سورة آل عمران | الآية ١٩٣

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

وقفات مع سور وآيات
( وتوفنا مع الأبرار ) يتضمن هذا الدعاء التوفيق لفعل الخير، وترك الشر، الذي به يكون العبد من الأبرار، والاستمرار عليه، والثبات إلى الممات.
تفسير السعدي
وقفات مع سور وآيات
لقد سمعنا (مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) فهل هناك صوت أندى من هذا الصوت، أو سبيل أجدى من هذا السبيل؟
أبو حامدالغزالى
وقفات مع سور وآيات
من فضائل القرآن أنه المنادي للإيمان، قال محمد بن كعب: «ليس كل الناس سمع النبي، ولكن المنادي القرآن».
الطبري
وقفات مع سور وآيات
{وتوفنا مع الأبرار} . قولهم: (مع الأبرار) دون (أبرارًا) أي لسنا بأبرار؛ فاسلكنا معهم، . وفي ذلك هضم للنفس، وحسن أدب!
الألوسي
وقفات مع سور وآيات
آل عمران : 193
خالد السبت
وقفات مع سور وآيات
مجالس في تدبر القرآن (تدبر آية 193 سورة آل عمران)
خالد السبت
وقفات مع سور وآيات
(وتوفنا مع الأبرار) صحبة الصالحين شرف في الحياة وفي الممات
صورة توضيحية
بدون مصدر
وقفات مع سور وآيات
سلسلة وقفة مع آية(آية 193 سورة آل عمران)
عقيل الشمري
وقفات مع سور وآيات
حيثما وردت الذنوب في القرآن فالمراد بها الكبائر، وحيثما وردت السيئات فالمراد بها الصغائر.. وعند التأمل في آيات القرآن الكريم نجد : أن لفظ ( المغفرة ) يرد مع الذنوب. ولفظ ( التكفير ) يرد مع السيئات. قال تعالى : { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا }، وذلك لأن لفظ ( المغفرة ) يتضمن الوقاية والحفظ. و( التكفير ) يتضمن الستر والإزالة. والدليل على أن السيئات هي الصغائر، والتكفير لها : قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم }.
ابن قيم الجوزية (ابن القيم)
بلاغة القرآن
آية (١٩٣) : (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ) * الفرق بين (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) و (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) : السيئات هي صغائر الذنوب وقد تكون من اللمم أما الذنوب فهي الكبائر. التكفير في الأصل الستر وأصلها كفر البذرة أي غطاها بتراب والزارع يسمونه الكافر لأنه يستر البذرة في الأرض، والليل سمي كافراً لأنه يستر الناس. المغفرة من المِغفَر وهو ما يُلبس في الحرب حتى يمنع السِهام. أيها الأمنع من الإصابة المِغفر أو التراب؟ المِغفر، الليل يستر لكن لا يمنع سهماً أما المِغفر يمنع، فلما كان الذنب أكبر من السيئة ويصيب الإنسان إصابة كبيرة فهو يحتاج إلى مانع أكبر ولمغفرة أشدّ. * جاء الدعاء ب(ربنا) دون اسم الجلالة في الآيات (١٩١- ١٩٥) فلم يقولوا يا الله لما في وصف الربوبية من الدلالة على الشفقة بالمربوب ومحبة الخير له ومن الاعتراف بأنهم عبيده. ولِردّ حُسن دعائهم بمثله قال الله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ). * (مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ) المنادي هو الذي يرفع صوته بالكلام ويبالغ في الصياح به ومن المعلوم أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن بالصياح ورفع الصوت ولكن آثر تصوير الدعوة بالنداء ليبيّن حرص النبي على المبالغة في الإسماع بالدعوة، وأيضًا للدلالة على بُعدِهم عن الإيمان لما دعاهم وأن النبي كان في موضع عالٍ يناديهم وهو موضع الإيمان.
مختصر لمسات بيانية
بلاغة القرآن
آية (193): *ما الفرق بين كفّر عنهم سيئاتهم وغفر لهم ذنوبهم وحطّ عنهم خطاياهم؟(د.فاضل السامرائي) السيئات هي الصغائر صغار الذنوب والذنب أكبر والخطيئة عامة. لماذا يستعمل مع السيئات التكفير والمغفرةة مع الذنوب (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا (193) آل عمران)؟ قلنا السيئات الصغائر والذنوب الكبائر، التكفير في الأصل الستر وكفر الشيء أي ستر الكافر في الشريعة هو الذي خرج عن الملة هذا في الاصطلاح وفي اللغة يعني ستر. وأصلها كفر البذرة أي غطاها وسترها بتراب ومأخوذ أصلاً من الزرع فالزارع يسمونه الكافر لأنه يستر البذرة في الأرض، كفرها أي سترها والليل سمي كافراً لأنه يستر الناس (لي فيك أجر مجاهد إن صح أن الليل كافر) من أسماء الليل الكافر لأنه يستر. نأتي إلى المغفرة من المِغفَر والمِغفر هو الغفر والستر، المِغفر وهو الذي يُلبس في الحرب حتى يمنع السِهام.أيها الأمنع من الإصابة المِغفر أو التراب في الأرض؟ المِغفر أمنع. الليل يستر لكن لا يمنع سهماً أو إصابة وإنما يستر على العموم لكن لو جاءت ضربة لا تمنع أما المِغفر يمنع، فلما كان الذنب أكبر فهو يحتاج إلى مانع أكبر لذا قال معه مغفرة لأن الذنب أكبر، الذنب يصيب الإنسان إصابة كبيرة فيحتاج إلى مغفرة كما يحتاج المِغفر في الحرب. لما كان الذنب أكبر احتاج لمانع أكبر ولمغفرة أشدّ. كفر ستر قد تكون بدون منع أو قد تكون بمانع خفيف لذا قال (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا). عندما تكفر البذرة في التربة تحتاج حفرة صغيرة وتسترها لكن المغفرة أكبر. إذن الذنب هو أكبر من السيئة ولذلك يستعمل معه المغفرة لأنه لما كان أكبر احتاج لوقاية أكبر والخطيئة عامة قد تكون لأكبر الذنوب وقد تكون للصغائر تستعمل فيها كلها، السيئة صغائر وقد تكون من اللمم ,أنت تقول أسأت إلى فلان ولا تقول له أذنبت معه. والذنب أكبر، يستعمل كفر عنا سيئاتنا لأنها صغيرة ومع الذنوب يقول غفران. *(رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا (193) آل عمران) لِمَ آثر القرآن تصوير الدعوة بالنداء؟ (ورتل القرآن ترتيلاً) اعلم أن حقيقة النداء هو الصوت المرتفع والمنادي هو الذي يرفع صوته بالكلام ويبالغ في الصياح به ومن المعلوم أن دعوة النبي  لم تكن بالصياح ورفع الصوت فلِمَ آثر القرآن تصوير الدعوة بالنداء؟ ما ذاك إلا ليبيّن حرص النبي  على المبالغة في الاسماع بالدعوة هذا من جهة. ومن جهة أخرى لما دعاهم كانوا في حالة الكفر وهي بعيدة عن الإيمان فكان النداء مجازياً لدلالة بُعدِهم وأن النبي  كان في موضع عالٍ يناديهم وهو موضع الإيمان. *لم جاء الدعاء ب(ربنا) فى قوله تعالى (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (192) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ (195) آل عمران)؟(ورتل القرآن ترتيلاً) تأمل هذا التعبير بالدعاء (ربنا) دون إسم الجلالة فلم يقولوا يا الله وما ذاك إلا لما في وصف الربوبية من الدلالة على الشفقة بالمربوب ومحبة الخير له ومن الاعتراف بأنهم عبيده. ولِردّ حُسن دعائهم بمثله قال الله تعالى (فاستجاب لهم ربهم). *ما دلالة قوله تعالى (من ذكرٍ أو أنثى) فى الآية(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ (195) آل عمران)؟(ورتل القرآن ترتيلاً) قد يظن السامع لهذه الآية الكريمة أن قوله تعالى (من ذكر أو أنثى) زيادة كان الأولى الاستغناء عنها ولكن هذا القول جاء لحكمة بليغة فلو استعرضت الأعمال التي أتى بها أولو الألباب المذكورون في الآية لوجدت أن أكبرها الإيمان ثم الهجرة ثم الجهاد. ولما كان الجهاد أكثر تكراراً خيف أن يُتوهَم أن النساء لا حظّ لهن في تحقيق الوعد على لسان الرسل فأتى بالتفصيل (من ذكر وأنثى). *قال تعالى (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (193) آل عمران) وقال (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران) لماذا اختلاف الخاتمة؟ (د.فاضل السامرائى) كيف تأتي الخاتمة؟ الخاتمة تختلف بحسب السياق والغرض.الآية (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران) قبلها مباشرة (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)) هل يمكن في القتال أن تقول توفّنا؟ تقول في القتال انصرنا، لذا لا يجوز أن نقتطعها ونضع لها خاتمة. ولا يمكن أن تضع خاتمة تلك الآية في هذه الآية لأن كل منها في سياق واحدة في سياق حرب وقتال وطلب الثبات. والقدامى يضربون لنا مثالاً (ون تعدوا نعمت الله لا تحصوها) وردت مرتين كل مرة بخاتمة، الآية الواردة في سورة النحل (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18)) هي في بيان صفات الله فختمها بقوله (إن الله لغفور رحيم) أما الثانية ففي بيان صفات الإنسان وجحوده، فلما كانت في بيان صفات الإنسان وجحوده ختمها (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) إبراهيم) النعم لا تحصى لكن الإنسان ظلوم كفار مع أن نِعَم الله إن الإنسان متتالية عليه ومتتابعة لكنه ظلوم كفار، السياق هكذا واحدة في صفات الله وواحدة في صفات الإنسان فلا يصح أن تؤخذ الآية مقتطعة من سياقها. حتى في حياتنا اليومية نذكر أمراً لكن الغرض من ذكره يختلف، مثلاً تذكر حادثة غريبة تدل على كسل شخص لكنك تذكر الحادثة لبيان صفة الشخص أو للتندر منها أو لبيان أن هذا الشخص لا يصلح في المكان الذي عُهِد به إليه أو سيفرِّط في المسألة، هي مسألة واحدة لكن ما الغرض من الذي ذكرته؟ التعقيب يكون بحسب الغرض من الذكر في حادثة واحدة يمكن أن نذكرها في أماكن متعددة وفي جلسات متعددة وهكذا ينبغي أن يكون النظر في خواتيم الآيات عموماً لا نقتطعها وإنما نضعها في سياقها وننظر الغرض في هذه الآية.
برنامج ورتل القران ترتيلا
بلاغة القرآن
(فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ) ذكر هنا مغفرة الذنوب وتكفير السيئات، والفرق بينهما ، أن مغفرة الذنوب تكون على معصية الرب سبحانه وتعالى، أي ما كان حقاً لله عز وجل . أما تكفير السيئات فهو ما يكون في حق العباد .(في المطبوع 4/1964)
محمد متولي الشعراوي
بلاغة القرآن
﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَ‍َٔآمنًا رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّ‍َٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ١٩٣﴾ [آل عمران: 193] * * * كرروا نداء ربهم بقولهم: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا ﴾ إظهارًا لتضرعهم وتذللهم. ﴿ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ ﴾ المنادي قيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل: هو القرآن ، قيل: لأنه ليس كل واحد يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما القرآن فظاهر باق على مرّ الأيام والدهور. قد تقول: لم لم يقل: (إنا سمعنا مناديًا للإيمان) ويكتفي ، ولكن جمع بين المنادي وفعله فقال: ﴿ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ ﴾ وأجيب عن ذلك بأنه للتعظيم والتفخيم. جاء في (الكشاف): ((فإن قلت: فأي فائدة في الجمع بين المنادي وينادي؟ قلت: ذكر النداء مطلقًا ثم مقيدًا بالإيمان تفخيمًا لشأن المنادي ، لأنه لا منادي أعظم من منادٍ ينادي للإيمان. ونحوه قولك: مررت بهادٍ يهدي للإسلام. وذلك أن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لإطفاء النائرة ، أو لإغاثة المكروب ، أو لكفاية بعض النوازل ، أو لبعض المنافع. وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، وغير ذلك فإذا قلت: ينادي للإيمان ، ويهدي للإسلام ، فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته)). وجاء في (روح المعاني): (( وفي إطلاق المنادي أولا حيث قال سبحانه: ﴿ مُنَادِيٗا ﴾ ولم يذكر ما دعي له ، ثم قوله عز شأنه: ﴿ يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ ﴾ ما لا يخفى من التعظيم لشأن المنادي والمنادى له. ولو قيل من أول الأمر: (مناديًا للإيمان) لم يكن بهذه المثابة. وحذف المفعول الصريح لـ (ينادي) إيذانًا بالعموم ، أي: كل واحد)). واختار (المنادي) على (الداعي) لأن النداء فيه رفع الصوت ، فكأنه رفع صوته بالدعاء إلى الله ليسمعه كل أحد. وجاء في (روح المعاني): ((وإيثاره على (الداعي) للإشارة إلى كمال اعتنائه بشأن الدعوة وتبليغها إلى القريب والبعيد ؛ لما فيه من الإيذان برفع الصوت)). وجاء في (التحرير والتنوير): (( المنادي الذي يرفع صوته بالكلام ، والنداء: رفع الصوت بالكلام رفعاً قويًّا لأجل الإسماع ... ومنه سمي الأذان: نداء. وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت)). وذكروا أنهم آمنو عن طريق السماع لا عن طريق رؤيته صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك إظهار لصدق إيمانهم وسرعة استجابتهم. فالذين آمنوا برسول الله ولم يروه لهم فضلهم وكرامتهم على الله. ثم إن ذكر السماع مناسب لذكر النداء ، فإن النداء يسمع. وقالوا: (إننا) بتكرار النون إشارة إلى توكيد ذلك جاء في (نظم الدرر) أنهم أظهروا النون في (إننا) إبلاغًا في التأكيد. قد تقول: ولكنه قال في مواطن: ﴿إِنَّا سَمِعۡنَا﴾ ولم يظهر النون ، وذلك في قوله تعالى على لسان الجن:﴿قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ٣٠﴾ [الأحقاف: 30] وقوله:﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قرآنا عَجَبٗا١ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَ‍َٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا٢﴾ [الجن: 1-2] وكلتا الآيتين على لسان الجن. فنقول الاختلاف من أوجه: ذلك أنهم ذكروا أنه سمعوا الكتاب ولم يسمعوا المنادي ، في حين أنه قال في آل عمران أنهم سمعوا المنادي. وسماع المنادي أدعى إلى التأكيد ، هذا إضافة إلى أن النداء من رفع الصوت ما يدعو إلى المبالغة. فناسب التوكيد في آية آل عمران. والأمر الآخر أنه في آية آل عمران ذكروا ذلك توسلًا وطلبًا لمغفرة ذنوبهم وتكفير سيئاتهم وحسن الخاتمة وأمور أخرى ذكروها في قوله: ﴿وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ ، والداعي ينبغي أن يتوسل ويتضرع ويؤكد ذلك ، فناسب التأكيد. ولم يرد مثل ذلك في آيتي الأحقاف وسورة الجن. فناسب كل تعبير موضعه. ﴿ فَ‍َٔامَنَّاۚ ﴾ عطف بالفاء للدلالة على سرعة استجابتهم ، وهو ((مؤذن بتعجيل القبول وتسبب الإيمان عن السماع من غير مهلة)). ﴿ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّ‍َٔاتِنَا ﴾ ذلك أن الإيمان مدعاة إلى مغفرة الذنوب ؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله وأما من لم يؤمن فلا مغفرة له ولا تكفير. وقيل فيما قيل: إن المراد من الذنوب ما تقدم من المعاصي ، ومن السيئات ما تأخر منها جاء في (نظم الدرر) للبقاعي في قوله: ﴿ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ ((أي: التي أسلفناها قبل الإيمان ، بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ قلوبنا ، فيكون جابّاً لما قبله عندك كما كانت جابّاً في ظاهر الشرع. وكذا ما فرط منا بعد الإيمان ولو كان بعد توبة ، وإليه الإشارة بقوله:﴿وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّ‍َٔاتِنَا﴾ أي: بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات المكفرة للصغائر)). والأكثرون على أن الذنوب هي الكبائر ، والسيئات هي الصغائر ، ويؤيد ذلك قوله: ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّ‍َٔسيئاتكم ﴾ [النساء: 31] فأفرد السيئات عن الكبائر. لقد ذكر في الآية مع الذنوب المغفرة ، ومع السيئات التكفير ؛ ذلك أن (غفر) معناه: ستر وغطى ، وكل شيء سترته فقد غفرته. ومنه (المِغفر) وهو زرد من الحديد يكون تحت بيضة الحديد على الرأس ؛ لأنه يغطي ما تحته. وأما (كفر) فهو من الستر أيضًا والكفر في اللغة: التغطية ، غير أنه لا يرقى إلى صلابة المغفر وشدته وقوته فـ ((الكافر: الزّرّاع لستره البذر بالتراب ، والكفار: الزُّرّاع ، والكافر: الليل ، والكافر والكفر: الظلمة ، لأنها تستر ما تحته ، والكفر: ظلمة الليل)). فلما كان الذنب أعظم وأثره أكبر وعقوبته أشد ، استعملت معه المغفرة ؛ لأن المغفر يقي ما تحته ويحميه. ولما كانت السيئة من الصغائر ؛ استعمل لها ما هو أخف ، فالكافر: الليل ، والكافر: الظلمة. والليل والظلمة يحجبان الرؤية ، ولكنهما لا يحميان من السهام والسلاح أو الضرب. وكذلك إذا كان بمعنى (كفر البذرة) أي: غطاها بالتراب ، فإن التراب يكون قليلًا فوقها ، وهو لا يحميها إذا أرادها أحد بسوء. فلما كانت السيئة أخف استعمل منها ما هو أخف في التغطية. وقدم مغفرة الذنوب على تكفير السيئات لأنها أعظم ، ولأن الإسلام يجبّها ، وقدمهما على التوفي ليموتوا مغفورًا لهم فلا يصيبهم عذاب القبر. ثم سألوه صحبة الأبرار وذلك قوله:﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾ ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾ ((مخصوصين بصحبتهم ، معدودين في جملتهم)). فهم بدعائهم هذا سألوه حسن الخاتمة وصحبة الصالحين ، كما قال تعالى:﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا٦٩﴾ [النساء: 69] قد تقول: لقد قال هنا: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾ ، وقال في آية أخرى من السورة: ﴿ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ١٤٧﴾ [آل عمران: 147] فقال في الآية السابقة: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴾ فاختلفت الخاتمتان ، فما السبب؟ فنقول: إن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك ، فإنه قال في سياق الآية التي ذكرناها آنفا:﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ١٤٦ وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ١٤٧﴾ [آل عمران: 146-147] فالسياق كما هو بيّن في الجهاد وساحة القتال ، فسؤال التثبيت والنصر هو المناسب ، ولا يناسب طلب الوفاة. فالذين في ساحة القتال يسألون التثبيت والنصر ، وهذا هو المناسب، فكانت كل خاتمة أنسب بسياقها. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 40: 47)
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
قوله تعالى: (رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ. .) . إن قلتَ: المسموعُ النِّداءُ لا المنادي؟ قلتُ: لما قال " منادياً يُنادي " صار معناه: نداءَ منادٍ، كما يُقال: سمعتُ زيداً يقول كذا، أي سمعت قوله، فمنادياً مفعول سمع. و " يُنادي " حال دالَّةٌ على محذوف مضاف للمفعول.
كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
بلاغة القرآن
قوله تعالى: (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ) . فإِن قلتَ: كيف قال الثاني مع أنه معلومٌ من الأول؟ قلتُ: المعنى مختلفٌ، لأن الغُفران مجرَّد فضلٍ، والتكفير محو السيئات بالحسنات.
كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن