سورة الحج | الآية ١٩

عرض السورة
موسوعة التفسير بالمأثور

ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ ﰒ

تفسير

٢١ قولًا
١
عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ قال: النحاس يُذاب على رؤوسهم، وفي قوله: ﴿يصهر به ما في بطونهم﴾ قال: تسيل أمعاؤهم، ﴿والجلود﴾ قال: تتناثر جلودهم حتى يقوم كل عُضْوٍ بحِيالِهِ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر، وهارون بن عنترة- قال: إذا جاع أهلُ النار في النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أنّ مارًّا يَمُرُّ بهم يعرفهم لَعَرَف جلود وجوههم فيها، ثم يُصَبُّ عليهم العطش، فيستغيثون، فيُغاثون بماء كالمهل؛ وهو الذي قد انتهى حرُّه، إذا أدْنَوْه مِن أفواههم انشوى مِن حَرِّه لحومُ وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، و﴿يصهر به ما في بطونهم﴾: يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم، ثم يُضرَبون بمقامع من حديد، فيسقط كلُّ عُضْوٍ على حِياله، يدعون بالويل والثبور١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٢٥١-٢٥٢، ١٦‏/‏٤٩٧، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏١٨-، وأبو نعيم في الحلية ٤‏/‏٢٨٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح، وابن جُرَيج- في قوله: ﴿يصهر به﴾، قال: يُذاب إذابةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٦. وعلَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٦٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٤
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبر-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏٥٨٠.
٥
قال الحسن البصري، في قوله: ﴿يصهر به﴾: يُقطَع به١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٦٠.
٦
عن قتادة -من طريق معمر- ﴿يصهر به﴾، قال: يُذاب به١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٣٤، وابن جرير ١٦‏/‏٤٩٧.
٧
عن عطاء الخراساني، في قوله: ﴿يصهر به﴾، قال: يُذاب كما يُذاب الشحم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٨
قال الكلبي، في قوله: ﴿يصهر به﴾: يُنضَح به١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٦٠. والفظ كذا ورد في، ولعله تصحَّف عن: ينضج. بالجيم.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ إذا ضربه الملَك بالمِقْمَعة١ ثقب رأسه، ثم صبَّ فيه الحميم الذي قد انتهى حره، ﴿يصهر﴾ يعني: يُذاب ﴿به﴾ يعني: بالحميم ﴿ما في بطونهم والجلود﴾ يقول: وتنضج الجلود٢
التخريج
  1. ١المِقْمَعة: واحدة المَقامِع، وهي سِياطٌ تُعْمَلُ من حَدِيدٍ، رُءُوسُها معوجَّة. النهاية (قمع).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٢٠.
١٠
قال عبد الملك ابن جُرَيج -من طريق حجاج- ﴿يصهر به﴾، قال: ما قُطِع لهم من العذاب١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (١٦/٤٩٦-٤٩٧) في معنى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ سوى قول مجاهد، وابن جريج، وقتادة، وابن عباس من طريق العوفي، وما في معناه. ونقل ابنُ عطية (٦/٢٢٨-٢٢٩) قولًا أنّ معنى ﴿يُصهَر﴾: يُعْصَر، وانتقده قائلًا: «وهذه العبارة قلقة». غير أنه التمس له وجْهًا يمكن أن يُحمَل عليه، فقال: «وإنما يُشْبِه -فيمن قال: يعصر- أنه أراد أن الحميم بحرارته يهبط -كلما يُلْقى- في الجوف ويكشطه ويَسْلِتُه».
١١
عن فضيل بن عبد الوهاب، قال: سمعت شَرِيك [بن عبد الله القاضي]، في قوله: ﴿يصهر﴾، قال: ينضج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب صفة النار -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٦‏/‏٤٢٨ (١٣١)، ٦‏/‏٤٥٢ (٢٤٤)-.
١٢
عن عبد الله بن السري، قال: يأتيه الملَك يحمل الإناء بكلبتين مِن حرارته، فاذا أدناه من وجهه يكرهه، فيرفع مِقْمَعَةً معه، فيضرب بها رأسَه، فيُفْرِغ دماغه، ثم يُفرِغ الإناء مِن دماغه، فيَصِلُ إلى جوفه مِن دماغه، فذلك قوله: ﴿يصهر به ما في بطونهم والجلود﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٠٢-.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ جرير (١٦/٤٩٥-٤٩٦) مستندًا إلى مخالفة السنة وأقوال السلف قولَ عبد الله بن السري، ومقاتل، ويحيى بن سلام في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ولَهُمْ مَقامِعُ﴾، فقال مستدلًّا بحديث أبي هريرة: «والخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرنا يدُلُّ على خلاف ما قال هذا القائل، وذلك أنّه ﷺ أخبر أن الحميم إذا صُبَّ على رءوسهم نَفَذَ الجُمْجُمة حتى يَخْلُص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد ثقبتْ رءوسهم قبل صَبِّ الحميم عليها لم يكن لقوله ﷺ: «إنّ الحميم يَنفُذُ الجمجمة» معنًى، ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل».
١٣
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿يصب من فوق رءوسهم الحميم﴾ وهو الحارُّ الشديد الحَرِّ، ﴿يصهر به﴾ يُحْرَق به ﴿ما في بطونهم والجلود﴾ يعني: وتحرق به الجلود. وهو الذي قال الحسن: يقطع به. ﴿ولهم مقامع من حديد﴾ يعني: مِن نار، يَقْمَعُ رأسه بالمقمعة، فيحترق رأسه، فيصب في١ الحميم حتى يبلغ جوفه٢
التخريج
  1. ١كذا في المصدر، ولعلها: فيه.
  2. ٢تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٣٦٠.
١٤
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- في قوله: ﴿قطعت لهم ثياب من نار﴾: من نحاس، وليس مِن الآنية شيء إن أُحْمِي أشدَّ حَرًّا مِنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح، وابن جريج- ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾، قال: الكافر قُطِّعت له ثياب من نار، والمؤمن يُدخِله الله جناتٍ تجري من تحتها الأنهار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٤.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ بَيَّن ما أُعِدَّ للخصمين، فقال: ﴿فالذين كفروا﴾ يعني: اليهود والنصارى ﴿قطعت لهم﴾ يعني: جعلت لهم ﴿ثياب من نار﴾ يعني: قُمُصًا من نحاس ﴿من نار﴾ فيها تقديم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٢١.
١٧
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾، وقال في آية أخرى: ﴿سرابيلهم﴾ أي: قمصهم، ﴿من قطران﴾ [إبراهيم:٥٠]. قال الحسن: القطران: الذي يُطْلى به الإبل. وقال مجاهد: مِن صُفْرٍ. قال الحسن: وهي من نار١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٣٥٩.
١٨
عن أبي هريرة، أنّه تلا هذه الآية، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الحميم لَيُصَبُّ على رؤوسهم، فينفذ الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصَّهْر، ثم يُعاد كما كان»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٤‏/‏٤٥٢-٤٥٣ (٨٨٦٤)، والترمذي ٤‏/‏٥٣٨ (٢٧٦٢)، والحاكم ٢‏/‏٤١٩ (٣٤٥٨)، وابن جرير ١٦‏/‏٤٩٥، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٠٦-. وأورده الثعلبي ٧‏/‏١٤. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏١٣٨٣ (٣٤٧٠): «حسن».
١٩
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿يصهر به ما في بطونهم والجلود﴾، قال: يمشون وأمعاؤُهم تساقط، وجلودُهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿يصهر به ما في بطونهم والجلود﴾، قال: يُسْقَون ماءً إذا دخل بطونَهم أذابها، والجلود مع البطون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٧.
٢١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿يصهر﴾. قال: يُذاب ما في بطونهم إذا شربوا الحميم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: سَخُنتْ صُهارَتُه فظلَّ عُثانُه١ في سَيْطَلٍ٢ كُفِئتْ له يتَرَدَّدُ؟ وقال: فظلَّ مُرْتَبِئًا٣ للشمس تصهره حتى إذا الشمس قامت جانبًا عدلا؟٤
التخريج
  1. ١العُثان: الدخان. اللسان (عثن).
