سورة مريم | الآية ١٧

عرض السورة
موسوعة التفسير بالمأثور

ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

تفسير

٢٣ قولًا
١
عن أُبَيّ بن كعب -من طريق أبي العالية- في قوله: إنّ روح عيسى عليه السلام مِن جُمْلَة الأرواح التي أُخِذ عليها العهدُ في زمان آدم، ﴿فتمثل لها بشرا سويا﴾ قال: تَمَثَّل لها روح عيسى في صورة بشر، ﴿فحملته﴾ قال: حملت الذي خاطبها، دخل في فِيها١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٣٧٣ مطولًا، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٨٥)، وابن عساكر ٤٧‏/‏٣٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، عن الضحاك- في قوله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾، يعني: جبريل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٧‏/‏٣٤٨-٣٤٩. وعزاه السيوطي في الدر إلى إسحاق بن بشر. وتقدم بتمامه مطولًا في سياق القصة.
٣
عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ الآية، قال: نفخ جبريلُ في دِرْعِها، فبلغت حيث شاء الله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.
٤
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾: يعني: جبريل١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي في تفسيره ص١٧٨.
٥
قال عكرمة مولى ابن عباس: إنّ مريم الصدِّيقة كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرًا، فإذا حاضت تحوَّلَتْ إلى بيت خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل مِن الحيض إذ عرض لها جبريلُ عليه السلام في صورة شابٍّ أمرد، وضِيء الوجه، جعد الشعر، سَوِيِّ الخَلْق، فذلك قوله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾يعني جبريل عليه السلام١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏٢٠٩، وتفسير البغوي ٥‏/‏٢٢٣.
٦
عن عطاء بن يسار: أنّ جبريل أتاها في صورة رجل، فكشف الحجاب، فلمّا رأته تَعَوَّذَتْ منه، فنفخ في صَنِفَةِ دِرْعِها١، فبلغت، فذُكِر ذلك في المدينة، فهُجِر زكريا وتُرِك، وكان قبل ذلك يُسْتَفْتى، ويأتيه الناس، حتى إنّ كان لَيُسَلِّم على الرجل فما يُكَلِّمه٢
التخريج
  1. ١صَنِفَةِ درعها: طرفه وزاويته. لسان العرب (صنف).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٧
عن أبي صالح باذام، في قوله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾، قال: بعث الله إليها ملَكًا، فنفخ في جيبها، فدخل في الفَرْج١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٨
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن معقل- قال: أرسل الله جبريلَ إلى مريم، دخل في فيها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٤٨٦.
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾، قال: جبريل١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٢١٩، وابن جرير ١٥‏/‏٤٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٠
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: فلمّا طَهُرَت -يعني: مريم- مِن حيضها، إذا هي برجل معها، وهو قوله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾، وهو جبريل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٤٨٦. وعلَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٢١٩.
١١
قال محمد بن السائب الكلبي: كان زكريا كَفِل مريم، وكانت أختُها تحته، وكانت تكون في المحراب، فلمّا أدركت كانت إذا حاضت أخرجها إلى منزلِهِ إلى أختها، فإذا طهرت رجعت إلى المحراب. فطَهُرَت مرة، فلما فرغت مِن غُسْلِها قعدت في مشرقة في ناحية الدار، وعلَّقت عليها ثوبًا سترةً، فجاء جبريل إليها في ذلك الموضع، فلمّا رأته ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ١‏/‏٢١٩.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾، يعني: جبريل عليه السلام١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٢٣.
١٣
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- قوله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾، قال: جبريل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٤٨٦.
١٤
قال يحيى بن سلّام، في قوله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾: يعني: جبريل١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٢١٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في الروح الذي تمثل لمريم؛ فقال قوم: هو جبريل. وقال غيرهم: عيسى. ورجَّح ابنُ كثير (٩/٢٢٦) مستندًا إلى دلالة القرآن القولَ الأولَ الذي قاله قتادة، والضحاك، ومجاهد، والسدي، وابن جريج، ووهب بن منبه، فقال: «وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن؛ فإنّه تعالى قد قال في الآية الأخرى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤]». وانتقد (٩/٢٢٦) القولَ الثاني الذي قاله أبي، فقال: «وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي». وذكر ابنُ عطية (٦/١٦-١٧) أنّ مَن قال بالقول الأول قَدَّر الكلام: فتمثل هو لها. ومن قال بالثاني قدَّر الكلام: فتمثل المَلَك لها.
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: لَمّا بلغت مريم، فبينا هي في بيتها مُتَفَضِّلة إذ دخل عليها رجلٌ بغير إذن، فخشيت أن يكون دخل عليها ليغتالها، فقالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر ٧٠‏/‏٨١-٨٣ من طريق داود بن أبي هند.
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، عن الضَّحّاك- في قوله: ﴿فتمثل لها بشرا﴾ في صورة الآدَمِيِّين، ﴿سويا﴾ يعني: مُعْتَدِلًا، شابًّا، أبيض الوجه، جعدًا قَطَطًا، حين اخْضَرَّ شاربُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٧‏/‏٣٤٨-٣٤٩. وعزاه السيوطي في الدر إلى إسحاق بن بشر. وتقدم بتمامه مطولًا في سياق القصة.
١٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: أرسل إليها -فيما يذكر- جبريل في صورة آدم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٤٨٥. وعلَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٢١٩. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٨
عن إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿فتمثل لها بشرا سويا﴾، يعني: سَوِيّ الخَلْق، بشرًا في صورة البشر وخلْقِهم١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ١‏/‏٢١٩.
١٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فتمثل لها بشرا سويا﴾، يعني: إنسانًا سَوِيًّا، يعني: سويَّ الخَلْق، على صورة شابٍّ أمْرَد، جعد الرأس١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٢٣.
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضحاك- قال: جعلت بينها وبين قومها حجابًا، يعني: جبلًا. فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس١
التخريج
  1. ١أخرج ابن عساكر في تاريخه بعضه مفرقًا ٤٧‏/‏٣٤٨-٣٤٩، ٧٠‏/‏٩٥-٩٦، وعزاه السيوطي إلى إسحاق بن بشر.
٢١
قال عبد الله بن عباس: سِتْرًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏٢٠٩، وتفسير البغوي ٥‏/‏٢٢٣.
٢٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿فاتخذت من دونهم حجابا﴾ مِن الجدران١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٤٨٥.
٢٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فاتخذت من دونهم حجابا﴾، يعني: جبلًا، فجعلت الجبل بينها وبينهم، فلم يرها أحد منهم، كقوله في ص [٣٢]: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾، يعني: الجبل، وهو دون «ق» بمسيرة سنة، والشمس تغرب من ورائه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٢٣. وفي تفسير الثعلبي ٦‏/‏٢٠٩، وتفسير البغوي ٥‏/‏٢٢٣ نحو أوله مختصرًا منسوبًا إلى مقاتل دون تعيينه.

سياق القصة

٤ أقوال
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك- قالا: خرجت مريم إلى جانب المحراب لِحَيض أصابها، فلمّا طهرت إذ هي برَجُلٍ معها، ﴿فتمثل لها بشرا﴾، ففزعت، وقالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾. فخرجت وعليها جلبابها، فأخذ بكُمِّها، فنفخ في جيب دِرْعِها، وكان مشقوقًا مِن قُدّامِها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختُها امرأةُ زكريا ليلةً تزورها، فلمّا فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أُشْعِرْتُ أنِّي حبلى. قالت مريم: أُشْعِرْتُ أيضًا أنِّي حُبْلى. فقالت امرأة زكريا: فإنِّي وجدتُ ما في بطني يسجد للذي في بطنك. فذاك قوله: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾. فولدت امرأةُ زكريا يحيى، ولَمّا بلغ أن تضع مريمُ خرجت إلى جانب المحراب، ﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت﴾ استحياءً من الناس: ﴿يا ليتني مت قبل هذا﴾ الآية، ﴿فناداها﴾ جبريل ﴿من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا * وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾. فهزَّتْهُ، فأجرى لها في المحراب نهرًا -والسَّرِيُّ: النهر-، فتساقطت النخلة رطبًا جنِيًّا، فلما ولدته ذهب الشيطان، فأخبر بني إسرائيل: أنّ مريم ولدت. فلما أرادوها على الكلام أشارت إلى عيسى، فتكلَّم، فقال: ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا﴾. فلمّا وُلِد لم يبق في الأرض صنمٌ يُعْبَد من دون الله إلا خرَّ -وقع ساجدًا- لوجهه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢/ ٥٩٣، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٧٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٧٠/ ٨٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ عطية (٦/ ٢١) ما رُوِي من قصص حمل عيسى - عليه السلام -، فقال: «وفي هذا كله ضَعْف».
