قال يحيى بن سلّام: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بشِرْكِهم؛ ﴿فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ﴾ لِمَن بعدهم، ﴿ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ بدَّدنا عظامهم وأوصالهم، فأكلهم التراب١
٢
قال مُطرِّف [بن عبد الله بن الشِّخِّير] -من طريق قتادة- في قوله: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾: نِعْمَ العبدُ الصبّارُ الشكورُ؛ الذي إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر١
٣
عن عامر الشعبي، في قوله: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾، قال: صبّار في الكريهة، شكور عند الحسنة١
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ يعني: في هلاك جنَّتيهم وتفريقهم عبرة ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ يعني: المؤمن مِن هذه الأمة؛ صبور على البلاء إذا ابتُلي لما ابتلي أهل سبأ، ﴿شَكُورٍ﴾ لله عز وجل في نِعَمه١
٥
قال يحيى بن سلّام: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في إهلاك القرية، ومَن فيها مِن أهلها ﴿لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ على أمرِ الله، ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمة الله، وهو المؤمن١
٦
عن عامر الشعبي -من طريق قتادة- في قوله: ﴿ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، قال: أمّا غسّان فلحقوا بالشام، وأمّا الأنصار فلحقوا بيثرب، وأمّا خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعُمان؛ فمزّقهم الله كل مُمزّق١
٧
قال مقاتل بن سليمان: سألوا ربَّهم أن تكون القرى والمنازل بعضُها أبعدَ من بعض، ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ﴾ للناس، ﴿ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يقول الله عز وجل: وفرَّقناهم في كل وجه، فلما خرجوا من أرض سبأ ساروا، فأما الأزد فنزلوا البحرين وعُمان، وأما خُزاعة فنزلوا بمكة، وأما الأنصار -وهم الأوس والخزرج- فنزلوا بالمدينة، وأما غسان فنزلوا بالشام؛ فهذا تَمَزُّقهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾١
٨
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: يزعمون أنّ عمرو بن عامر -وهو عمُّ القومِ- كان كاهنًا، فرأى في كهانته أنّ قومه سيُمَزَّقون، ويُباعَد بين أسفارهم، فقال لهم: إنِّي قد علمتُ أنكم ستمزَّقون، فمَن كان منكم ذا هَمٍّ بعيد، وجَمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بكأس أو كرود١ -قال: فكانت وادعة بن عمرو-، ومن كان منكم ذا هَمٍّ مُدْنٍ، وأمرٍ ذُعْرٍ، فليلحق بأرض شنٍّ٢ -فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم بارق-، ومَن كان منكم يريد عيْشًا آيِنًا٣، وحَرَمًا آمنًا، فليلحق بالأرْزين٤ -فكانت خزاعة-، ومن كان يريد الراسيات في الوحْل، المُطعمات في المحْل٥، فليلحق بيثرب ذات النخل -فكانت الأوس والخزرج، فهما هذان الحيّان من الأنصار-، ومن كان يريد خَمرًا وخميرًا، وذهبًا وحريرًا، ومُلكًا وتأميرًا فليلحق بكوثى٦ وبُصرى. فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام، ومن كان منهم بالعراق٧٨
آثار متعلقة بالآية
٦ أقوال
١
عن أبي الدرداء، قال: سمعتُ أبا القاسم ﷺ يقول: «إنّ الله قال: يا عيسى ابن مريم، إنِّي باعِثٌ بعدك أُمَّةً، إن أصابهم ما يُحِبُّون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حِلم ولا عِلم. قال: يا رب، كيف يكون هذا لهم، ولا حِلم ولا عِلم؟ قال: أُعطيهم مِن حِلمي وعلمي»١
٢
عن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إنّ أمر المؤمن كله خير؛ إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا»١
٣
عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبتُ للمؤمن، إن أُعطِي قال: الحمد لله. فشكر، وإن ابتُلي قال: الحمد لله. فصبر، فالمؤمن يُؤجر على كل حال، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه»١
٤
