عن وهب بن مُنَبِّه، قال: مرَّ سليمان بن داود وهو في مُلكه قد حملته الريحُ على رجل حرّاث مِن بني إسرائيل، فلمّا رآه قال: سبحان الله، لقد أوتي آل داود ملكًا! فحملتها الريح، فوضعتها في أذنه، فقال: ائتوني بالرجل. فأُتي به، فقال: ماذا قلت؟ فأخبره، فقال سليمان: إنِّي خشيت عليك الفتنة، لَثوابُ «سبحان الله» عند الله يوم القيامة أعظم مِمّا أوتي آل داود. فقال الحرّاث: أذهب اللهُ همَّك كما أذهبت هَمِّي. قال: وكان سليمان رجلًا أبيض، جسيمًا، أشعر، غَزّاءً، لا يسمع بملك إلا أتاه، فقاتله، فدَوَّخَه، يأمر الشياطين فيجعلون له دارًا مِن قوارير، فيحمل ما يريد مِن آلة الحرب فيها، ثم يأمر العاصف، فتحمله مِن الأرض، ثم يأمر الرخاء، فتقدمه حيث شاء١
٢
عن أبي بكر الهذلي، قال: قال شهر بن حوشب: أعَلِمْتَ أو شعرتَ أنّ سليمان بن داود لم يكن يُحْسِن منطق الطير وأبوه حيٌّ!... كان لداود ثلاثٌ مِن النعم، ولسليمان ثلاث مِن النِّعم: لداود الجبال أوبي معه، والطير، وألنا له الحديد، قال الهذلي: عن الحسن قال: كان داود يأخذ الحديد، فيقول له هكذا، فيصير في يده كأنّه العجين، وقال شهر بن حوشب في حديثه: ولسليمان عين القطر -وهو الصُّفر- جرى له مِن صنعاء، والشياطين، والرياح، فلما مات داود ورثه سليمان ملكه ونعمته١
٣
عن يحيى بن أبي كثير، قال: قال سليمانُ بن داود لبني اسرائيل: ألا أريكم بعض ملكي اليوم؟ قالوا: بلى، يا نبي الله. قال: يا ريحُ، ارفعينا. فرفعتهم الريح، فجعلتهم بين السماء والأرض، ثم قال: يا طيرُ، أظِلِّينا. فأظلتهم الطيرُ بأجنحتها لا يرون الشمس، قال: يا بني إسرائيل، أي ملك ترون؟ قالوا: نرى مُلكًا عظيمًا. قال: فوالذي نفس سليمان بيده، لَقول العبد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. خيرٌ مِن مُلكي هذا، ومِن الدنيا وما فيها، يا بني إسرائيل، مَن خشي الله في السر والعلانية، وقصد في الغنى والفقر، وعدل في الرضا والغضب، وذكر الله على كل حال؛ فقد أُعطي مثل ما أُعطيت١
٤
عن ابن أبي نجيح -من طريق سفيان- قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام: أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يُؤْتَوْه، وعُلِّمنا مِمّا عُلِّم الناس وما لم يعلموا؛ فلم نجِد شيئًا هو أفضل مِن تقوى الله في السِّرِّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقَصْد في الغِنى والفقر١
٥
عن جعفر بن محمد -من طريق ابنه محمد- قال: أُعْطِي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، فمُلْك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم من الجن، والإنس، والدواب، والطير، والسباع، وأُعطي كل شيء، ومنطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة، حتى إذا أراد الله أن يقبضه إليه أوحى إليه: أن اسْتودِعْ علم الله وحكمته أخاه، ووَلَدَ داود. وكانوا أربعمائة وثمانين رجلًا؛ أنبياء بلا رسالة١
٦
قال مقاتل: نسجت الشياطينُ لسليمان عليه السلام بِساطًا، فرسخًا في فرسخ، ذهبًا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط، فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي مِن ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتُظِلُّه الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر، مِن الصباح إلى الرواح، ومن الرواح إلى الصباح١
٧
عن عبد الله بن مسعود، قال: كنت عند عمر بن الخطاب، فدخل علينا كعب الحبر، فقال: يا أمير المؤمنين، ألا أخبرك بأغربِ شيء قرأتُ في كتب الأنبياء! إنّ هامَةً١ جاءت إلى سليمان، فقالت: السلام عليك، يا نبي الله. فقال: وعليك السلام، يا هامُ، أخبريني كيف لا تأكلين الزرعَ؟ فقالت: يا نبي الله، لأنّ آدم عصى ربَّه في سببه، لذلك لا آكله. قال: فكيف لا تشربين الماء؟ قالت: يا نبي الله، لأنّ الله أغرق بالماء قوم نوح، من أجل ذلك تركت شربها. قال: فكيف تركت العمران وأسكنت الخراب؟ قالت: لأنّ الخراب ميراث الله، وأنا أسكن في ميراث الله. وقد ذكر الله ذلك في كتابه فقال: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها﴾ إلى قوله: ﴿وكنا نحن الوارثين﴾ [القصص:٥٨]٢
