سورة الليل | الآية ١٩

عرض السورة
موسوعة التفسير بالمأثور

ﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

تفسير الآية

قولانِ
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ يقول: يجزيه لذلك، ﴿إلّا﴾ ولكن إنما يُعطي ماله ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى﴾ الرفيع فوق خَلْقه، ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ هذا العبد، يعني: أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، وأنّ أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة نفرٍ يُعذّبون على الإسلام؛ منهم بلال المؤذن، وعامر بن فُهَيرة، وأخته، وزِنِّيرة، وابنتها، وحارثة بن عمر، وأم كياس، والنّهدية، وابنتها، كانت لامرأة من بني عبد الدار تضربها على الإسلام، فأَعتقهم أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٧٢٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابنُ جرير (٢٤/٤٧٨) عن بعض أهل العربية أنّ معنى الآية: «وما لأحدٍ من خَلْقِ الله عند هذا الذي يؤتي ماله في سبيل الله يتزكى ﴿مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ يعني: من يدٍ يكافئه عليها، يقول: ليس يُنفِق ما يُنفِق من ذلك، ويُعطِي ما يُعطِي، مجازاة إنسانٍ يُجازيه على يدٍ له عنده، ولا مكافأةً له على نعمةٍ سلفتْ منه إليه أنعمها عليه، ولكن يؤتيه في حقوق الله ابتغاء وجْه الله. قال: و﴿إلا﴾ في هذا الموضع بمعنى: لكن. وقال: يجوز أن يكون الفعل في المكافأة مستقبَلًا، فيكون معناه: ولم يُرِدْ بما أنفق مكافأةً من أحد، ويكون موقع اللام التي في»أحد"" في الهاء التي خفَضَتْها ﴿عِنْدَهُ﴾، فكأنك قلتَ: وما له عند أحدٍ فيما أنفق من نعمةٍ يلتمس ثوابها. قال: وقد تضعُ العربُ الحرفَ في غير موضعه إذا كان معروفًا، واستَشْهَدوا لِذلك ببيت النّابغة:وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ فِي ذِي المَطارَةِ عاقِلِ"". ثم رجَّحه ابن جرير (٢٤/٤٧٩) -مستندًا إلى اللغة، وأقوال السلف- قائلًا: «وهذا الذي قاله الذي حكينا قوله من أهل العربية، وزعم أنه مما يجوز هو الصحيحُ الذي جاءت به الآثار عن أهل التأويل، وقالوا: نزلت في أبي بكر بِعِتْقِه مَن أعتق من المماليك ابتغاء وجْه الله». ثم وجَّه قوله تعالى: ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى﴾ على هذا المعنى، فقال: ""وعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن هؤلاء ينبغي أن يكون قوله: ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى﴾ نصبًا على الاستثناء من معنى قوله: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾؛ لأنّ معنى الكلام: وما يُؤْتِي الذي يُؤْتِي من ماله ملتمسًا من أحدٍ ثوابه، إلا ابتغاء وجْه ربِّه. وجائزٌ أن يكون نصبُه على مخالفة ما بعد ﴿إلا﴾ ما قبلها، كما قال النّابِغةُ:وقَفْتُ فِيها أُصَيْلانًا أُسائِلُها عَيَّتْ جَوابًا وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدِإلّا الأَوارِيُّ لَأْيًا ما أُبَيِّنُها والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ"". وعلَّق ابنُ عطية (٨/٦٣٧) على ما رجَّحه ابن جرير قائلًا: «وذهب الطبري إلى أنّ المعنى: وليس يُعطي لِيُثاب نعمًا يُجزى بها يومًا وينتظر ثوابها. وحوَّم في هذا المعنى وحلَّق بتطويل غير مُغْنٍ، ويتَّجه المعنى الذي أراد بأيسر من قوله، وذلك أن يكون التقدير: وما لأحد عنده إعطاءٌ ليقع عليه من ذلك الأحد جزاءٌ بَعْدُ، بل هو لمجرد ثواب الله تعالى وجزائه».
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾، يقول: ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم، إنما عَطيّته لله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٤٧٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

نزول الآية

٦ أقوال
١
عن عبد الله بن الزُّبير -من طريق عامر- قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تُعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلتَ ما فعلتَ أعتقتَ رجالًا جُلْدًا يمنعونك ويقومون دونك. فقال: يا أبتِ، إنما أريد وجه الله. فنزلت هذه الآيات فيه: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قوله: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٥٢٥-٥٢٦ وصححه.
٢
عن عبد الله بن الزُّبير -من طريق عامر- قال: نزلت هذه الآية: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ في أبي بكر الصِّدِّيق١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البزار (٢٢٠٩)، وابن جرير ٢٤‏/‏٤٧٩، والطبراني (٢٣٧ - قطعة من الجزء ١٣)، وابن عدي ٦‏/‏٢٣٥٩، وابن عساكر ٣٠‏/‏٧٠-٧١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه. قال الهيثمى في مجمع الزوائد ٩‏/‏٥٠، ٥١: «فيه مصعب بن ثابت، وثّقه ابن حبان، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات».
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ كثير (١٤/٣٧٩) على قول مَن قال: إنّ هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق بقوله: «وقد ذكر غير واحد من المفسرين أنّ هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق، حتى إنّ بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإنّ لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأَتْقى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾، ولكنه مقدّم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صدِّيقًا تقيًّا كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده مِنّة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل». وذكر ابنُ عطية (٨/٦٣٧) نحوه.
٣
عن سعيد بن المسيّب -من طريق معمر- قال: نزلت: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ في أبي بكر؛ أعتق ناسًا لم يلتمس منهم جزاءً ولا شكورًا، ستة أو سبعة، منهم بلال، وعامر بن فُهَيرة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٤٧٩.
٤
قال سعيد بن المسيّب: بلغني: أنّ أُميّة بن خلف قال لأبي بكر حين قال له أبو بكر: أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس. وكان نسطاس عبدًا لأبي بكر صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوارٍ ومواشٍ، وكان مشركًا، وحمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون له ماله، فأبى، فأَبغضه أبو بكر، فلما قال له أُميّة: أتبيعه بغلامك نسطاس؟ اغتنم أبو بكر وباعه، فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك لبلال إلا ليد كانت لبلال عنده. فأنزل الله سبحانه: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏٢٢٠، وتفسير البغوي ٨‏/‏٤٤٩.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾، يقول: نزلت في أبي بكر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٤٧٩.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ وأيضًا، وذلك أنّ أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه مَرّ على بلال المؤذن، وسيده أُميّة بن خلف الجُمحي يُعذّبه على الإسلام، ويقول: لا أدعك حتى تترك دين محمد. فيقول بلال: أحَد أحَد. فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتُعذّب عبد الله على الإيمان بالله عز وجل؟! فقال سيده أُميّة: أما إنه لم يُفسده عَلَيَّ إلا أنت وصاحبك -يعني: النبي ﷺ-، فاشتره مني. قال: نعم. قال سيده أُميّة: بماذا؟ قال أبو بكر: بعبدٍ مثله على دينك. فرضي، فعمد أبو بكر رضي الله عنه إلى عبد، فاشتراه، وقبض أبو بكر بلالًا رضي الله عنه وأعتقه، فقال أُميّة لأبي بكر رضي الله عنه: لو أبيتَ إلا أن تشتريه بأُوقيّة من ذهب لأعطيتكها. قال أبو بكر رضي الله عنه: وأنت لو أبيتَ إلا أربعين أُوقيّة من ذهب لأعطيتكها. فكره أبو قحافة عِتقه، فقال لأبي بكر: أما علمت أن مولى القوم مِن أنفسهم، فإذا أعتقت فأعتق مَن له منظر وقوة. وكان بلال أسود الوجه؛ فأنزل الله عز وجل في أبي بكر رضي الله عنه: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾١