عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾ أما المتحرف؛ يقول: إلا مُسْتَطْرِدًا يريد العودة، ﴿أو متحيزا إلى فئة﴾ قال: المتحيز إلى الإمام وجنده إنْ هو كَرَّ فلم يكن له بهم طاقة، ولا يُعْذَر الناس وإن كثروا أن يُوَلُّوا عن الإمام١
٢
قال محمد بن السائب الكلبي: مَن قُتِلَ اليوم مُقْبِلًا أو مُدْبِرًا فهو شهيد، ولكن سبق المُقْبِلُ المُدْبِرَ الى الجنة١
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ يعني: مُسْتَطْرِدًا يريد الكَرَّة للقتال، ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ يقول: أو ينحاز إلى صَفِّ النبي ﷺ١
٤
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿فقد باء بغضب من الله﴾ يقول: اسْتَوْجَبوا سخطًا من الله، ﴿ومأواه جهنم وبئس المصير﴾١
٥
عن عروة بن الزبير -من طريق محمد بن جعفر بن الزبير- ﴿فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾: تحريضًا لهم على عدوهم؛ لئلا يَنكُلُوا عنهم إذا لقوهم، وقد وعدهم الله ما وعدهم١
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يقول: فقد استوجب من الله الغضب، ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ يعني: ومصيره جهنم، ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾١
٧
عن ابن عمر قال: كنا في غَزاةٍ، فَحاصَ الناسُ حَيْصَةً١، قلنا: كيف نَلْقى النبي ﷺ وقد فَرَرْنا من الزَّحْف وبُؤْنا بالغضب؟ فأَتَيْنا النبي ﷺ قبل صلاة الفجر، فخرج، فقال: «مَن القوم؟». فقلنا: نحن الفَرّارون. فقال: «لا، بل أنتم العَكّارُونَ٢». فقَبَّلْنا يدَه، فقال: «أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين». ثم قرأ: ﴿إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾٣
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن أبي نجيح- قال: مَن فَرَّ مِن ثلاثة فلم يفرَّ، ومَن فرَّ مِن اثنين فقد فَرَّ١
٩
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، قال: يعني: يوم بدر خاصةً مُنهزِمًا، ﴿إلا متحرفا لقتال﴾ يعني: مُسْتَطْرِدًا يُرِيدُ الكَرَّةَ على المشركين، ﴿أو متحيزا إلى فئة﴾ يعني: أو ينحازُ إلى أصحابه من غير هزيمة١
١٠
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- قال: المُتَحَرِّف: المُتَقَدِّم في أصحابه، أن يَرى عورة مِن العدو فيصيبَها. والمُتَحَيِّز: الفارُّ إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وكذلك مَن فَرَّ اليوم إلى أميره وأصحابه. قال: وإنما هذه وعيد من الله لأصحاب محمد ﷺ ألّا يَفِرُّوا، وإنما كان النبي ﷺ فِئَتهم١
١١
قال الحسن البصري: ﴿إلا متحرفا لقتال﴾ يعني: يدع موقف مكان لمكان، ﴿أو متحيزا إلى فئة﴾ أي: ينحاز إلى جماعة١
أحكام متعلقة بالآية
٤ أقوال
١
عن علي بن أبي طالب -من طريق مالك بن جرير عن الحضرمي- قال: الفِرار مِن الزحف من الكبائر١
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: الفرار من الزحف من الكبائر؛ لأن الله قال: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال﴾ الآية١
٣
عن عبد الله بن عمر -من طريق طَيْسَلَةَ بن علي- قال: الفرار من الزحف من الكبائر١
٤
عن أبي سلمة -من طريق محمد بن عمرو- قال: المُوجِبات: الفرار من الزحف. ثم قرأ: ﴿إذا لقيتم الذين كفروا زحفا﴾١
آثار متعلقة بالآية
٤ أقوال
١
عن عمرو بن العاصي، عن النبي ﷺ: أنّه اسْتَعاذ مِن سبع مَوْتاتٍ؛ موت الفَجْأة، ومن لدغ الحَيَّة، ومن السَّبُع، ومن الغَرَق، ومن الحَرَق، ومن أن يَخِرَّ عليه شيءٌ، ومن القتل عند فرار الزَّحْف١
٢
عن أبي اليَسَر، أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات السبع، يقول: «اللهمَّ إني أعوذ بك من الهَدْم١، وأعوذ بك من التَّرَدِّي، وأعوذ بك من الغَمِّ والغَرَق والحَرَق، وأعوذ بك أن يَتَخَبَّطَني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدْبِرًا، وأعوذ بك أن أموت لَدِيغًا»٢
٣
عن بلال بن يسار بن زيد مولى النبي ﷺ، عن أبيه، عن جدِّه، أنه سمِع النبي ﷺ يقول: «مَن قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القَيُّوم وأتوب إليه. غُفِر له وإن كان فَرَّ من الزَّحْف»١٢
٤
عن أُمَيْمَةَ١ مَوْلاةِ النبي ﷺ، قالت: كنتُ أُوَضِّئُ النبي ﷺ؛ أُفرِغُ على يَدَيْه، إذ دخل عليه رجل، فقال: يا رسول الله، أريد اللُّحُوقَ بأهلي، فأَوْصِني بوَصِيَّةٍ أحْفَظْها عنك. قال: «ولا تَفِرَّ يومَ الزَّحْف، فإنه مَن فرَّ يوم الزحف فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبِئْس المصير»٢
نزول الآية، ونسخها
٢٢ قولًا
١