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن نظر في الدين إلى مَن فوقه، وفي الدنيا إلى مَن تحته؛ كتبه الله صابرًا وشاكرًا، ومَن نظر في الدين إلى مَن تحته، ونظر في الدنيا إلى مَن فوقه؛ لم يكتبه الله صابرًا ولا شاكرًا»١
٥
عن عامر الشعبي -من طريق مغيرة- قال: الشكر نصف الإيمان، والصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله١
٦
عن الربيع بن برة -من طريق محمد بن سنان- قال: ابنَ آدم، إنما أنت جِيفة مُنتِنة، طيَّبَ نسيمَك ما رُكِّب فيك مِن روح الحياة، فلو قد نُزِع منك رُوحك أُلقيتَ جثةً ملقاة، وجيفة مُنتِنَة، وجسدًا خاويًا، وقد جيَّف بعد طيب ريحه، واستوحش منه بعد الأُنس بقربه، فأيُّ الخليقة -ابنَ آدم- منك أجهل؟! وأيُّ الخليقة منك أعجب؟! إذا كنتَ تعلم أنّ هذا مصيرك، وأنّ التراب مقِيلك، ثم أنت بعد هذا لِطُول جهلك تَقَرَّ بالدنيا عينًا، أما سمعته يقول: ﴿فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾؟! أما –واللهِ- ما حداك على الصبر والشكر إلا لعظيم ثوابهما عنده لأوليائه، أما سمعته يقول -جل ثناؤه-: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، أوَما سمعته يقول -عزَّ شأنُه-: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر:١٠]، فهاهما منزلتان عظيمتا الثواب عند الله قد بذلهما لك، يا ابنَ آدم، فمَن أعظمُ في الدنيا منك غفلة؟! أو مَن أطول في القيامة حسرة؟! إن كنتَ ترغب عمّا رغب لك فيه مولاك، وإنك تقرأ في الليل والنهار في الصباح والمساء: ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠]١
قراءات
٦ أقوال
١
عن سعيد بن أبي الحسن، أنه قرأ: (بَعُدَ بَيْنَ أسْفارِنا) بنصب الباء، ورفع العين١
٢
عن الحسن البصري -من طريق هارون، عن عمرو وإسماعيل-: ﴿قالُواْ رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾، وأبو عمرو، ومجاهد: «بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا»، وقول الكلبي: «رَبُّنا باعَدَ»: فعل ذلك بنا١
٣
عن أبي قدامة، قال: سمعتُ عبد الله بن كثير -وكان قرأ على مجاهد- يقرأ: ‹رَبَّنا بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا›١
٤
عن عاصم، أنه قرأ: ﴿رَبَّنا﴾ بالنصب ﴿باعِدْ﴾ بنصب الباء وكسر العين على الدعاء١
٥
عن محمد بن السائب الكلبي، أنّه قرأ: (قالُواْ رَبُّنا بَعَّدَ) مثقلة، على معنى: فَعَّلَ١٢
٦
عن يحيى بن يَعْمَرأنه قرأ: (قالُواْ رَبُّنا بَعَّدَ بَيْنَ أسْفارِنا) مثقلة. قال: لم يدعوا على أنفسهم، ولكن شكَوْا ما أصابهم١
تفسير الآية
٧ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهُم﴾، قال: فإنّهم بطِروا عيْشَهم، وقالوا: لو كان جَنى جناتنا أبعد مما هي، كان أجدر أن نشتهيه. فمُزِّقوا بين الشام وسبأ، وبُدِّلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أُكُل خمط وأثلٍ وشيء من سدر قليل١
٢
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾، قالوا: يا ليت هذه القرى يبعد بعضها عن بعض، فنسيرَ على نجائبنا١
٣
عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق حصين- في هذه الآية: ﴿فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا﴾، قال: كانت لهم قرًى متصلة باليمن، كان بعضها ينظر إلى بعض، فبطِروا ذلك، وقالوا: ربَّنا باعد بين أسفارنا. قال: فأرسل الله عليهم سيلَ العرم، وجعل طعامهم أثلًا وخمطًا وشيئًا من سدر قليل١
٤
قال الحسن البصري: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ إنهم ملُّوا النعمةَ كما ملَّتْ بنو إسرائيل المَنَّ والسلوى١
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ بطِر القومُ نعمة الله، وغَمَطوا كرامة الله، قال الله: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ﴾١
٦
عن محمد بن السائب الكلبي: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ إنّهم قالوا لرسلهم حين ابتُلوا حين كذّبوهم: قد كُنّا نأبى عليكم وأرضُنا عامِرَةٌ خير أرض، فكيف اليوم وأرضنا خراب!١
٧
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾: حتى نَبِيتَ في الفلوات والصحاري، ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾١