سورة الأعراف | الآية ١٦٣

عرض السورة
موسوعة التفسير بالمأثور

ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ

تفسير

٢٩ قولًا
١
قال الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿شُرَّعًا﴾: مُتَتابِعَةً١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٩٥، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٩٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (١٠/٥١٠) في معنى: ﴿شُرَّعًا﴾ سوى قول ابن عباس من طريقي الضحاك والعوفي.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ يعني: السمك ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ يعني: شارِعَة مِن غمرة الماء إلى قريب من الحذاء، يعني: الشطَّ، أمِنَت أن يُصَدْنَ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٧٠.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾، قال: فإذا انقضى السبتُ ذَهَبَتْ، فلم تُرَ حتى مثله مِن السبت المقبل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٩.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾: فحرَّم اللهُ عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شُرَّعًا في ساحل البحر، فإذا مضى يومُ السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا بذلك ما شاء الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٩.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ يعني: حين لا يكون يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٧٠.
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قوله: ﴿بما كانوا يفسقون﴾، فأخذوها يوم السبت استحلالًا ومعصيةً لله عز وجل١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٤٥، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٩.
٧
عن الحسن البصري: ﴿بما كانوا يفسقون﴾: بما كانوا يعملون قبل ذلك من المعاصي١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٠٠.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد بن بشير- في قوله: ﴿بما كانوا يفسقون﴾: بما كانوا يعصون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٠٠.
٩
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون﴾، أي: بما تَعَمَّدوا مِن أمري١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٠٠.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَذَلِكَ﴾ يعني: هكذا ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ يعني: نبتليهم بتحريم السمك في السبت؛ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ جزاءً مِنّا، يعني: بما كانوا يَعْصُون١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٧٠.
١١
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَبْتِ﴾، قال: يَظْلِمون١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ أخبر عن ذنوبهم، فقال: ﴿إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾. يعني: يعتدون١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٧٠.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿شُرَّعًا﴾، يقول: مِن كلِّ مكانٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥١٠.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿شُرَّعًا﴾، قال: ظاهرةً على الماء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥١٠.
١٥
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿شُرَّعًا﴾، قال: وارِدةً١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٦
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: دخَلْتُ على عبد الله بن عباس وهو يقرَأُ هذه الآية: ﴿وسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَت حاضِرَةَ البَحْرِ﴾. قال: يا عكرمة مولى ابن عباس، هل تدري أيَّ قريةٍ هذه؟ قلتُ: لا. قال: هي أيْلَةُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٠٧، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٧ وفيه: مدين بين أيلة والطور. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: هي قريةٌ على شاطئ البحر، بين مصر والمدينة، يُقال لها: أيلة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٠٧، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: هي قريةٌ يُقال لها: مَدْيَنُ، بين أيْلَةَ والطُّورِ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٠٩، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٧. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٩
عن سعيد بن جبير، ﴿وسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ﴾، قال: هي أيْلَةُ١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق أبي سعد- في قوله: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾، قال: أيْلَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٠٨.
٢١
عن الضحاك بن مزاحم، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٧.
٢٢
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: كانت قريةً على ساحل البحر، يُقال لها: أيْلَةُ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾ الآية، ذُكِر لنا: أنها كانت قريةً على ساحل البحر، يُقال لها: أيْلَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٠٨.
٢٤
عن عبد الله بن كثير -من طريق ابن جريج- ﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾، قال: سمعنا: أنّها أيْلَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٠٧.
٢٥
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق عقيل- ﴿وسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ﴾، قال: هي طَبَرِيَّةُ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١‏/‏١٥ (٢٧)، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٧.
٢٦
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: هم أهل أيْلَة، القرية التي كانت حاضرة البحر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٠٨.
٢٧
قال محمد بن السائب الكلبي: القرية هي أيْلَة، وذُكِر لنا: أنّهم كانوا في زمان داود١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏١٤٨-١٤٩-.
