَنَعْتَ غيري، أطلب إليك وأسألك -يا ذا العظمة والعِزَّة والسلطان- أن تريني أنظر إليك، فإنِّي قد أحببتُ أن أرى وجهَك الذي لم يَرَهُ شيءٌ من خلقك. قال له ربُّ العِزَّة: ألا ترى -يا ابن عمران- ما تقول؟! تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحدٌ فيحيا، أليس في السموات معمري؟! فإنّهُنَّ قد ضعفن أن يحملن عظمتي، أوليس في الأرض معمري؟! فإنها قد ضعفت أن تسع لجندي، فلستُ في مكان واحدٍ فأتَجَلّى لعينٍ تنظر إلي. قال موسى: ربِّ، أن أراك فأموت أحبُّ إلَيَّ مِن أن لا أراك فأحيا. قال له ربُّ العِزَّة: يا ابن عمران، تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحد فيحيا. قال: ربِّ، تَمِّم عَلَيَّ نعماك، وتَمِّمْ عَلَيَّ فضلك، وتَمِّمْ عَلَيَّ إحسانك بهذا الذي سألتك، ليس لي أن أراك فأقبض، ولكن أحب أن أراك فيطمئن قلبي. قال له: يا ابن عمران، لن يراني أحدٌ فيحيا. قال موسى: ربِّ، تَمِّمْ عَلَيَّ نعماك وفضلك، وتَمِّمْ إلَيَّ إحسانك، بهذا الذي سألتُك، فأموت على إثر ذلك أحب إلَيَّ مِن الحياة. فقال الرحمنُ المُتَرَحِّم على خلقه: قد طلبتَ، يا موسى، وجئت لأُعطيتُك سُؤْلَك إن استطعت أن تنظر إلَيَّ، فاذهب فاتَّخِذْ لَوْحَيْن، ثم انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل، فإنّ ما وراءه وما دونه مضيق لا يسع إلا مجلسك، يا ابن عمران، ثم انظر فإنِّي أهْبِط إليك وجنودي من قليل وكثير. ففعل موسى كما أمره ربُّه، نَحَتَ لوحين، ثم صعد بهما إلى الجبل، فجلس على الحجر، فلمّا استوى عليه أمر الله جنودَه الذين في السماء الدنيا، فقال: ضعِي أكْنافَك حول الجبل. فسَمِعَت السماء ما قال الربُّ، ففعلت أمره، ثم أرسل الله الصواعق والظلمة والضباب على ما كان يلي الجبل الذي عليه موسى؛ أربعة فراسخ من كل ناحية، ثم أمر اللهُ ملائكةَ السماء الدنيا أن يمُرُّوا بموسى، فاعترضوا عليه، فمَرُّوا به كثيران البقر، تنبُع أفواههم بالتَّقْدِيس والتَّسبيح بأصوات عظيمة كصوت الرَّعد الشديد، فقال موسى بن عمران عليه السلام: ربِّ، إنِّي كنتُ عن هذا غَنِيًّا، ما ترى عيناي شيئًا، قد ذهب بصرُهما من شعاع النور المُتَضَعِّفِ على ملائكة ربي. ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية: أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه. فهبطوا أمثال الأُسْدِ، لهم لَجَبٌ١ بالتسبيح والتقديس، ففزع العبدُ الضعيفُ ابنُ عمران مِمّا رأى ومِمّا سَمِع، فاقْشَعَرَّت كلُّ شعرة في رأسه وفي جلده، ثم قال: ندِمْتُ على مسألتي إيّاك، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: يا موسى، اصْبِر لِما سألتَ، فقليلٌ من كثير ما رأيتَ. ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة: أن اهبطوا على موسى، فاعْتَرِضُوا عليه. فأقبلوا أمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم، أو كلهب النار، ففزِع موسى، وأَسِيَتْ٢ نفسُه، وأساء ظنَّه، وأَيِس من الحياة، فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: مكانَك، يا ابن عمران، حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة: أن اهبطوا، فاعْتَرِضُوا على موسى بن عمران. فأقبلوا، فهبطوا عليه، لا يشبههم شيء من الذين مرُّوا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مرُّوا به قبلهم، فاصْطَكَّت ركبتاه، وأَرْعَدَ قلبُه، واشتدَّ بكاؤه، فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: يا ابن عمران، اصْبِر لِما سألتَ، فقليل من كثير ما رأيتَ. ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة: أنِ اهبطوا، فاعترِضوا على موسى، فهبطوا عليه سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يُتْبِعَهم طَرْفَه، لم يرَ مثلهم، ولم يسمع مثل أصواتهم، وامتلأ جوفُه خوفًا، واشْتَدَّ حزنه، وكثر بكاؤه، فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: يا ابن عمران، مكانَك حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة: أنِ اهبطوا على عبدي الذي طلب أن يراني موسى بن عمران، فاعترِضوا عليه. فهبطوا عليه، في يدِ كُلِّ مَلَك مثل النخلة الطويلة نارٌ، أشدّ ضوءًا من الشمس، ولباسهم كلَهَب النار، إذا سَبَّحوا وقدَّسُوا جاوبهم مَن كان قبلهم من ملائكة السموات، كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سُبُّوح قُدُّوسٌ ربُّ العِزَّة أبدًا لا يموت. في رأس كل مَلَك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يُسَبِّح معهم حين سَبَّحوا، وهو يبكي، ويقول: ربِّ، اذكرني، ولا تنس عبدك، لا أدري أأنفَلِتُ مِمّا أنا فيه أم لا؟ إن خرجتُ احترقتُ، وإن مَكَثْتُ مِتُّ. فقال له كبيرُ الملائكة ورئيسُهم: قد أوشكتَ -يا ابن عمران- أن يمتلئ جوفك، وينخلع قلبك، ويشتد بكاؤك؛ فاصبر للذي جلست لتنظر إليه يا ابن عمران. وكان جبلُ موسى جبلًا عظيمًا، فأمر الله أن يحمل عرشه، ثم قال: مُرُّوا بي على عبدي ليراني، فقليل من كثير ما رأى. فانفرج الجبلُ مِن عَظَمة الرب، وغشي ضوء عرش الرحمن جبلَ موسى، ورفعت ملائكة السموات أصواتهم جميعًا، فارتجُّ الجبلُ، فاندَكَّ وكلُّ شجرة كانت فيه، وخرَّ العبدُ الضعيف موسى بن عمران صَعِقًا على وجهه، ليس معه روحه، فأرسل الله الحياة برحمته، فتَغَشّاه الروح برحمته، وقلب الحجر الذي كان عليه وجعله كالمَعِدَةِ، كهيئة القُبَّة؛ لِئَلّا يحترق موسى، فأقامه الروح مثل الأم أقامت جنينها حين يصرع، قال: فقام موسى يُسَبِّح الله، ويقول: آمنتُ أنّك ربي، وصدَّقْتُ أنّه لا يراك أحدٌ فيحيا، ومَن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبُه، فما أعظمك ربِّ وأعظم ملائكتك، أنت رب الأرباب، وإله الآلهة، وملك الملوك، تأمر الجنود الذين هم عبيدك فيطيعونك، وتأمر السماء وما فيها فتطيعك، لا تستنكف من ذلك، ولا يعدلك شيء، ولا يقوم لك شيء، ربِّ تُبْتُ إليك، الحمد لله الذي لا شريك لك، ما أعظمك وأجلَّك، ربَّ العالمين٣٤
عن وهب بن مُنَبِّه، نحوه مختصرًا١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى﴾ الجبلَ ﴿لِمِيقاتِنا﴾ يعني: لميعادنا؛ لتمام الأربعين يومًا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿قال رب أرني﴾، يقول: أعطِنِي أنظرْ إليك١
قال الحسن البصري: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا... ﴾، لَمّا كلَّمه ربُّه دَخَل قلبُ موسى من السرور مِن كلام الله ما لم يصل إلى قلبه مثلُه قطُّ، فدَعَتْ موسى نفسُه إلى أن يسأل ربَّه أن يريه نفسه؛ ولو كان فيما عُهِد إليه قبلَ ذلك أنّه لا يُرى لَمْ يسأل ربَّه بما يعلم أنّه لا يعطيه إيّاه١
عن قتادة بن دعامة، قال: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾، قال: لَمّا سمع الكلامَ طَمِع في الرُّؤْيَة١
عن إسماعيل السُّدِّيّ: لَمّا كلَّم اللهُ موسى غاص الخبيثُ إبليسُ في الأرض حتى خرج بين قَدَمَيْ موسى، فوسوس إليه، وقال: إنّ مُكَلِّمَك الشيطانُ. فعند ذلك سأل الرؤية١
عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وقربناه نجيا﴾ [مريم:٥٢]، قال: حدثني مَن لَقِي أصحابَ النبي ﷺ: أنّه قرَّبه الربُّ حتى سمع صريف القلم، فقال عند ذلك مِن الشوق إليه: ﴿رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾١
عن أبي بكر الهذلي -من طريق حجّاج- قال: لَمّا تخلف موسى بعد الثلاثين حتى سمع كلام اللهَ اشتاق إلى النظر إليه، فقال: ﴿رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾، وليس لبشر أن يُطِيق أن ينظر إلَيَّ في الدنيا، مَن نَظَر إلَيَّ مات. قال: إلهي، سمعتُ منطقك، واشتقتُ إلى النظر إليك، ولَأن أنظرَ إليك ثم أموتُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أعيش ولا أراك. قال: فانظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني١
قال مقاتل بن سليمان: فلمّا سمع كلام ربه استحلاه، واشتاق إلى رؤية ربه، قال: يا ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: استخلف موسى هارونَ على بني إسرائيل، وقال: إنِّي مُتَعَجِّل إلى ربي، فاخلفني في قومي، ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه مُتَعَجِّلًا لِلُقِيِّه شوقًا إليه، وأقام هارونُ في بني إسرائيل، ومعه السامري، يسير بهم على أثر موسى لِيُلْحِقَهم به. فلمّا كلم اللهُ موسى طَمِع في رؤيته، فسأل ربَّه أن ينظر إليه، فقال الله له: إنّك ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ الآية. قال ابن إسحاق: فهذا ما وصل إلينا في كتاب الله عن خبر موسى لَمّا طلب النظر إلى ربه، وأهل الكتاب يزعمون وأهل التوراة: أن قد كان لذلك تفسيرٌ، وقِصَّةٌ، وأمور كثيرة، ومراجعة لم تَأْتِنا في كتاب الله، والله أعلم١
عن عبد الله بن عباس: ظهر نورُ ربه للجبل؛ جبل زبير١
عن عبد الله بن عباس، قال: الجبلُ الذي أمر اللهُ أن ينظر إليه: الطور١
عن نَوْفٍ البِكاليِّ -من طريق أبي عمران الجوني- قال: أوحى الله إلى الجبال: إنِّي نازِلٌ على جبلٍ منكم. قال: فشَمَخَتِ الجبالُ كلُّها إلا جبل الطُّور، فإنّه تَواضَعَ، قال: أرْضى بما قُسِم لي. فكان الأمرُ عليه. وفي لفظٍ: قال: إن قُدِّر لي شيءٌ فسيأتيني. فأوحى الله إليه: إنِّي سأَنزِلُ عليك بتواضُعِك لي، ورِضاك بقُدْرَتي١
عن قتادة بن دعامة، قال: لَمّا قيل للجبال: إنّه يُريدُ أن يَتَجلّى. تطاوَلَتِ الجبال كلُّها، وتَواضعَ الجبلُ الذي تَجَلّى له١
عن عبد الله بن عباس، قال: تلا رسولُ الله ﷺ هذه الآية: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾. قال: «قال الله عز وجل: يا موسى، إنّه لا يراني حيٌّ إلّا مات، ولا يابسٌ إلا تَدَهْدَه١، ولا رطب إلا تفرَّق، وإنّما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسادهم»٢
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا أوحى الله إلى موسى بن عمران: إنِّي مُكَلِّمك على جبل طور سيناء. صار من مقام موسى إلى جبل طور سيناء أربع فراسخ في أربع فراسخ رعدٌ وبرقٌ وصواعقُ، فكانت ليلةَ قُرٍّ١، فجاء موسى حتى وقف بين يدي صخرة جبل طور سيناء، فإذا هو بشجرة خضراء، الماء يقطر منها، وتكادُ النار تلفح من جوفها، فوقف موسى مُتَعَجِّبًا، فنُودِيَ من جوف الشجرة: يا ميشا. فوقف موسى مستمعًا للصوت، فقال موسى: مَن هذا الصوت العِبْرانيُّ يُكَلِّمني؟ فقال الله له: يا موسى، إنِّي لست بعِبْرانيٍّ، إنِّي أنا الله رب العالمين. فكلَّم الله موسى في ذلك المقام بسبعين لغة، ليس منها لغة إلا وهي مخالفة لِلُّغة الأخرى، وكتب له التوراة في ذلك المقام، فقال موسى: إلهي، أرني أنظر إليك. قال: يا موسى، إنه لا يراني أحد إلا مات. فقال موسى: إلهي، أرني أنظر إليك وأموت. فأجاب موسى جبلُ طور سيناء: يا موسى بن عمران، لقد سألتَ أمرًا عظيمًا، لقد ارْتَعَدَتِ السموات السبع ومَن فيهنَّ، والأرَضُونَ السبع ومَن فيهنَّ، وزالت الجبال، واضطَرَبَتِ البحار؛ لِعِظَم ما سألت، يا ابن عمران. فقال موسى، وأعاد الكلام: ربِّ، أرني أنظر إليك. فقال: يا موسى، انظر إلى الجبل، فإن استقرَّ مكانه فإنّك تراني. فلما تجلّى ربُّه للجبل جعله دكًّا، وخَرَّ موسى صَعِقًا مقدار جُمُعةٍ، فلما أفاق موسى مسح التُّراب عن وجهه، وهو يقول: سبحانك، تُبتُ إليك، وأنا أول المؤمنين. فكان موسى بعد مقامه لا يراه أحدٌ إلا مات، واتخذ موسى على وجهه البُرْقُعَ، فجعل يُكَلِّم الناسَ بقَفاه، فبينا موسى ذات يوم في الصحراء فإذا هو بثلاثة نفر يحفرون قبرًا، حتى انتهوا إلى الضَّريحِ، فجاء موسى حتى أشرف عليهم، فقال لهم: لِمَن تَحْفِرُون هذا القبر؟ قالوا: لرجلٍ كأنّه أنت، أو مثُلك، أو في طولك، أو نحوك، فلو نزلت فقَدَرْنا عليك هذا الضريحَ. فنزل موسى، فتَمَدَّد في الضَّريح، فأمر اللهُ الأرض فانطَبَقَتْ به»٢
عن عبد الله بن عباس، قال: حين قال موسى لربِّه -تبارك وتعالى-: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾. قال الله له: يا موسى، إنك ﴿لن تراني﴾. قال: يقول: ليس تراني. قال: لا يكون ذلك أبدًا، يا موسى، إنّه لا يراني أحدٌ فيَحْيا. فقال موسى: ربِّ، أن أراك ثم أموت أحبُّ إلَيَّ مِن ألّا أراك ثم أحيا. فقال الله لموسى: يا موسى، انظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد، ﴿فإن استقر مكانه﴾ يقول: فإن ثبت مكانه لم يَتَضَعْضَعْ، ولم يَنْهَدَّ لبعض ما يرى مِن عِظَمي ﴿فسوف تراني﴾ أنت لِضَعْفِك وذِلَّتِك، وإنِ الجبلُ تَضَعْضَعْ وانْهَدَّ بقوَّته وشدته وعظمه فأنت أضْعَفُ وأَذَلُّ١
عن مجاهد بن جبر -من طريق أبي سعد-: ﴿قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾؛ فإنّه أكبرُ منك، وأشدُّ خَلْقًا١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالَ﴾: يا ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ﴾ له ربُّه: إنك ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ﴾ اجعل بيني وبينك عَلَمًا هو أقوى منك، يعني: الجبل ﴿انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ وإن لم يستقر الجبلُ مكانَه فإنّك لن تطيق رؤيتي١
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾، قال: «أخرج خِنصَرَه»١
عن أنس بن مالك، أنّ النبيَّ ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾، قال: «هكذا». وأشار بإصبعيه، ووضع طرف إبهامه على أُنمُلَةِ الخِنصَرِ، وفي لفظ: على المَفْصِلِ الأعلى مِن الخِنصَرِ «فساخ الجبلُ، وخرَّ موسى صَعِقًا»١. وفي لفظ: «فساخ الجبلُ في الأرض، فهو يَهْوِي فيها إلى يوم القيامة»٢
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا كلَّم الله موسى يوم الطور كلَّمه بغيرِ الكلام الذي كلَّمه يومَ ناداه، فقال له موسى: يا ربِّ، أهذا كلامُك الذي كلَّمتني به؟ قال: يا موسى، إنّما كلَّمتُك بقوةِ عشرةِ آلافِ لسانٍ، ولي قُوَّةُ الأَلْسُنِ كلِّها وأقوى من ذلك. فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صِفْ لنا كلامَ الرحمن. فقال: لا تستطيعونه، ألم ترَوا إلى أصواتِ الصَّواعق التي تُقبِلُ في أحلى حلاوةٍ سمِعْتموه؟! فذاك قريبٌ منه، وليس به»١
عن أبي هريرة، رفعه: «لَمّا خرج أخي موسى إلى مُناجاةِ ربِّه كلَّمه ألفَ كلمة ومائتي كلمة، فأوَّل ما كلَّمه بالبَرْبَرِيَّة أن قال: يا موسى، ونفسي معبرا. أي: أنا الله الأكبر. قال موسى: يا ربِّ، أعْطَيْتَ الدنيا لأعدائِك، ومنَعتها أولياءَك، فما الحكمة في ذلك؟ فأوحى الله إليه: أعطَيتُها أعدائي لِيَتَمَرَّغوا، ومنَعتُها أوليائي ليتضرَّعوا»١
عن الضحاك -من طريق جويبر- عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: «إنّ الله -تبارك وتعالى- ناجى موسى عليه السلام بمائة ألفٍ وأربعين ألفَ كلمةٍ في ثلاثة أيام، فلمّا سمِع موسى كلامَ الآدميين مقَتَهم؛ لِما وقَع في مسامعه من كلام الربِّ عز وجل، فكان فيما ناجاه أن قال: يا موسى، إنّه لَمْ يَتَصَنَّع المُتَصَنِّعون بمثل الزُّهْد في الدنيا، ولم يتقرَّبْ إلَيَّ المُتَقَرِّبون بمثل الوَرَع عما حرَّمتُ عليهم، ولم يتعبَّدِ المتعبِّدون بمثل البكاء من خشيتي. فقال موسى: يا ربِّ، ويا إلهَ البَرِيَّةِ كلِّها، ويا مالك يوم الدين، ويا ذا الجلال والإكرام، ماذا أعددتَ لهم، وماذا جزَيتَهم؟ قال: أمّا الزاهدون في الدنيا فإنِّي أُبيحُهم جنتي حتّى يتبوَّءوا فيها حيثُ شاءوا، وأمّا الورِعون عما حرَّمتُ عليهم فإذا كان يومُ القيامة لم يبقَ عبدٌ إلا ناقَشْتُه الحساب، وفتَّشْتُ عما في يديه، إلّا الورِعون فإنِّي أستَحْيِيهم، وأُجِلُّهم، وأُكرِمُهم، وأُدخِلُهم الجنَّةَ بغير حساب، وأمّا الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى، لا يُشاركُهم فيه أحد»١
عن كعب الأحبار، قال: لَمّا كلم الله موسى قال: يا ربِّ، أهكذا كلامُك؟ قال: يا موسى، إنّما أُكَلِّمُك بقوةِ عشرة آلافِ لسانٍ، ولي قُوَّةُ الألسنة كُلِّها، ولو كلَّمتُك بكُنْهِ كلامي لم تكُ شيئًا١
عن كعب الأحبار -من طريق جرير بن جابر- قال: لَمّا كلَّم الله موسى كلَّمه بالألسنة كلها قبلَ كلامِه -يعني: كلامَ موسى-، فجعَل يقول: يا ربِّ، لا أفهم. حتى كلَّمه آخرَ الألسنة بلسانِه بمثلِ صوتِه، فقال: يا ربِّ، هكذا كلامُك؟ قال: لا، لو سمعتَ كلامي -أي: على وجهه- لم تكُ شيئًا. قال: يا ربِّ، هل في خلقِك شيءٌ يُشْبِهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خَلقي شبهًا بكلامي أشدُّ ما سَمِع الناسُ من الصواعق١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن السائب- قال: أدْناهُ حتى سَمِع صريفَ الأقلام١
عن وهب بن منبه -من طريق عطاء بن مسلم- قال: كلَّم الله موسى في ألفِ مقام، فكان كلَّما كلَّمه رأى النورَ على وجهه ثلاثة أيام. قال: وما قَرِبَ موسى امرأةً منذُ كلَّمه ربُّه١
عن أبي الحُوَيْرِث عبد الرحمن بن معاوية -من طريق أبي معشر- قال: إنّما كلَّم الله موسى بقدر ما يُطيقُ من كلامه، ولو تكلَّم بكلامِه كلِّه لم يُطِقْه شيءٌ، فمكث موسى أربعين ليلةً لا يراه أحدٌ إلا مات مِن نور ربِّ العالمين١
عن [محمد] بن عَجْلان -من طريق بكر بن مضر- قال: كلَّم الله موسى بالألسنة كلِّها، وكان فيما كلَّمه لسانُ البربرِ، فقال كلِمتَه بالبربرية: أنا الله الكبيرُ١