سورة آل عمران | الآية ١٩٩

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

وقفات مع سور وآيات
آل عمران : 199
خالد السبت
وقفات مع سور وآيات
مجالس في تدبر القرآن (تدبر آية 199 سورة آل عمران)
خالد السبت
وقفات مع سور وآيات
(اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا!) باعوا أغلى الأمور بأزهد الأثمان،، الأشياء قيمتها في ذاتها لا بتقييم الناس لها،،
وليد العاصمي
وقفات مع سور وآيات
‏{ أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب } • جعل الله تعالى عطاءَ عباده غيرَ متأخِّر عنهم؛ رفقًا بهم ورحمة، فإن نفوس العباد مُولَعةٌ بحب العاجل، وتعجيلُ العطاءِ عطاءان.
صورة توضيحية
تدبر
بلاغة القرآن
آية:١٩٩ *ما الفرق من الناحية البيانية بين فعل أنزل ونزّل وبين أُنزل إليك وأُنزل عليك؟(د.فاضل السامرائي) أنزل على صيغة أفعل ونزّل على صيغة فعّل وهي تفيد التكثير كقوله تعالى (تفجُر لنا من الأرض ينبوعا) وقوله (فتفجّر الأنهار) استعمل صيغة تفجر للينبوع والصيغة التي تفيد التكثير تفجّر للأنهار لأنها أكثر. كم أن فعّل تفيد التدرج كما جاء في سورة آل عمران (نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لمل بين يديه من التوراة والإنجيل، آية 2) وقوله تعالى (وأنزل التوراة والإنجيل) وقوله تعالى (والكتاب الذي نزّل على رسوله) هنا التنزيل كان منجمّاً وصيغة نزّل تفيد الإهتمام، أما في قوله تعالى (وأنزل التوراة والإنجيل) جاء الفعل أنزل لأنه نزل جملة واحدة. وعلى هذا النحو الفرق بين فعل وصّى التي يستخدم للأمور المعنوية وفعل أوصى للأمور المادية. ثم إن استخدام أنزل إليك أو أنزل عليك لها دلالتها أيضاً. نزله إليك لم تستعمل إلاّ للعاقل كما جاءت في القرآن للتعبير عن الرسول (نُزّل إليكم)، أما عليك فتستعمل للعاقل وغير العاقل كما في قوله تعالى (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل) وقوله تعالى (نزّله على قلبك). وفي العقوبات لم يستعمل إلا على ولم تأتي إلى مع العقوبات.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
آية:١٩٩ *(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ) - (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)ما الفرق بين الآيتين؟ أخيراً قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿199﴾ آل عمران) (إنّ) حرف مشبه بالفعل، طبعاً هذه هي آخر آية في أيدينا من سورة آل عمران وبذلك نكون قد انتهينا من هذه السورة المباركة. (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لله) يعني هؤلاء نسخة من الثلاثي الذي هو متميز (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) هؤلاء الثلاثة كلهم شاهدون على كل الأنبياء، كلهم من ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ولهذا كل فلسفة الديانات الثلاثة هي ملة إبراهيم عليه السلام. فأنتم لا تتصورون أن أهل الكتاب من يهود ونصارى الذين شنوا عليكم الغارة والحملة وحرّفوا التوراة وحرّفوا الإنجيل وأشركوا بالله، الذي يقول المسيح ابن الله والذي يقول عزير ابن الله وحرفوها وحرفوا الكَلِم من بعد مواضعه وفي مواضعه وأنت لاحظ (من) للتبعيض فهم ليس كثير هؤلاء الناس لم يقل إن بعض أهل الكتاب بل قال إنّ من والفرق بين بعض ومن أن (من) أقل البعضية. وحينئذٍ رب العالمين يخبرنا وهذا موجود كلنا رأيناهم في كل مكان في الغرب في بلادنا هناك نصارى ويهود موحدون يعني أنا أمس أقرأ بالخليج عن بني إسرائيل واليهود فعلاً هناك طائفة قرأت مقالاً في جريدة الخليج يتكلمون عن أن هناك طائفة يهودية توحد الله عز وجل وتؤمن بجميع الديانات وموحِّدة والخ فعلاً كما الله قال وصدق الله العظيم (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا). إذاً الفرق بين (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) شهادة عظيمة في أن هنالك طائفة من أهل الكتاب اليهود والنصارى هم وفق ما عليه المسلمون مع اختلاف الشريعة. حينئذٍ دينٍ واحد يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله يؤمن بالقرآن يؤمن بمحمد يؤمن بعيسى يؤمن بالإنجيل وبالتوراة كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿69﴾ المائدة) إذاً هؤلاء موجودون إلى يوم القيامة، إذاً هذه الآية تقول (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ). آية أخرى تقول في النساء 159 (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴿159﴾ النساء) (وإنْ) وليس (وإنّ)، هذه الآية تتحدث عن من ينكر سيدنا المسيح وخاصة من اليهود باعتبار أن اليهود هم الذين ادعوا أنهم صلبوه وقتلوه وكفّروه وما آمنوا به وإلى هذا اليوم استطاع اليهود أن يُصهينوا ملايين النصارى وحينئذٍ هذا المسيحي المتصهين يعتبر مرتداً عن الدين المسيحي لكن الله سبحانه وتعالى يثبت بأنه قال (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ما في واحد من اليهود ممن ينكر سيدنا عيسى إلا قبل أن يموت وهو في حالة الاحتضار كما قال تعالى (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴿83﴾ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ﴿84﴾ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴿85﴾ الواقعة) تلك الدقائق القليلة تساوي العالم كله تساوي عمرك كله (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿22﴾ ق) حينئذٍ سوف ترى السيد المسيح عليه السلام في تلك الثواني وتؤمن تقول آمنت بأن عيسى رسول الله ولكن حيث لا ينفعك إيمانك (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) من أجل ذلك قال (وَإِنْ). هناك إنّ من أخوات إن مشددة للتأكيد وتأكيدان إنّ واللام (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) (لمن) داخلة على خبر (إنّ). الثانية هذه نافية (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) هكذا هو الأمر إذاً من أجل هذا نحن نعلم بأن هناك طائفة من أهل الكتاب اليهود والنصارى عقائدهم سليمة لم يرتدوا ولم يحرفوا ولم يشركوا وهذا من قوانين لله سبحانه وتعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) أخبرنا أن الأمة أيضاً ستدخل في متاهات كما هو الآن الأمة الآن في متاهاتها كما قال صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى تكثر فيكم الفتن وفتن يرقق بعضها بعضاً كلما جاءت فتنة قال المؤمن هذه مُهلِكتي حتى إذا جاءت التي بعدها رقت الأولى) هكذا هو الأمر لكن تبقى طائفة من هذه الأمة لا تكفر ولا تشرك ولا تقتل ولا تلوث يدها بدم مسلمٍ أبداً وتحترم الديانات جميعاً وتحفظ وصية الله ورسوله بأهل الكتاب (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴿46﴾ العنكبوت) والنبي صلى الله عليه وسلم آخر ما قال (أوصيكم بذمةٍ محمدٍ خيراً) والقرآن الكريم وفق بين الديانات الثلاثة ووحدها (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿6﴾ الصف) من فضل الله 99 وتسعة أعشار من هذه الأمة تؤمن بهذا أن سيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا محمد هم ثلاثة مراحل لدين واحد الذين يؤمنون بهذا الذي نؤمن به قِلّة من أهل الكتاب (فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) الذين اهتدوا من أهل الكتاب وآمنوا بجميع الرسل (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴿285﴾ البقرة) قِلّة، قال (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) لماذا سريع الحساب؟ لأنه يعلم كل دخائل الناس (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴿16﴾ ق) رب العالمين ليس في حاجة إلى أن يقرأ الأعمال يعلم كل شيء ولهذا فإن حسابه سريع جداً يعني أقرب إليك من أن يرتد إليك طرفك، هذا الفرق بين (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) وبين (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ).