  2. ٢السَّيْطَل: لغة في السَّطْل. اللسان (سطل).
  3. ٣مُرْتَبِئا: ربأ الرجل على شَرَفٍ إذا صعد عليه ليكون طليعة للقوم لئلا يدهمهم العدو. النهاية واللسان (ربأ).
  4. ٤أخرجه الطستي -كما في الإتقان ٢‏/‏١٠١-، كما أخرجه ابن الأنباري في الوقف والابتداء ١‏/‏٩٣ (١١٦) ما عدا الشاهد الأول، فقد ذكر شاهدًا آخر، وهو: ""قال: قال فيه مياس المرادي:فظللنا بعد ما امتد الضحى بين ذي قدر ومنال مُصْهِرُ"".

نزول الآية، وتفسيرها

٢٠ قولًا
١
عن [أبي مِجْلَز] لاحق بن حميد، قال: نزلت هذه الآية يوم بدر: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾ في عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ونزلت: ﴿ان الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ إلى قوله: ﴿وهدوا إلى صراط الحميد﴾ في علي بن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة بن الحارث١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢
عن هلال بن يِساف -من طريق ابن المعتمر- قال: نزلت هذه الآيةُ في الذين تَبارَزُوا يوم بدر: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٠.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: اختصم المسلمون وأهلُ الكتاب، فقال أهلُ الكتاب: نبيُّنا قبل نبيكم، وكتابُنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبيُّنا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم. فأَفْلَجَ اللهُ أهل الإسلام على من ناوأهم؛ فأنزل الله: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ إلى قوله: ﴿عذاب الحريق﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٥٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٤
عن أبي بكر بن عياش، قال: كان عاصم [بن أبي النجود]، ومحمد بن السائب الكلبي يقولان جميعًا في: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾، قال: أهلُ الشرك والإسلامِ حين اختصموا أيهم أفضل؟ قال: جعل الشرك ملة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦/ ٤٩٢.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ نزلت في المؤمنين وأهل الكتاب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٢٠.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ [النساء:١٢٣] نزلت في المؤمنين واليهود والنصارى... ، وأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿هذان خصمان﴾ يعني: كفار أهل الكتاب ﴿اختصموا﴾ يعني: ثلاثتهم: المسلمين واليهود والنصارى ﴿في ربهم﴾ أنهم أولياء الله، ثم أخبر بمستقر الكافر، فقال: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾ يعني: جُعِلت لهم ثياب من نار، إلى آخر الآية، ثم أخبر سبحانه بمستقر المؤمنين، فقال: ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٨، ٤١٠.
٧
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجّاج- قال: خصومتهم التي اختصموا في ربهم، خصومتهم في الدنيا مِن أهل كل دِين يَرَوْن أنّهم أولى بالله مِن غيرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٢.
٨
قال يحيى بن سلّام: وقال بعضُهم: كلُّ مؤمن وكافر إلى يوم القيامة قد اختصموا في الله، وإن لم يلتقوا في الدنيا قطُّ لاختلاف المِلَّتَيْن؛ أما المؤمن فوَحَّد الله، فأخبره الله بثوابه، وأمّا الكافر فأَلْحَد في الله، فعبد غيره، فأخبره الله بثوابه. وقال بعضهم: نزلت في ثلاثة من المؤمنين وثلاثة من المشركين الذين تبارزوا يوم بدر؛ فأما الثلاثة من المؤمنين: فعبيدة بن الحارث، وحمزة، وعلي. وأما الثلاثة من المشركين: فعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٣٥٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار اختلاف المفسرين في المعنيِّ بهذين الخصمين على أقوال: الأول: أنهما فريق المسلمين وفريق المشركين الذين تبارزوا يوم بدر. الثاني: أنهما فريق الإيمان، والفريق الآخر هم أهل الكتاب. الثالث: أنهما فريق الإيمان وفريق الكفار كلهم من أي ملة كانوا. الرابع: أنهما الجنة والنار اختصمتا. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٤٩٣) وابنُ عطية (٦/٢٢٨) استنادًا إلى السياق القول الثالث، وهو قول مجاهد، والحسن من طريق أبي قزعة، وعطاء، وابن جريج، وعلَّل ابنُ جرير ذلك بقوله: «لأنه -تعالى ذِكْرُه- ذَكَر قبل ذلك صنفين من خلقه: أحدهما: أهل طاعةٍ له بالسجود له. والآخر: أهل معصيةٍ له، قد حَقَّ عليه العذاب، فقال: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَواتِ ومَن فِي الأَرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾، ثم قال: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾، ثم أتْبَع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعلٌ بهما، فقال: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِن نارٍ﴾، وقال الله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾، فكان بيِّنًا بذلك أنّ ما بين ذلك خبرٌ عنهما». ثم وجه قول أبي ذرٍّ بنزولها في الذين بارزوا يوم بدر بأن «ذلك -إن شاء الله- كما روي عنه، ولكن الآية قد تنزل بسبب من الأسباب ثم تكون عامَّةً في كل ما كان نظير ذلك السبب، وهذه مِن تلك، وذلك أن الذين تبارزوا إنما كان أحد الفريقين أهل شركٍ وكفرٍ بالله، والآخر أهل إيمان بالله وطاعة له، فكل كافر في حكم فريق الشرك منهما في أنه لأهل الإيمان خَصْمٌ، وكذلك كل مؤمن في حكم فريق الإيمان منهما في أنه لأهل الشرك خَصْمٌ». ووافقهما ابنُ كثير (١٠/٣٠)، وعلَّق على القول الثالث بأنه «يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها؛ فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان، وخذلان الحق، وظهور الباطل». وذكر ابنُ عطية (٦/٢٢٨) أن قوله تعالى: ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ «معناه: في شأن ربهم وصفاته وتوحيده». وذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يريد: في رضى ربهم، وفي ذاته».
٩
عن أبي ذرٍّ -من طريق قيس بن عُباد- أنّه كان يُقْسِم قَسَمًا أن هذه الآية: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين بارزوا يوم بدر، وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث، وعلي بن أبي طالب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٥‏/‏٧٥ (٣٩٦٦، ٣٩٦٨، ٣٩٦٩)، ٦‏/‏٩٨ (٤٧٤٣)، ومسلم ٤‏/‏٢٣٢٣ (٣٠٣٣)، وعبد الرزاق ٢‏/‏٣٩٩ (١٩٠٥)، وابن جرير ١٦‏/‏٤٨٩-٤٩٠.
١٠
عن علي بن أبي طالب -من طريق قيس بن عُباد- قال: نزلت ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ في الذين بارزوا يوم بدر؛ حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. قال علي: وأنا أولُ مَن يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٤١٩ (٣٤٥٦). قال الحاكم بعد ذكره عدة روايات ومنها هذه: «لقد صحَّ الحديثُ بهذه الروايات عن علي، كما صحَّ عن أبي ذر الغفاري، وإن لم يخرجاه».
١١
عن علي بن أبي طالب -من طريق قيس بن عُباد- قال: أنا أول مَن يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: فيهم نزلت: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾. قال: هم الذين بارزوا يوم بدر؛ علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٩٨ (٤٧٤٤)، ٥‏/‏٧٥ (٣٩٦٥)، وعبد الرزاق ٢‏/‏٣٩٩ (١٩٠٥)، وابن جرير ١٦‏/‏٤٩٠.
١٢
عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا بارز عليٌّ وحمزةُ وعبيدةُ، وعتبة وشيبة والوليد، قالوا لهم: تَكَلَّموا نعرفْكم. قال: أنا عليٌّ، وهذا حمزة، وهذا عبيدة. فقالوا: أكفاء كرام. فقال علي: أدعوكم إلى الله وإلى رسوله. فقال عتبة: هَلُمَّ للمبارزة. فبارز عليٌّ شيبةَ فلم يلبث أن قتله، وبارز حمزةُ عتبة فقتله، وبارز عبيدةُ الوليد فصعب عليه، فأتى عليٌّ فقتله؛ فأنزل الله: ﴿هذان خصمان﴾الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿هذان خصمان اخصتموا في ربهم﴾، قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أوْلى بالله، وأَقْدَمُ منكم كتابًا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله، آمَنّا بمحمد، وآمَنّا بنبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبيَّنا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدًا. فكان ذلك خصومتهم في ربهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩١. وأورده الثعلبي ٧‏/‏١٣، من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، قال: حدَّثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جدِّه عطية العوفي، عن ابن عباس به. الإسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
١٤
عن قيس بن عُباد -من طريق أبي مجلز- قال: واللهِ، لأنزلت هذه الآية: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ في الذين خَرَج بعضهم إلى بعض يوم بدر؛ حمزة، وعلي، وعبيدة -رحمة الله عليهم-، وشيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩١ مرسلًا.
١٥
عن أبي العالية الرياحي، قال: لَمّا التَقَوْا يوم بدر قال لهم عتبة بن ربيعة: لا تقتلوا هذا الرجل؛ فإنه إن يكن صادقًا فأنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يك كاذبًا فأنتم أحقُّ مَن حَقَن دمه. فقال أبو جهل بن هشام: لقد امتلأتَ رعبًا. فقال عتبة: ستعلم أيَّنا الجبان المفسد لقومه. قال: فبرز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، فنادَوُا النبيَّ ﷺ وأصحابَه، فقالوا: ابعث إلينا أكفاءنا نقاتلْهم. فوثب غلمة مِن الأنصار من بني الخزرج، فقال لهم رسول الله ﷺ: «اجلسوا، قوموا، يا بني هاشم». فقام حمزةُ بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث، فبرزوا لهم، فقال لهم عتبة: تكلَّموا نعرفْكم، إنّكم إن تكونوا أكفاءنا قاتلناكم. قال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب، أنا أسد الله وأسد رسوله. فقال عتبة: كُفء كريم. فقال علي بن أبي طالب: أنا عليُّ. فقال: كفء كريم. وقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث. فقال عتبة: كفء كريم. فأخذ حمزةُ شيبةَ بن ربيعة، وأخذ عليُّ بن أبي طالب عتبةَ بن ربيعة، وأخذ عبيدةُ بن الحارث الوليدَ، فأمّا حمزةُ فأجاز على شيبة، وأما عليٌّ فاختلفا ضربتين فأقام فأجاز على عتبة، وأما عبيدة فأصيبت رجله. قال: فرجع هؤلاء، وقُتِل هؤلاء، فنادى أبو جهل وأصحابُه: لنا العُزّى ولا عُزّى لكم. فنادى مُنادي رسول الله ﷺ: اللهُ مولانا ولا مولى لكم. ونادى منادي النبي ﷺ: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فأنزل الله: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٦
عن عطاء بن يسار -من طريق ابن إسحاق، عن بعض أصحابه- قال: نزلت هؤلاء الآيات: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ في الذين تَبارَزوا يوم بدر؛ حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. إلى قوله: ﴿وهدوا إلى صراط الحميد﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٠.
١٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿هذا خصمان اختصموا في ربهم﴾، قال: مَثَلُ المؤمن والكافر اختصامُهما في البَعْث١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٨
عن مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح -من طريق جابر-، والحسن البصري -من طريق أبي قزعة- قال: هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦/ ٤٩٢. وفي تفسير الثعلبي ٧/ ١٣: قال عطاء بن أبي رباح: هم المؤمنون والكافرون كلهم مِن أيِّ مِلَّة كانوا.
١٩
عن الحسن البصري -من طريق عمرو [بن عبيد]- في قوله: ﴿خصمان اختصموا﴾، قال: أهل الكتاب والمؤمنون خصم، ﴿اختصموا﴾ يعني: جماعتهم١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٥٩.
٢٠
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق جابر- في قوله: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾، قال: هما الجنةُ والنارُ اخْتَصَمَتا، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قصَّ اللهُ عليك مِن خبرهما ما تسمع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٣.

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن إبراهيم التيمي أنّه قرأ قوله: ﴿قطعت لهم ثياب من نار﴾. قال: سُبحان مَن قَطَّع مِن النار ثيابًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق رجاء بن أبي سلمة- قال: كُسِي أهل النار والعُرِيُّ كان خيرًا لهم، وأعطوا الحياة والموت كان خيرًا لهم١