عن نافع، أنه سأل عبد الله بن عمر، قال: إنا قوم لا نَثْبُت عند قتال عدوِّنا، ولا ندري مَن الفئة؛ إمامُنا أو عسكرُنا؟ فقال لي: الفئة رسول الله ﷺ. فقلت: إن الله يقول: ﴿إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾. قال: إنما أُنْزِلت هذه الآية في أهل بدر، لا قبلها ولا بعدها١
٢
عن أبي نضرةَ [المنذر بن مالك] -من طريق داود- في قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ الآية، قال: نزَلت يوم بدر، ولم يكن لهم أن يَنْحازوا، ولو انحازوا لم ينحازوا إلا إلى المشركين١
٣
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ الآية، قال:... هذا يوم بدر خاصة، كأن الله شدَّد على المسلمين يومئذ ليقطعَ دابر الكافرين، وهو أول قتال قاتل فيه المشركين من أهل مكة١
٤
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر- قال: إنما كان يوم بدر، ولم يكن للمسلمين فئة ينحازون إليها١
٥
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق رجل- ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، قال: كانت هذه يوم بدر خاصة١
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس، في قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، قال: ذاك في يوم بدر١
٧
عن الحسن البصري -من طريق الربيع- في قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، قال: إنما كانت يوم بدر خاصة، ليس الفرار من الزحف من الكبائر١
٨
عن الحسن البصري -من طريق المبارك- ﴿أو متحيزا إلى فئة﴾، قال: ذلك يوم بدر، إذا ترك النبي ﷺ فأين يذهب؟ فمن فاء اليوم إلى مصر من الأمصار فقد فاء١٢
٩
عن قيس بن سعد قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾. قال: هذه منسوخة بالآية التي في الأنفال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال:٦٦]. قال: وليس لقوم أن يفروا من مثليهم. قال: ونسَخَت تلك إلا هذه العِدَّة١
١٠
عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع مولى ابن عمر: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾. قال: إنما هذا يوم بدر١
١١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: ذاكم يوم بدر، لأنهم كانوا مع رسول الله ﷺ١
١٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، قال: يَرَوْن أن ذلك في بدر، ألا ترى أنه يقول: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾١
١٣
عن يزيد بن أبي حبيب -من طريق ابن لَهِيعَة- قال: أوْجَب الله تعالى لِمَن فرَّ يوم بدر النار، قال: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ إلى قوله: ﴿فقد باء بغضب من الله﴾. فلما كان يومُ أحد بعدَ ذلك قال: ﴿إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم﴾ [آل عمران:١٥٥]. ثم كان يوم حُنَيْن بعد ذلك بسبع سنين، فقال: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ ﴿ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء﴾ [التوبة:٢٥، ٢٧]١٢
١٤
عن عمر بن الخطاب -من طريق عبد الملك بن عمير- قال: لا تغرَّنَّكم هذه الآية، فإنها كانت يوم بدر، وأنا فِئَةٌ لكلِّ مسلم١٢
١٥
عن أبي سعيد الخدري -من طريق أبي نَضْرَة- قال: نزلت في يوم بدر: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾١
١٦
عن أبي سعيد الخدري -من طريق أبي نَضْرَة- في قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، قال: إنها كانت لأهلِ بدرٍ خاصة١
عن أبي سعيد الخدري -من طريق أبي نَضْرَة- قال: إنما كان ذلك يوم بدر، لم يكن للمسلمين فئة إلا رسول الله ﷺ، فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض١
١٩
عن أبي سعيد الخدري -من طريق أبي نَضْرَة- قوله عز وجل: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، قال: ذاك يوم بدر، ولم يكن لهم أن يَنْحازُوا، ولو انْحازوا انْحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم في الأرض غيرهم١
٢٠
عن عبد الله بن عباس، في الآية، قال: نزَلت في أهل بدر خاصةً؛ ما كان لهم أن ينهزِموا عن رسول الله ﷺ ويَتْرُكوه١
٢١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: أكبر الكبائر الشرك بالله، والفرار من الزحف؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾١
٢٢
عن ابن عمر -من طريق وِقاءِ بن إياس-، قال: لما نَزَلتْ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾ الآية؛ قال لنا رسول الله ﷺ: «قولُوا كما قال الله». ولما نَزَلتْ هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء:٤٨]؛ قال رسول الله ﷺ: «قُولوا كما قال الله»١