٨
عن أبي الصديق الناجي -من طريق زيد العمي- قال: خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمَرَّ على نملة مُسْتَلْقِيَة على قفاها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم، إنّا خَلْقٌ مِن خَلْقِك، ليس بنا غِنًى عن رزقك، فإمّا أن تسقينا، وإما أن تهلكنا. فقال سليمان للناس: ارجعوا، فقد سُقِيتم بدعوة غيركم١
٩
قال مقاتل: كان سليمان عليه السلام جالِسًا، إذ مرَّ به طائر يُصَوِّت، فقال لجُلسائه: هل تدرون ما يقول الطائر الذي مرَّ بنا؟ قالوا: أنت أعلم. فقال سليمان: إنّه قال لي: السلام عليك، أيها الملِك المسلط على بني إسرائيل، أعطاك اللهُ سبحانه وتعالى الكرامةَ، وأظهرك على عدوك، إنِّي مُنطلِق إلى فروخي، ثم أمر بك الثانية. وإنّه سيرجع إلينا الثانية، فانظروا إلى رجوعه. قال: فنظر القوم طويلًا، إذ مرَّ بهم، فقال: السلام عليك، أيها الملك، إن شئت أن تأذن لي كيما أُحْسِب فروخي١ حتى يشبوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت. فأخبرهم سليمان بما قال، وأذِن له٢
١٠
عن أبي الدرداء -من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى- قال: كان داود يقضي بين البهائم يومًا، وبين الناس يومًا، فجاءت بقرةٌ، فوَضَعَتْ قرنها في حلقة الباب، ثم تَبَغَّمَتْ١ كما تَبْغَمُ الوالدةُ على ولدها، وقالت: كنت شابَّةً، كانوا ينتجوني ويستعملوني، ثم إني كبرت، فأرادوا أن يذبحوني. فقال داود: أحسِنوا إليها، ولا تذبحوها. ثم قرأ: ﴿علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء﴾٢
تفسير
١٣ قولًا
١
قال أبو بكر الهذلي: قال لي شهر بن حوشب: لَمّا مات داود ورِثه سليمان. قال الله تعالى: ﴿وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير﴾ الآية١
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق شيبان- في قوله: ﴿وورث سليمان داود﴾، قال: ورثه نبوتَه، ومُلكه، وعِلمه١
٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾، قال: نبوته١
٤
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿وورث سليمان داود﴾، قال: ورثه أن سخَّر له الشياطين والرياح إلى ما ورث مما أُعطِي أبوه١
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وورث سليمان داود﴾، يعني: ورث سليمانُ عِلْمَ داود، ومُلْكَه١٢
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقال﴾ سليمان لبني إسرائيل: ﴿يا أيها الناس﴾١
٧
عن الأوزاعي -من طريق ضمرة- قال: الناس عندنا: أهلُ العلم١
٨
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي معشر- ﴿وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير﴾، قال: بلغنا: أنّ سليمان كان عسكرُه مائة فرسخ؛ خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صَرِيحَة١، وسبعمائة سُرِّيّة٢، فأمر الريحَ العاصِفَ فرفعته، وأمر الرَّخاء فسَيَّرَتْه، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إنِّي قد زدتُ في مُلْكِك أنّه لا يتكلم أحدٌ مِن الخلائق بشيء إلا جاءت الريحُ فأخبرتك به٣
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿علمنا منطق الطير﴾، قال: النملة مِن الطير١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿وأوتينا من كل شيء﴾، قال: أوتوا مِن كل شيء كان في بلادهم١
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأوتينا من كل شيء﴾ يعني: أُعطينا الملكَ، والنبوةَ، والكتابَ، والرياحَ، وسُخِّرَتْ لنا الشياطين، ومنطق الدواب، ومحاريب، وتماثيل، وجفان كالجوابي، وقدور راسيات، وعين القطر -يعني: عين الصُّفْر-، ﴿إن هذا﴾ الذي أُعْطِينا ﴿لهو الفضل المبين﴾ يعني: البيِّن١
١٣
قال يحيى بن سلّام: قوله عز وجل: ﴿وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء﴾ يعني: كل شيء أوتي منه، ﴿إن هذا لهو الفضل المبين﴾ البيِّن١