أحمد الكبيسي
بلاغة القرآن
﴿وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ١٩٩﴾ [آل عمران: 199] * * * هذه الآية مناسبة لما قبل هذه الآيات ، وهو قوله: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ ميثاق ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ١٨٧ لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ١٨٨﴾ [آل عمران: 187-188] فذكر الذين أوتوا الكتاب وأخذه الميثاق عليهم ليبينه للناس فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا. ثم ذكر ههنا أن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إلى الرسول وما أنزل إليهم لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا. فأولئك اشتروا به ثمنًا قليلًا ، وهؤلاء لا يشترون به ثمنًا قليلًا. وذكر أن أولئك لهم عذاب أليم. وأما هؤلاء فلهم أجرهم عند ربهم. وهي مناسبة أيضًا لما ورد في أول السورة من إنزال القرآن والتوراة والإنجيل، وهو قوله سبحانه:﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ٣ مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ﴾. وقد ذكر في هذه الآية ، أعني الآية ذات الرقم (199)، أن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ، وهي الكتب المذكورة في أول السورة. فناسب الآية ما تقدمها وما ورد في أول السورة. لقد قال ههنا: ﴿ وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ . . .﴾. بالتوكيد بـ (إن) واللام. وقال في موضع آخر:﴿۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ﴾ [آل عمران: 75] من غير توكيد ، وذلك لأن هذا الموطن أدعى إلى التوكيد، ذلك أن المؤتمنين في خلق الله كثير . ولا شك أن من أهل الكتاب من يؤدي الأمانة ، ولكن أن يغير الذي من أهل الكتاب دينه ويؤمن بما أنزل إلى الرسول خاشعًا لله، فهذا قليل نادر . وهو الذي به حاجة إلى توكيد أكثر من الحالة الأخرى. فأكد ما هو أولى بالتوكيد. أكد سرعة الحساب بـ(إن). وفي مواطن لا يؤكد ذلك ، وإنما يقول:﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ أو نحوه. وهناك أمور تقتضي التوكيد، منها: أن يكون الخلق كثيرين، وهذا في العادة يقتضي طول الحساب، ولئلا يظن أن ذلك يقتضي طول مدة بالنسبة إلى الله ؛ يؤكد سرعة الحساب. أو أن الحساب قريب عاجل ، فيؤكد لئلا يظن أنه سيؤخره. أو أنه نافذ علمه في الحساب ، وفي كل شيء لا يندّ عنه شيء ، فإن ذلك يؤكد سرعة الحساب، بخلاف من لا علم له. جاء في (نظام الدرر) للبقاعي: ((ولما كانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول الحساب ، وذلك سبب لطول الانتظار ... فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى على غير ذلك ؛ لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله:﴿إِنَّ ٱللَّهَ﴾ أي: بما له من الجلال والعظمة والكمال ﴿سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾. وجاء في (الكشاف) في قوله:﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَاب﴾ ((لنفوذ علمه في كل شيء ، فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر. ويجوز أن يراد: إنما توعدون لآت قريب بعد ذكر الموعد)). وجاء في (روح المعاني): ((﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَاب﴾ إما كناية عن كمال علمه تعالى بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه يوفيها كل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي ... وإما كناية عن قرب الأجر الموعود؛ فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء)). وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى:﴿لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٥١﴾ [إبراهيم: 51] وهذا يشمل جميع النفوس على الإطلاق (كل نفس) فاقتضى توكيد سرعة الحساب. وقال:﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۢ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ١٧﴾ [غافر: 17]. وهذا نظير الآية السابقة ، فذكر كل النفوس ، فاقضي التوكيد. في حين قال:﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۢ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡ‍َٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡ‍ٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٣٩﴾ [النور: 39] وهذا شخص واحد جرى نحو الراب فمات ظمآن ، فلا يستدعي توكيد سرعة الحساب. وقال: ﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٤١﴾ [الرعد: 41] وهو في هذه الآية لم يذكر أناسًا يحاسبهم ، وإنما هو من باب ذكر صفته سبحانه. وقال:﴿ وَمَن يَكۡفُرۡ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ١٩﴾ [آل عمران: 19] والكفرة كثيرون ، فناسب توكيد سرعة الحساب. وقال:﴿يَسۡ‍َٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٤﴾ [المائدة: 4]. وفي هذه الآية أمران ، كل منهما يقتضى التوكيد: الأمر الأول: أنه حكم لعموم المسلمين ، وهم كثرة. والأمر الآخر: أنه أمرهم بالتقوى والتقوى مما يقتضي سرعة توفية الأجر في الدنيا قبل الآخرة. قال تعالى:﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ ﴾ [الطلاق: 2-3]. وأما بالنسبة للمذكورين في آية آل عمران التي نحن بصدد بيانها، فإنه أكد سرعة الحساب ليدل على أنه سيعجل لهم أجرهم في الدنيا، علاوة على ما أعد لهم في الآخرة من الأجر ، وخاصة ذكر أن هؤلاء لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا. ومن يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا إنما يطلب عاجل الدنيا، فقال ربنا إنه سيعجل للذين لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا أجرهم في الدنيا، علاوة على ما في الآخرة ، فالتوكيد مناسب من أكثر من وجه. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 62: 67)
فاضل السامرائي