تفسير
٢٤ قولًاعن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الله بن أبي المجالد- قال: إذا كان يومُ عرفة هبط الله إلى السماء الدنيا في الملائكة، فيقول: هلم إلَيَّ عبادي، آمنوا بوعدي، وصدقوا رسلي. فيقول: ما جزاؤهم؟ فيُقال: أن تغفر لهم. فذلك قوله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واستغفروا الله﴾ لذنوبكم؛ ﴿إن الله غفور﴾ لذنوب المؤمنين، ﴿رحيم﴾ بهم١
قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿غَفُورٌ﴾ أي: يغفر الذنب، ﴿رَحِيمٌ﴾ قال: يرحم العباد على ما فيهم١
عن عبد الصمد بن يزيد، قال: سمعتُ الفُضَيْل يقول: قولُ العبد: أستغفر الله. قال: تفسيرها: أقِلْنِي١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: أمَّرَ رسولُ الله ﷺ أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الحجّ، وأَمَرَه أن يخرج بالناس جميعًا إلى عرفات، فيقف بها، حتى إذا غربت الشمس أفاض بالناس منها، حتّى يأتي بهم جَمْعًا، فيبيت بها حتّى إذا أصبح بها صلى الفجر، ووقف الناس بالمشعر الحرام، ثمّ يفيض بالناس منها إلى مِنى. قال: فتوجه أبو بكر نحو عرفات، فمَّر بالحُمْس وهم وقوف بجَمْع، فلمّا ذهب ليجاوزهم قالت له الحُمْس: يا أبا بكر، أين تُجاوزِنا إلى غيرنا؟! هذا موقف مَفِيضُ آبائك، فلا تذهب حتى يفِيض أهلُ اليمن وربيعة من عرفات. فمضى أبو بكر لأَمْرِ الله وأَمْرِ رسوله، حتّى أتى عرفات، وبها أهل اليمن وربيعة، وهم الناس في هذه الآية، فوقف بها حتّى غربت الشمس، ثمّ أفاض بالناس إلى المشعر الحرام، حتّى وقف بها، حتّى إذا كان عند طلوع الشمس أفاض منها١
عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: كانت قريش يقفون بالمزدلفة، ويقف الناس بعرفة، إلا شيبةَ بن ربيعةَ؛ فأنزل الله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾١
عن عروة بن الزبير -من طريق ابنه هشام- أنّه كتب إلى عبد الملك بن مروان: كتبتَ إلَيَّ في قول النبي ﷺ لرجل من الأنصار: «إنِّي أحْمَس». وإنِّي لا أدري أقالها النبي أم لا؟ غير أني سمعتُها تُحدَّثُ عنه. والحُمْس: مِلَّةُ قريش وهم مشركون، ومن ولَدَتْ قريش من خزاعة وبنو كِنانة، كانوا لا يدفعون من عرفة، إنما كانوا يدفعون من المزدلفة، وهو المشعر الحرام، وكانت بنو عامر حُمْسًا، وذلك أنّ قريشا ولَدَتْهُم، ولهم قيل: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾، وأنّ العرب كلها كانت تُفِيض من عرفة إلا الحُمْس، كانوا يدفعون إذا أصبحوا من المزدلفة١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾، قال: عرفة، كانت قريش تقول: إنما نحن حُمْسٌ أهلُ الحرمِ، لا نُخلِفُ الحرمَ المزدلفةَ. أُمِروا أن يَبْلُغوا عرفة١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق أبي بِسْطام- في قوله: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾، قال: إبراهيم١٢
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق حسين بن عقيل- في قوله: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾، قال: الإمام١
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق عبد الملك- قال: كان جماعةٌ من الناس يُفِيضُون من عرفات، ويقول أهل الحرم: إنّا حُمْسٌ. فكانوا يفيضون من جَمْعٍ؛ فقال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾: من حيث تُفِيضُ جماعةُ الناس١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: كانت قريش وكلُّ ابنِ اخت لهم وحليفٍ لا يُفِيضون مع الناس من عرفات، إنما يُفِيضون من المُغَمَّسِ١، كانوا يقولون: إنّما نحن أهلُ الله؛ فلا نخرج من حَرَمِه. فأمرهم الله أن يُفِيضوا من حيث أفاض الناس، وأخبرهم أنّ سنة إبراهيمَ وإسماعيلَ الإفاضة من عرفات٢
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق مَعْمَر- قال: كان الناس يقفون بعرفة، إلا قريشًا وأَحْلافَها، وهي الحُمْسُ، فقال بعضهم لبعض: لا تُعَظِّموا إلا الحرم؛ فإنّكم إن عظَّمْتُم غيرَ الحرم أوشك الناس أن يتهاونوا بحرمكم. فقصَّروا عن مواقف الحقِّ، فوقَفوا بجَمْعٍ؛ فأمَرهم اللهُ أن يُفيضوا من حيث أفاض الناسُ من عرفات١
وقال محمد ابن شهاب الزهري: ﴿الناس﴾ هاهنا آدم عليه السلام وحده١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾، قال: كانت العرب تَقِفُ بعرفات، فتُعَظِّمُ قريشٌ أن تقف معهم، فتقف قريش بالمزدلفة؛ فأمرهم الله أن يفيضوا مع الناس من عرفات١
