قال تعالي في سورة النساء : { أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ النساء : 1 ] .
وقال في الأعراف : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ الأعراف : 189 ] .
وقال في الزمر : { خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ الزمر : 6 ] .
سؤال : لماذا قال في آية النساء : { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ؟
وقال في آيتي الأعراف والزمر : { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } .
الجواب : الجعل حالة بعد الخلق في الغالب , تقول : ( جعل الزرع حطاما ) أي : بعد خلقه وتكوينه , قال تعالي : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً } [ الزمر : 21 ] .
ولا يقال : ( خلقه حطاما ) فإن ذلك يعني ابتداء .
وتقول : ( جعل الماء عذبا بعد أن كان أجاجا ) .
وقال ربنا في بني إسرائيل : { وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ } [ المائدة : 60 ] .
ولا يصح : ( خلق منهم ) . فالخلق أول , والجعل بعده في الغالب .
وآية النساء في آدم وحواء , قال تعالي : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } [ النساء : 1 ] .
وأما آيتا الأعراف والزمر فهما فيما بعد ذلك من بني آدم , قال تعالي في الأعراف : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [189] فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [190]
} [ الأعراف : 189 – 190 ] .
فأنت تري أنها ليست في آدم وحواء , بدليل قوله فيها : { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [189] فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
فإنه لا يصح أن يقال في آدم وحواء : ( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ....... ) .
وكذلك آية الزمر , فإنها ليست في آدم وحواء , بل فيما بعد ذلك من بني آدم , فقد قال تعالي : { خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [ الزمر : 6 ] فهذا في عموم الأزواج .
فالجعل هنا ليس في الإخبار عن أصل الإيجاد , بل المقصود أنه جعل الأنثي زوجا للذكر . فآية النساء في أصل الخلق , بخلاف الآيتين الأخريين .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني
ص : 32)