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير- قال: لَمّا بلغت مريم، فبينما هي في بيتها مُتَفَضِّلة١ إذ دخل عليها رجلٌ بغير إذن، فخشيت أن يكون دخل عليها لِيَغْتالَها، فقالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك﴾. فجعل جبريل يردد ذلك عليها، وتقول: ﴿أنى يكون لي غلام﴾. وتَغَفَّلَها جبريل، فنفخ في جَيْب دِرْعِها، ونهض عنها، واستمرَّ بها حملُها، فقالت: إن خَرَجْتُ نحو المغرب فالقوم يصلون نحو المغرب، ولكن أخْرُجُ نحو المشرق حيث لا يراني أحد. فخَرَجَتْ نحو المشرق، فبينما هي تمشي إذ فجأها المخاض، فنظرت هل تجد شيئًا تستر به، فلم ترَ إلا جِذْعَ النخلة، فقالت: أستترُ بهذا الجذع مِن الناس. وكان تحت الجذع نهر يجري، فانضمَّت إلى النخلة، فلمّا وضَعَتْهُ خَرَّ كل شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجدًا لوجهه، وفزع إبليس، فخرج، فصعد، فلم ير شيئًا ينكره، وأتى المشرق فلم ير شيئًا يُنكره، ودخل الأرض فلم ير شيئًا يُنكره، وجعل لا يصبر، فأتى المغرب لينظر، فلم ير شيئًا ينكره، فبينا هو يطوف إذ مَرَّ بالنخلة، فإذا هو بامرأة معها غلام قد ولدته، وإذا بالملائكة قد أحْدَقُوا بها وبابنها وبالنخلة، فقال: ههنا حَدَث الأمر. فمال إليهم، فقال: أيُّ شيء هذا الذي حدث؟ فكلَّمَتْه الملائكة، فقالوا: نبيٌّ وُلِد بغير ذَكَر. قال: نبيٌّ وُلِد بغير ذَكَر! قالوا: نعم. قال: أما -واللهِ- لَأُضِلَّنَّ به أكثر العالمين. أضلَّ اليهود فكفروا به، وأضلَّ النصارى فقالوا: هو ابن الله. قال: وناداها مَلَك مِن تحتها: ﴿قد جعل ربك تحتك سريا﴾. قال إبليس: ما حَمِلَتْ أُنثى إلا بعلمي، ولا وضعته إلا على كَفِّي، ليس هذا الغلام، لم أعلم به حين حَمَلَتْهُ أمه، ولم أعلم به حين وضعته٢
التخريج
  1. ١أي: لابسة الثياب التي يلبسها الإنسان في البيت للراحة مِن قميص ونحوه، دون ثياب التصرف والثياب التي يلقى بها الناس. لسان العرب (فضل).
  2. ٢أخرجه ابن عساكر ٧٠‏/‏٨١-٨٣.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، عن الضحاك- في قوله: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ يقول: قُصَّ ذكرَها على اليهود والنصارى ومشركي العرب ﴿إذا انتبذت﴾ يعني: خرجت ﴿من أهلها مكانا شرقيا﴾ قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق، ﴿فاتخذت من دونهم حجابا﴾ وذلك أنّ الله لَمّا أراد أن يبتدئها بالكرامة، ويُبَشِّرها بعيسى، وكانت قد اغتسلت من المحيض، فتَشَرَّفت، وجعلت بينها وبين قومها ﴿حجابا﴾ يعني: جبلًا، فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس، ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ يعني: جبريل، ﴿فتمثل لها بشرا﴾ في صورة الآدميين، ﴿سويا﴾ يعني: مُعْتَدِلًا، شابًّا، أبيض الوجه، جَعْدًا قَطَطًا١، حين اخضرَّ شاربُه، فلما نظرت إليه قائمًا بين يديها ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾، وذلك أنها شبَّهته بشابٍّ كان يراها ونشأ معها، يُقال له: يوسف، من بني إسرائيل، وكان مِن خَدَمِ بيت المقدس، فخافت أن يكون الشيطان قد استَزَلَّه، فمِن ثَمَّ قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾ يعني: إن كنتَ تخاف الله. ﴿قال﴾ جبريلُ وتَبَسَّم: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ يعني: لله مطيعًا، من غير بشر. ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر﴾ يعني: زوجًا، ﴿ولم أك بغيا﴾ أي: مُومِسَة. ﴿قال﴾ جبريل: ﴿كذلك﴾ يعني: هكذا ﴿قال ربك هو علي هين﴾ يعني: خَلْقُه مِن غير بشر، ﴿ولنجعله آية للناس﴾ يعني: عِبرة، والناس هنا: للمؤمنين خاصة، ﴿ورحمة منا﴾ لِمَن صدَّق بأنه رسول الله، ﴿وكان أمرا مقضيا﴾ يعني: كائنًا أن يكون مِن غير بشر. فَدَنا جبريلُ، فنفخ في جيبها، فدخلت النفخةُ جَوْفَها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرَّحِم والمشِيمَة، ووضعته كما تضع النساء، فأصابها العَطَش، فأجرى الله لها جدولًا من الأردن، فذلك قوله: ﴿قد جعل ربك من تحتك سريا﴾. والسَّرِيُّ: الجدول. وحمل الجذِعُ من ساعته ﴿رطبا جنيا﴾، ﴿فناداها من تحتها﴾ جبريل: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾. لم يكن على رأسها سعف، وكانت قد يبست منذ دهر طويل، فأحياها الله لها، وحملت، فذلك قوله: ﴿تساقط عليك رطبا جنيا﴾ يعني: طريًّا بغباره، ﴿فكلي﴾ مِن الرُّطَب، ﴿واشربي﴾ من الجدول، ﴿وقري عينا﴾ بولدك. فقالت: فكيف بي إذا سألوني: من أين هذا؟ قال لها جبريل: ﴿فإما ترين﴾ يعني: فإذا رأيت ﴿من البشر أحدا﴾ فأَعْنَتَكِ في أمرك؛ ﴿فقولي إني نذرت للرحمن صوما﴾ يعني: صمتًا في أمر عيسى، ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ في أمره، حتى يكون هو الذي يُعَبِّر عنِّي وعن نفسه. قال: ففقدوا مريم مِن محرابها، فسألوا يوسف، فقال: لا عِلْمَ لي بها، وإنّ مفتاح محرابها مع زكريا. فطلبوا زكريا، وفتحوا الباب وليست فيه، فاتهموه، فأخذوه، ووَبَّخوه، فقال رجل: إنِّي رأيتها في موضع كذا. فخرجوا في طلبها، فسمعوا صوت عقعق٢ في رأس الجذع الذي مريم مِن تحته، فانطلقوا إليه، فذلك قول الله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾. قال ابن عباس: لَمّا رأت بأنّ قومها قد أقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به، فذلك قوله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾ أي: لا تخاف رِيبة ولا تُهمة، فلما نظروا إليها شقَّ أبوها مدرعته، وجعل التراب على رأسه، وإخوتها، وآل زكريا، فـ﴿قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ يعني: عظيمًا، ﴿يا أخت هرون﴾ كانت من آل هارون، ﴿ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا﴾ يعني: زانية، فأنّى أتيتِ هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح، والأب الصالح، والأم الصالحة؟! ﴿فأشارت إليه﴾ تقول لهم: أن كلِّموه، فإنه سيخبركم، فـ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾ أن لا أكلمكم في أمره، فإنّه سيُعَبِّر عَنِّي، ويكون لكم آية وعبرة. ﴿قالوا﴾: يا عجبنا، ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيا﴾؟! يعني: مَن هو في الخِرَقِ طفلًا لا ينطق! إذ أنطقه الله، فعبَّر عن أُمِّه، وكان عبرة لهم، فقال: ﴿إني عبد الله﴾. فلما أن قالها ابتدأ يحيى، وهو ابن ثلاث سنين، فكان أولَ مَن صدق به، فقال: إنِّي أشهد أنك عبد الله ورسوله. لتصديق قول الله: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ [آل عمران:٣٩]. فقال عيسى: ﴿آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾ إليكم، ﴿وجعلني مباركا أينما كنت﴾. قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: «البركة التي جعلها الله لعيسى أنّه كان مُعَلِّمًا مُؤَدِّبًا حيثما توجه». ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة﴾ يعني: وأمرني، ﴿وبرا بوالدتي﴾ فلا أعُقُّها. قال ابن عباس: حين قال: ﴿وبرا بوالدتي﴾ قال زكريا: الله أكبر. فأخذه، فضَمَّه إلى صدره، فعلموا أنّه خُلِق مِن غير بشر، ﴿ولم يجعلني جبارا شقيا﴾ يعني: مُتَعَظِّمًا سفّاكًا للدم، ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. يقول الله: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾ يعني: يَشُكُّون. يقوله لليهود، ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس٣
التخريج
  1. ١والقطط: الشديد الجعودة، وقيل: الحسن الجعودة. وجعودة الشعر: عدم انبساطه واسترساله. النهاية ٤‏/‏٨١.
  2. ٢العقعق: طائر ذو لونين أبيض وأسود، طويل الذنب، من نوع الغربان. النهاية ٣‏/‏٢٧٦.
  3. ٣أخرج ابن عساكر في تاريخه بعضه مفرقًا ٤٧‏/‏٣٤٨-٣٤٩، ٧٠‏/‏٩٥-٩٦، وعزاه السيوطي إلى إسحاق بن بشر.
٤
عن نوف البِكاليّ -من طريق أبي عمران الجَوْنِيِّ- قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولًا، وكان زكريا زوج أختها كفلها، فكانت معه، فكان يدخل عليها يُسَلِّمُ عليها، فتُقَرِّبُ إليه فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فدخل عليها زكريا مرَّة، فقرَّبت إليه بعض ما كانت تُقَرِّب، ﴿قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه﴾ إلى قوله: ﴿آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمرا﴾ [آل عمران:٣٧-٤١]. قال: يُخْتَمُ على لسانك فلا تكلِّمُ الناس ﴿ثلاث ليال سويا﴾: صحيحًا. ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم﴾ كتب لهم ﴿أن سبحوا بكرة وعشيا﴾. قال: فبينما هي جالسة في منزلها إذا رجل قائم بين يديها قد هَتَكَ الحُجُبَ، فلمّا رأته قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾. قال: فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام، قال: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ إلى قوله: ﴿وكان أمر مقضيا﴾. فنفخ في جيبها جبريلُ، فحملت، حتى إذا أثْقَلَتْ وجِعَتْ ما توجع النساء، وكانت في بيت النبوة، فاستحيت، وهربت حياءً مِن قومها، فأخذت نحو المشرق، وخرج قومها في طلبها، فجعلوا يسألون: رأيتم فتاة كذا وكذا؟ فلا يخبرهم أحد، وأخذها ﴿المخاض إلى جذع النخلة﴾ فتساندت إلى النخلة، قالت: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا﴾ قال: حيضة من حيضة، ﴿فناداها من تحتها﴾ قال: جبريل مِن أقصى الوادي: ﴿أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا﴾ قال: جدولًا، ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾. فلمّا قال لها جبريلُ اشتدَّ ظهرها، وطابت نفسها، فقطعت سَرَرَه١، ولفَّته في خِرْقَة، وحملته، فلقي قومها راعي بقر وهم في طلبها، قالوا: يا راعي، هل رأيت فتاة كذا وكذا؟ قال: لا، ولكن رأيت الليلة مِن بقري شيئًا لم أره منها قطُّ فيما خلا. قال: وما رأيتها منها؟ قال: رأيتها باتت سُجَّدًا نحو هذا الوادي. فانطلقوا حيث وصف لهم، فلما رأتهم مريم جلست، وجعلت تُرضِع عيسى، فجاؤوا حتى وقفوا عليها، فقالوا: ﴿يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ قال: أمرًا عظيمًا، ﴿فأشارت إليه﴾ أن كلِّموه، فعجبوا منها، ﴿قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبي﴾؟! والمهد: حِجْرُها. فلما قالوا ذلك ترك عيسى ثديَها، واتَّكأ على يساره، ثم تكلم، ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. قال: واختلف الناس فيه٢
التخريج
  1. ١سَرَرَه: ما يقطع من النقرة التي في وسط بطن الوليد، وهي السُّرة. لسان العرب (سرر).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد. وأخرج آخره ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏٢٢٦-، كما أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق ٧٠‏/‏٨٥ نحوه.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن ابن عباس أنّه قال لعمر بن الخطاب: بِمَ استحب النَّصارى الحُجُب على مذابحهم؟ قال: إنما يستحب النصارى الحجب على مذابحهم ومناسكهم لقول الله: ﴿فاتخذت من دونهم حجابا﴾١