٢٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ﴾، اسمها: أيْلَة، على مسيرة يومين من البحر، بين المدينة والشام، مُسِخُوا على عهد داود عليه السلام قِرَدَةً، يعني: اليهود، وإنّما أمَر اللهُ النبيَّ ﷺ أن يسألهم: أمَسَخَ اللهُ منكم قِرَدَةً وخنازير؟ لأنهم قالوا: إنّا أبناء الله وأحباؤه، وإنّ الله لا يُعَذِّبنا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لِأَنّا مِن سِبْطِ خليله إبراهيم، ومِن سِبْط إسرائيل، وهو بِكْرُ نَبِيِّه، ومِن سِبْطِ كليم الله موسى، ومِن سِبْطِ ولده عزيز١، فنحن مِن أولادهم، فقال الله لنبيه ﷺ: ﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾، أما عذَّبهم الله بذنوبهم؟٢
التخريج
  1. ١كذا في المصدر: عزيز بالزاي، والذي في القرآن عزير بالراء، ولم نجد أنه يقرأ بالزاي أيضا، أو أنه بمعنى عزيز؛ فالظاهر أنه خطأ طباعي.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٧٠.
٢٩
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿وسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ﴾، قال: هي قريةٌ يُقال لها: مَقْنا١، بين مَدْينَ وعَيْنُونى٢٣٤
التخريج
  1. ١مَقْنا: قرب أيلة. معجم البلدان ٤‏/‏٦١٠.
  2. ٢عَيْنونى وعَيْنون -بالفتح-: قيل: هي من قرى بيت المقدس. وقيل: من وراء البثَنيّة من دون القلزم في طرف الشام. معجم البلدان ٣‏/‏٧٩٥، وينظر: طبقات ابن سعد ١‏/‏٢٦٧.
  3. ٣أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٠٨، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٧-١٥٩٨ من طريق أصبغ.
تعليقات المحققين
  1. ٤أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في هذه القرية على أقوال: الأول: أيْلة. الثاني: ساحل مدين. الثالث: مَقْنا. الرابع: مدين. ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٥٠٩) جواز أن تكون أيَّ قرية منها؛ فكُلُّها حاضرة البحر مستندًا إلى صحّة جميعها، وعدم الدليل القاطع بتعيين هذه القرية. وذكر ابنُ عطية (٤/٧٠) أنّ قوله: ﴿حاضِرَةَ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يريد معنى الحضور، أي: البحر فيها حاضر. الثاني: أن يريد معنى الحضارة على جهة التعظيم لها، أي: هي الحاضرة في مدن البحر.

قصة أصحاب السبت

١٤ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿وسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ﴾ الآية، قال: إنّ الله إنّما افْتَرَض على بني إسرائيل اليوم الذي افْتَرَض عليكم؛ يوم الجُمُعةِ، فخالَفوا إلى السبت، فعَظَّموه، وتَرَكوا ما أُمِروا به، فلمّا ابْتَدَعوا السبت ابْتُلُوا فيه، فحُرِّمَت عليهم الحيتان، وهي قريةٌ يقال لها: مَدْيَنُ، بين أيْلَةَ والطُّورِ، فكانوا إذا كان يوم السبتِ شَرَعَتْ لهم الحيتانُ يَنظُرون إليها في البحر، فإذا انقَضى السبتُ ذَهَبَتْ، فلم تُرَ حتى مثلِه مِن السبت المُقْبِل، فإذا جاء السبتُ عادتْ شُرَّعًا. ثم إنّ رجلًا منهم أخذ حُوتًا، فحَزَمه بخَيْطٍ، ثم ضَرَب له وتَدًا في الساحل، ورَبَطَه، وترَكه في الماء، فلَمّا كان الغدُ جاء فأَخَذه، فأكَلَه سِرًّا، ففَعَلوا ذلك وهم يَنظُرون، ولا يَتَناهَوْن إلا بقِيَّةٌ منهم، فَنَهَوْهم، حتى إذا ظهر ذلك في الأسواق عَلانيَةً قالت طائفةٌ للذين يَنْهَونَهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَومًا الله مُهلِكُهُم أو مُعَذِبُهُم عَذابًا شَدِيدًا قالوا مَعذِرَةً إلى رَبكُم﴾ في سَخَطِنا أعمالهَم، ﴿ولَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾. فكانوا أثلاثًا؛ ثُلُثًا نَهى، وثُلُثًا قالوا: لِمَ تَعِظون؟ وثُلثًا أصحابُ الخطيئةِ، فما نَجا إلا الذين نَهَوْا، وهَلَك سائِرُهم، فأصْبَح الذين نَهَوْا ذاتَ غَداةٍ في مجالسِهم يَتَفَقَّدون الناس لا يَرَوْنَهم، وقد باتوا من ليلتهم وغَلَّقوا عليهم دُورهم، فجَعَلوا يقولون: إنّ للناسِ لَشَأْنًا، فانظُروا ما شَأْنُهم. فاطَّلَعوا في دُورِهم، فإذا القومُ قد مُسِخوا، يَعْرِفون الرَّجل بعينِه وإنّه لقردٌ، والمرأةَ بعيِنها وإنّها لَقِرْدَةٌ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٢٠-٥٢١، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٧-١٦٠١. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ كثير (٦/٤٢٨) على أثر بن عباس، فقال: «وهذا إسناد جيِّدٌ عن ابن عباس، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة مولى ابن عباس في نجاة الساكتين أوْلى من القول بهذا؛ لأنه تبيَّن حالهم بعد ذلك».
٢
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: جئتُ عبد الله بن عباس يومًا وهو يَبْكي، وإذا المصحفُ في حِجْرِه، فقلتُ: ما يُبْكيك، يا عبد الله بن عباس؟ فقال: هؤلاء الوَرَقاتُ. وإذا في سورةِ الأعراف. قال: تَعْرِفُ أيْلَةَ؟ قلت: نعم. قال: فإنّه كان بها حَيٌّ مِن يهود، سِيقَتِ الحِيتانُ إليهم يوم السبت، ثم غاصَتْ، لا يَقْدِرون عليها حتى يغُوصوا عليها بعدَ كَدٍّ ومُؤْنَةٍ شديدةٍ، وكانت تَأْتيهم يوم السبتِ شُرَّعًا بيضًا سِمانًا، كأنّها الماخِضُ١، فكانوا كذلك بُرْهَةً من الدهرِ، ثم إنّ الشيطانَ أوْحى إليهم، فقال: إنّما نُهِيتُم عن أكْلِها يوم السبتِ، فخُذُوها فيه، وكُلُوها في غيره من الأيام. فقالت ذلك طائفةٌ منهم، وقالت طائفةٌ: بل نُهِيتم عن أكْلِها وأخْذِها وصَيْدِها في يوم السبت. فَغَدَتْ طائفةٌ بأنفُسِها وأبنائِها ونسائِها، واعْتَزَلَتْ طائفةٌ ذات اليمين وتَنَحَّتْ، واعْتَزَلَتْ طائفةٌ ذات اليسارِ وسَكَتَتْ، وقال الأيمَنُون: ويْلَكم، لا تَتَعَّرضُوا لعقوبة الله. وقال الأيْسَرُون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَومًا الله مُهلِكُهُم أو مُعَذِبُهُم عَذابًا شَدِيدًا﴾. قال الأيمَنُون: ﴿مَعذِرَةً إلى رَبِكُم ولَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾؛ إن يَنتَهُوا فهو أحَبُّ إلينا ألّا يُصابوا ولا يَهْلِكوا، وإن لم يَنتَهوا فمَعْذِرَة إلى ربِّكم. فمَضَوْا على الخطيئة، وقال الأيمَنُون: قد فعلتُم يا أعداء الله! واللهِ، لَنُبايِنَنَّكُمُ الليلةَ في مدينتكم، واللهِ، ما أراكم تُصْبِحون حتى يُصَبِّحَكم اللهُ بخَسْفٍ أو قَذْفٍ أو بعض ما عنده من العذاب. فلَمّا أصْبَحوا ضَرَبوا عليهم الباب، ونادَوْا، فلم يُجابوا، فوَضَعوا سُلَّمًا، وأعلَوْا سورَ المدينةِ رَجُلًا، فالتَفَتَ إليهم، فقال: أيْ عبادَ الله، قِرَدَةٌ –واللهِ- تَعاوى، لها أذنابٌ! ففتحوا، فدخلوا عليهم، فعَرَفت القِرَدَةُ أنسابَها مِن الإنس، ولا تعرف الإنسُ أنسابَها مِن القِرَدة، فجعَلَتِ القِردةُ تأتي نَسيبَها من الإنس، فتَشَمُّ ثيابه، وتبكي، فيقول: ألم نَنْهكم؟ فتقول برأسِها، أي: نعم. ثم قرأ ابن عباس: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِرُوا بِهِ أنجَينا الَّذِينَ يَنْهَونَ عَنِ السُّوءِ وأخَذنا الَّذينَ ظَلَمُوا بِعَذابِ بَئِيسِ﴾. قال: أليمٍ وجيعِ. قال: فأَرى الذين نَهَوْا قد نَجَوْا، ولا أرى الآخَرين ذُكِروا، ونحن نَرى أشياءَ نُنكِرُها ولا نقول فيها. قلت: إي، جعَلني الله فِداك، ألا تَرى أنّهم قد كَرِهوا ما هم عليه، وخالَفوهم، وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَومًا الله مُهلكُهُم﴾؟ قال: فأَمَر بي، فكُسِيتُ ثوبَيْن غَلِيظَيْن٢
التخريج
  1. ١الماخِض: هي التي أخذها المخاض لتضع، والمخاض: الطَّلْق عند الولادة. النهاية (مخض).
  2. ٢أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٤٠، وابن جرير ١٠‏/‏٥١٥-٥١٦، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٨، ١٦٠٠، ١٦٠١، والبيهقي في سننه ١٠‏/‏٩٢.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- في قول الله: ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾، قال: حُرِّمت عليهم الحيتان يوم السبت، وكانت تأتيهم يوم السبت شُرَّعًا، بلاء ابْتُلُوا به، ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها، بلاء أيضًا ﴿بما كانوا يفسقون﴾، فأخذوها يوم السبت استحلالًا ومعصية، فقال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾. إلا طائفةً منهم لم يعتدوا، ونهوهم، فقال بعضهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥١٧.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح-، مثله١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٤٥، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٩.
٥
عن ماهان الحنفي أبي صالح -من طريق جعفر- في قوله: ﴿تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم﴾، قال: كانوا في المدينة التي على ساحل البحر، وكانت الأيامُ سِتَّةً، الأحد إلى الجمعة، فوضعت اليهود يومَ السبت، وسبتوه على أنفسهم، فسبته الله عليهم، ولم يكن السبت قبل ذلك، فوَكَّده الله عليهم، وابتلاهم فيه بالحيتان، فجعلت تَشْرَعُ يوم السبت، فيتَّقُون أن يُصيبوا منها، حتى قال رجلٌ منهم: واللهِ، ما السبتُ بيوم وكَّده الله علينا، ونحن وكَّدناه على أنفسنا، فلو تناولتُ مِن هذا السمك. فتناول حوتًا من الحيتان، فسمع بذلك جارُه، فخاف العقوبة، فهرب من منزله، فلمّا مكث ما شاء الله ولم تُصِبْه عقوبةٌ تناول غيرُه أيضًا في يوم السبت، فلمّا لم تُصِبْهم العقوبةُ كَثُر مَن تَناوَلَ في يوم السبت، واتَّخذوا يوم السبت وليلة السبت عيدًا يشربون فيه الخمور، ويلعبون فيه بالمعازف، فقال لهم خيارهم وصلحاؤُهم: ويْحَكم، انتهوا عما تفعلون، إنّ اللهَ مُهْلِكُكم أو مُعَذِّبُكم عذابًا شديدًا، أفلا تعقلون؟! ولا تعدوا في السبت. فأَبَوْا، فقال خيارهم: نضرب بيننا وبينهم حائطًا. ففعلوا، وكان إذا كان ليلة السبت تَأَذَّوْا بما يسمعون من أصواتهم وأصوات المعازف، حتى إذا كانت الليلةُ التي مُسِخُوا فيها سَكَنَتْ أصواتُهم أولَ الليل، فقال خيارُهم: ما شأنُ قومِكم قد سكنت أصواتُهم الليلةَ؟ فقال بعضُهم: لعلَّ الخمرَ غلبتهم، فناموا. فلمّا أصبحوا لم يسمعوا لهم حِسًّا، فقال بعضُهم لبعض: ما لنا لا نسمع مِن قومكم حِسًّا؟ فقالوا لرجل: اصعد الحائط، وانظر ما شأنُهم؟ فصعد الحائط، فرآهم يمُوج بعضهم في بعض، قد مُسِخوا قردة، فقال لقومه: تعالوا، فانظروا إلى قومكم ما لقوا. فصعدوا، فجعلوا ينظرون إلى الرجل، فيتَوَسَّمون فيه، فيقولون: أيْ فلان، أنت فلان؟ فيُومِئُ بيده إلى صدره، أي: نعم، بما كسبت يداي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٢٢.
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: كانت قريةٌ على ساحل البحر يُقال لها: أيْلَةُ، وكان على ساحل البحر صَنَمانِ مِن حجارةٍ مُسْتَقْبِلان الماء، يُقال لأحدِهما: لُقيمٌ، والآخَر: لقمانةُ. فأَوحى الله إلى السَّمك: أنْ حُجَّ يوم السبتِ إلى الصَّنمينِ. وأَوحى إلى أهل القرية: إنِّي قد أمَرتُ السَّمكَ أن يَحُجُّوا إلى الصَّنمين يوم السبتِ، فلا تَعرَّضوا للسَّمك يوم لا يَمتنعُ منكم، فإذا ذهب السبتُ فشأنَكم به فصيدُوه. فكان إذا طلَع الفجرُ يوم السبت أقبَل السَّمَكُ شُرَّعًا إلى الصَّنمين، لا يمتنعُ من آخِذٍ يأخُذُه، فظهَر يومَ السبتِ شيءٌ من السَّمك في القرية، فقالوا: نأخذُه يوم السَّبت، فنأكُلُه يوم الأحد. فلمّا كان يومُ السبت الآخَر ظهَر أكثرُ من ذلك، فلمّا كان السَّبتُ الآخَر ظهَر السَّمكُ في القريةِ، فقام إليهم قومٌ منهم، فوعَظُوهم، فقالوا: اتقُوا الله. فقام آخَرون، فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَومًا الله مُهلِكُهُم أو مُعَذِبُهُم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعذِرَةً إلى رَبِكُم ولَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾. فلمّا كان سبتٌ من تلك الأسْباتِ فشى السَّمكُ في القرية، فقام الذين نَهَوا عن السُّوءِ فقالوا: لا نبيتُ معكم الليلةَ في هذه القريةِ. فقيل لهم: لو أصبَحتم فانقلَبتُم بذرارِيكم ونسائِكم؟! قالوا: لا نبِيتُ معَكم الليلةَ في هذه القريةِ، فإن أصبَحنا غدَونا، فأخرَجْنا ذرارينا وأمتِعتَنا من بين ظَهرانيكم. وكان القومُ شاتِينَ، فلمّا أمْسَوا أغلَقُوا أبوابَهم، فلمّا أصبَحُوا لم يَسمَعِ القومُ لهم صوتًا، ولم يرَوْا سَرْحًا١ خرَج من القرية، قالوا: قد أصابَ أهلَ القرية شَرٌّ. فبَعَثوا رجلًا منهم ينظُر إليهم، فلمّا أتى القريةَ إذا الأبوابُ مُغلَقةٌ عليهم، فاطَّلعَ في دار، فإذا هم قُرودٌ كلُّهم؛ المرأةُ أُنثى، والرجلُ ذَكَرٌ، ثم اطَّلَع في دارٍ أُخرى فإذا هم كذلك؛ الصغيرُ صغيرٌ، والكبيرُ كبيرٌ، ورجع إلى القومِ، فقال: يا قوم، نزَل بأهلِ القريةِ ما كنتُم تَحذَرُون، أصبَحُوا قِرَدةً كلُّهم، لا يستَطيعُون أن يفتَحوا الأبوابَ. فدخَلوا عليهم، فإذا هم قردَةٌ كلُّهم، فجعَلَ الرجل يُومِئُ إلى القِردِ منهم: أنتَ فلانٌ؟ فيُومِئُ برأسِه: نعم. وهم يَبكُون، فقالوا: أبعدَكم الله، قد حذَّرناكم هذا. ففتَحُوا لهم الأبوابَ، فخرَجوا، فلَحِقوا بالبَرِّيَّةِ٢
التخريج
  1. ١السَّرْحُ: الماشية. النهاية (سرح).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٧
عن الحسن البصري -من طريق أيوب- في قوله: ﴿وسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ﴾ الآية، قال: كان حوتًا حرَّمه الله عليهم في يومٍ، وأحلَّه لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم، كأنّه المَخاضُ ما يَمتِنعُ من أحد، فجعَلوا يَهُمُّون ويُمسِكون -وقلَّما رأيتُ أحدًا أكثر الاهتمام بالذَّنبِ إلا واقَعَه-، فجعَلوا يَهُمُّون ويُمسِكون حتى أخَذُوه، فأكلوا بها، واللهِ، أوْخَم أكْلَةٍ أكَلَها قومٌ قطُّ؛ أبقاهُ خِزيًا في الدنيا، وأشدَّه عقوبةً في الآخرة، وايْمُ اللهِ، لَلْمُؤْمِنُ أعظمُ حُرمةً عند الله مِن حوت، ولكنَّ الله عز وجل جعَل موعدَ قومٍ الساعةَ، والساعةُ أدْهى وأمَرُّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏٥٣١، وابن جرير ١٠‏/‏٥٢٣، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٩ من طريق مبارك بن فضالة. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾، ذُكِر لنا: أنّه إذا كان يومُ السبت أقبلت الحيتان حتى تنبطح على سواحلهم وأفنيتهم لِما بَلَغَها من أمر الله في الماء، فإذا كان في غير يوم السبت بعدت في الماء، حتى يطلبها طالِبُهم، فأتاهم الشيطان، فقال: إنّما حُرِّم عليكم أكلُها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت، وكلوها فيما بعد. قوله: ﴿وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾: صار القومُ ثلاثةَ أصناف: أمّا صِنفٌ فأمسكوا عن حرمة الله، ونهوا عن معصية الله، وأمّا صِنفٌ فأمسك عن حُرْمَةِ الله هَيْبَةً لله، وأمّا صِنفٌ فانتَهَكَ الحُرْمَةَ، ووقع في الخطيئة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥١٦.
٩
عن مالك قال: زعم ابن رومان أنّ قوله: ﴿تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم﴾، قال: كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساءُ ذهبت، فلا يُرى منها شيءٌ إلى السبت، فاتَّخَذ لذلك رجلٌ منهم خيطًا ووتدًا، فربط حوتًا منها في الماء يوم السبت، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناسُ ريحَه، فأتوه، فسألوه عن ذلك، فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جِلْدُ حوتٍ وجدناه. فلمّا كان السبتُ الآخَرُ فَعَل مثل ذلك، ولا أدري لعلَّه قال: ربط حوتين، فلمّا أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجدوا ريحه، فجاءوا فسألوه، فقال لهم: لو شئتم صنعتُم كما أصنع. فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتى كثُر ذلك. وكانت لهم مدينة لها رَبَضٌ١، فغلقوها عليهم، فأصابهم مِن المسخ ما أصابهم، فغدا إليهم جيرانُهم مِمَّن كان يكون حولهم، يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادَوْا، فلم يجيبوهم، فتَسَوَّروا عليهم، فإذا هم قِرَدَةٌ، فجعل القِرْدُ يدنو يَتَمَسَّحُ بمن كان يعرف قبل ذلك، ويدنو منه ويَتَمَسَّح به٢
التخريج
  1. ١الرَّبَضُ: سور المدينة وما حولها. وقيل: الفضاء حول المدينة. تاج العروس (ربض).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥١٩.
١٠
قال محمد بن السائب الكلبي: القرية هي أيْلَة. وذُكِر لنا: أنّهم كانوا في زمان داود، وهو مكان من البحر تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة؛ كهيئة العيد، تأتيهم منه حتى لا يروا الماء، وتأتيهم في غير ذلك الشهر كل يوم سبت كما تأتيهم في ذلك الشهر، فإذا جاء السبتُ لم يَمَسُّوا منها شيئًا، فعمد رجال من سفهاء تلك المدينة، فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فأكثروا منها، وملَّحوا، وباعوا، ولم تنزل بهم عقوبةٌ؛ فاستبشروا، وقالوا: إنّا نرى السبت قد حَلَّ، وذَهَبَتْ حُرْمَتُه، إنّما كان يُعاقَب به آباؤنا. فعملوا بذلك سنين؛ حتى أثْرَوْا منه، وتَزَوَّجوا النساء، واتَّخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف مِن صالحيهم؛ فقالوا: يا قوم، انتهكتم حُرْمَة سبتِكم، وعصيتم ربَّكم، وخالفتم سُنَّةَ نبيكم، فانتهوا عن هذا العمل قبل أن ينزل بكم العذاب. قالوا: فلِم تَعِظُونَنا إذ كنتم علمتم أنّ اللهَ مُهْلِكُنا؟ وإن أطعمتمونا لَتَفْعَلُنَّ كالذي فعلنا، فقد فعلنا منذ سنين، فما زادنا الله به إلا خيرًا. قالوا: ويلكم، لا تَغْتَرُّوا، ولا تأمنوا بأس الله، [...] كأنه قد نزل بكم. قالوا: ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم﴾ الآية١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏١٤٨-١٤٩-.
١١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم﴾ حتى بلغ: ﴿ولعلهم يتقون﴾: لعلهم يتركون ما هم عليه. قال: كانوا قد بُلُوا بكَفِّ الحيتان عنهم، وكانوا يَسْبِتون١ في يوم السبت، ولا يعملون فيه شيئًا، فإذا كان يومُ السبت أتتهم الحيتان شُرَّعًا، وإذا كان غيرُ يوم السبت لم يأتِ حوتٌ واحد. قال: وكانوا قومًا قد قَرِمُوا٢ بحُبِّ الحيتان، ولَقَوْا منه بلاءً، فأخذ رجلٌ منهم حوتًا، فربط في ذَنَبِه خَيْطًا، ثم ربطه إلى خَشَفَةٍ٣، ثم تركه في الماء، حتى إذا غربت الشمسُ من يوم الأحد اجْتَرَّه بالخيط، ثُمَّ شواه، فوجد جارٌ له ريحَ حوت، فقال: يا فلان، إنِّي أجد في بيتك ريحَ نُونٍ! فقال: لا. قال: فتَطَلَّع في تَنُّوره، فإذا هو فيه، فأخبره حينئذ الخبرَ، فقال: إنِّي أرى اللهَ سيُعَذِّبك. قال: فلمّا لم يَرَهُ عَجَّل عذابًا، فلمّا أتى السبتُ الآخَرُ أخذ اثنين، فربطهما، ثم اطَّلع جارٌ له عليه، فلمّا رآه لم يُعجَّلْ عذابًا جعلوا يصيدونه، فاطَّلع أهلُ القرية عليهم، فنهاهم الذين ينهون عن المنكر؛ فكانوا فِرقتين: فرقة تنهاهم وتَكُفُّ، وفرقة تنهاهم ولا تَكُفُّ، فقال الذين نَهَوا وكفُّوا للذين ينْهَوْن ولا يكُفُّون: ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا﴾؟ فقال الآخرون: ﴿معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾. فقال الله: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء﴾ إلى قوله: ﴿بما كانوا يفسقون﴾. قال الله: ﴿فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾. وقال لهم أهل تلك القرية: عمِلْتم بعمل سُوء، مَن كان يريد يَعْتَزِل ويتَطَهَّر فليَعْتَزِل هؤلاء، قال: فاعتَزَل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم، وضربوا بينهم سورًا، فجعلوا في ذلك السور أبوابًا يخرج بعضُهم إلى بعض. قال: فلمّا كان الليلُ طَرَقَهم اللهُ بعذابٍ، فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدًا، فدخلوا عليهم، فإذا هم قِرَدة؛ الرجل وأزواجه وأولاده. فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه، فيقولون: يا فلان، ألم نُحَذِّرْك سَطَواتِ الله؟! ألم نُحَذِّرْك نِقْماتِ الله؟! ونحذِّرْك ونحذِّرْك؟! قال: فليس إلا بكاء. قال: وإنّما عذَّب اللهُ الذين ظلموا؛ الذين أقاموا على ذلك. قال: وأما الذين نَهَوا فكلُّهم قد نَهى، ولكنَّ بعضَهم أفضلُ من بعض. فقرأ: ﴿أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون﴾٤
التخريج
  1. ١السَّبْتُ: الراحة والسكون، أو من القَطْع وترك الأعمال، وقِيل: سُمِّيَ بذلك؛ لأن اليهود كانوا ينقطعون فيه عن العمل والتصرف. لسان العرب (سبت).
  2. ٢قرِم إلى اللحم: اشتهاه، والقَرَم: شدة الشهوة إلى اللحم. لسان العرب (قرم).
  3. ٣الخشفة، وبالحاء المهملة أيضًا: حجارة تنبت في الأرض نباتًا، أو صخرة رخوة في سهل من الأرض. لسان العرب (حشف)، (خشف).
  4. ٤أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥١٧.
١٢
عن عطاء، قال: كنتُ جالسًا في المسجد، فإذا شيخٌ قد جاء، وجلس الناسُ إليه، فقالوا: هذا مِن أصحاب عبد الله بن مسعود. فقال: قال ابن مسعود: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾الآية، قال: لَمّا حرم عليهم السبت كانت الحيتان تأتي يوم السبت، وتأمن، وتجيء، فلا يستطيعون أن يَمَسُّوها، وكان إذا ذهب السبتُ ذَهَبَتْ، فكانوا يَتَصَيَّدون كما يَتَصَيَّدُ الناسُ، فلمّا أرادوا أن يَعْدُوا في السبت اصطادوا، فنهاهم قومٌ مِن صالحيهم، فأَبَوْا، وكَثَرَهُم١ الفجار، فأراد الفجارُ قتالهم، فكان فيهم مَن لا يشتهون قتاله؛ أبو أحدهم، وأخوه، أو قريبه. فلمّا نَهَوْهُم وأَبَوْا قال الصالحون: إنْ أبَيْتُم فإنّا نجعلُ بيننا وبينكم حائطًا. ففعلوا، فلمّا فقدوا أصواتهم قالوا: لو نظرتُم إلى إخوانكم ما فعلوا؟ فنظروا، فإذا هم قد مُسِخُوا قِرَدَةً، يعرفون الكبير بكبره، والصغير بصغره، فجعلوا يبكون إليهم، وكان هذا بعد موسى ﷺ٢
التخريج
  1. ١يقال: كاثَرْتُه فكَثَرْتُه إذا غَلَبْتَه وكنت أكثر منه. النهاية (كثر).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥٢٤.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي-: ﴿واسألهم عن القرية التي، كانت حاضرة البحر﴾ إلى قوله: ﴿ويوم لا يسبتون لا تأتيهم﴾، وذلك أنّ أهل قريةٍ كانت حاضرةَ البحر كانت تأتيهم حيتانُهم يوم سبتهم، يقول: إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعًا، يعني: من كل مكان، ﴿ويوم لا يسبتون لا تأتيهم﴾ وأنّهم قالوا: لو أنّا أخَذْنا مِن هذه الحيتان يوم تجيءُ ما يكفينا فيما سوى ذلك مِن الأيام. فوعظهم قومٌ مؤمنون، ونَهَوْهم، وقالت طائفةٌ من المؤمنين: إنّ هؤلاء قوم قد هَمُّوا بأمرٍ ليسوا بمنتهين دونه، واللهُ مخزيهم ومُعَذِّبُهم عذابًا شديدًا. قال المؤمنون بعضُهم لبعض: ﴿معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾؛ إن كان هلاكٌ فلعلَّنا ننجو، وإمّا أن ينتهوا فيكون لنا أجرًا. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يومًا يعبدونه، ويتفرغون له فيه، وهو يوم الاثنين، فتعدّى الخبثاء مِن الاثنين إلى السبت، وقالوا: هو يوم السبت. فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعل عليهم السبت، ونهاهم أن يعملوا فيه، وأن يعتدوا فيه. وإنّ رجلا منهم ذهب لِيَحْتَطِب، فأخذه موسى عليه السلام، فسأله: هل أمَرَك بهذا أحدٌ؟ فلم يجد أحدًا أمَرَه، فرجمه أصحابُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥١٣.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَت حاضِرَةَ البَحْرِ﴾، قال: هي قريةٌ على شاطئ البحر، بين مصرَ والمدينةِ، يُقال لها: أيْلَةُ، فحرَّم الله عليهمُ الحِيتانَ يوم سَبْتِهم، فكانت تَأتِيهم يوم سبتِهم شُرَّعًا في ساحل البحر، فإذا مضى يومُ السبتِ لم يَقْدِروا عليها، فمَكَثوا كذلك ما شاء الله، ثم إنّ طائفةً منهم أخَذوا الحيتانَ يوم سبتِهم، فنَهَتْهم طائفةٌ، فلم يَزْدادوا إلا غَيًّا، فقالت طائفةٌ مِن النُّهاةِ: تَعْلَمون أنّ هؤلاء قومٌ قد حقَّ عليهم العذابُ، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَومًا الله مُهلِكُهُم﴾؟! وكانوا أشدَّ غضَبًا مِن الطائفةِ الأُخْرى، وكلٌّ قد كانوا يَنهَوْن، فلَمّا وقَع عليهم غضبُ الله نَجَتِ الطائفتان اللتان قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَومًا﴾. والذين قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِكُم﴾. وأهلَك اللهُ أهلَ معصيتِه الذين أخَذوا الحيتانَ، فجَعَلَهم قِرَدَةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥١٢-٥١٣. وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٩٩، ١٦٠٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس، قال: أخَذَ موسى عليه السلام رجلًا يَحمِلُ حَطَبًا يوم السَّبت، وكان موسى يَسبِتُ، فصَلَبه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.
٢
عن عبد الله بن عباس، قال: احتَطَبَ رجلٌ في السبت، وكان داود عليه السلام يَسبتُ، فصَلَبه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٣
عن سعيد بن جبير، أو أبي مالك [غزوان الغفاري] -من طريق إسماعيل السدي- قال: رأى موسى عليه السلام رجلًا يحمل قَصَبًا يوم السبت، فضَرَبَ عُنُقَه١