عن عبد الله بن أبي نَجِيح -من طريق ابن إسحاق- قال: كانت قريش -لا أدري قبل الفيل أم بعده- ابْتَدَعَتْ أمْرَ الحُمْس، رأيًا رَأَوْه بينهم، قالوا: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرم، وولاة البيت، وقاطنو مكة، وساكنوها؛ فليس لأحد من العرب مثل حقِّنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا؛ فلا تُعَظِّموا شيئًا من الحِلِّ كما تُعَظِّمون الحرم؛ فإنّكم إن فعلتم ذلك اسْتَخَفَّت العرب بحرمكم. وقالوا: قد عظَّموا من الحل مثل ما عظَّموا من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يَعْرِفُون ويُقِرُّون أنّها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم؛ فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة، ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحُمْس -والحُمْس: أهل الحرم-. ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكني الحِلِّ مثل الذي لهم بولادتهم إيّاهم، فيَحِلُّ لهم ما يَحِلُّ لهم، ويَحْرُم عليهم ما يَحْرُم عليهم، وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك. ثم ابتدعوا في ذلك أمورًا لم تكن، حتى قالوا: لا ينبغي للحُمْس أن يَأْتَقِطُوا الأَقِطّ، ولا يَسْلَؤُوا السَّمْنَ١ وهم حُرُم، ولا يدخلوا بيتًا من شَعَر، ولا يَسْتَظِلُّوا إن اسْتَظَلُّوا إلا في بيوت الأدَم ما كانوا حُرُمًا. ثم رفعوا في ذلك، فقالوا: لا ينبغي لأهل الحِلِّ أن يأكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحِلِّ في الحرم، إذا جاؤوا حُجّاجًا أو عُمّارًا، ولا يطوفون بالبيت إذا قَدِموا أول طوافهم إلا في ثياب الحُمْس، فإن لم يجدوا منها شيئًا طافوا بالبيت عُراة. فحملوا على ذلك العرب، فدانَت به، وأخذوا بما شَرَعُوا لهم من ذلك، فكانوا على ذلك، حتى بعث الله محمدًا ﷺ، فأنزل الله حين أحكم له دينه، وشَرَع له حجه: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ يعني: قريشًا. و﴿الناس﴾: العرب. فرفعهم في سُنَّة الحج إلى عرفات، والوقوف عليها، والإفاضة منها. فوضع الله أمْرَ الحُمْسِ، وما كانت قريش ابْتَدَعَتْ منه عن الناس بالإسلام حين بعث الله رسوله٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قوله: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾، قال: كانت قريش وكلُّ ابن أخت وحليف لهم لا يُفِيضُون مع الناس من عرفات، يقفون في الحرم ولا يخرجون منه، يقولون: إنّما نحن أهلُ حَرَمِ الله؛ فلا نَخْرُجُ من حَرَمِه. فأمرهم الله أن يُفِيضوا من حيث أفاض الناس، وكانت سنة إبراهيم وإسماعيل الإفاضة من عرفات١
عن الكلبي بإسناده: هم أهل اليمن، وربيعة١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾، وذلك الحُمْس؛ قريش، وكنانة، وخزاعة، وعامر بن صَعْصَعَة، كانوا يبيتون بالمَشْعَر الحرام، ولا يخرجون من الحَرَم؛ خشية أن يُقتلوا، وكانوا لا يقفون بعرفات؛ فأنزل الله عز وجل فيهم يأمرهم بالوقوف بعرفات، فقال لهم: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ يعني: ربيعة، واليمن، كانوا يُفِيضون من عرفات قبل غروب الشمس، ويفيضون من جَمْعٍ إذا طلعت الشمس، فخالف النبيُّ ﷺ في الإفاضة١
عن محمد بن إسحاق -من طريق يونس- قال: وأنزل الله عز وجل على نبيه محمد ﷺ حين أحكم أمره وشرع له سُنَنَ حَجِّه: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله﴾ الآية، يعني: قريشًا. و﴿الناس﴾: العرب، في سنة الحج إلى عرفات، والوقوف عليها، والإفاضة منها. وأنزل الله تعالى فيما كانوا حَرَّموا على الناس من طعامهم ولباسهم عند البيت حين طافوا عراة، وحَرَّمُوا ما جاءوا به من الطعام من الحل: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. قل من حرم زينة الله﴾ إلى آخر الآية [الأعراف:٣١-٣٢]. فوضع الله تعالى أمر الحُمْس، وما كانت قريش ابْتَدَعَتْ من ذلك على الناس في الإسلام حين بعث الله عز وجل رسوله محمدًا ﷺ١
عن عائشة -من طريق عروة- قالت: كانت قريش ومَن دان دينَها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمَّون: الحُمْسَ، وكانت سائرُ العرب يَقِفون بعرفات، فلمّا جاء الإسلام أمر نبيَّه أن يأتيَ عرفات، ثم يَقِفَ بها، ثم يُفِيضَ منها، فذلك قوله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾١٢
عن عائشة، قالت: قالت قريش: نحن قَواطِنُ البيت، لا نُجاوِزُ الحرم. فقال الله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾١
عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كانت العربُ تطوف بالبيت عُراةً إلا الحُمْسَ، والحُمْسُ: قريشٌ وما ولَدَتْ، كانوا يَطُوفون عُراةً، إلا أن تُعْطِيَهم الحُمْسُ ثيابًا، فيُعْطي الرجالُ الرجالَ، والنساءُ النساءَ، وكانت الحُمْسُ لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناسُ كلُّهم يَبْلُغون عرفات، قال هشام: فحدثني أبي، عن عائشة، قالت: كانت الحُمْسُ الذين أنزل الله فيهم: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾. قالت: كان الناس يُفِيضون من عرفات، وكان الحمسُ يُفِيضون من المزدلفة، يقولون: لا نُفِيضُ إلا من الحرم. فلمّا نزلت: ﴿أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ رجعوا إلى عرفات١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كانت العربُ تقف بعرفة، وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة؛ فأنزل الله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾، فرفع النبي ﷺ الموقف إلى موقف العرب بعرفة١