عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: كانت قريش تتَّجر شتًاء وصيفًا، فتأخذ في الشتاء على طريق البحر وأَيْلة١ إلى فلسطين، يلتمسون الدِّفاء٢، وأمّا الصيف فيأخذون قِبل بُصرى وأذْرِعات٣، يلتمسون البرد، فذلك قوله: ﴿إيلافِهِمْ﴾٤
٢
قال أبو صالح باذام: كانت الشام منها أرض باردة ومنها أرض حارّة، وكانوا يرحلون في الشتاء إلى الحارّة، وفي الصيف إلى الباردة، وكانت لهم رحلتان كلّ عام للتجارة: إحداهما في الشتاء إلى اليمن؛ لأنها أدفأ، والأخرى في الصيف إلى الشام، وكان الحَرم واديًا جدبًا لا زرع فيه ولا ضرع، ولا ماء ولا شجر، وإنّما كانت قريش تعيش بها بتجارتهم ورحلتهم، وكانوا لا يُتعرّض لهم بسوء، وكانوا يقولون: قريش سكان حرم الله، وولاة بيته. فلولا الرحلتان لم يكن لأحد بمكّة مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرّف، فشقّ عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام، وأخصبت تَبالة وجُرش والجَنَد من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكّة، وأهل الساحل في البحر على السفن، وأهل البر على الإبل والحُمُر، فألقى أهل الساحل بجدّة، وأهل البرّ بالمحصّب، وأخصبت الشام، فحملوا الطعام إلى مكّة، فحمل أهل الشام إلى الأبطح، وحمل أهل اليمن إلى جدّة، فامتاروا من قريب، وكفاهم الله مؤونة الرحلتين، وأمرهم بعبادة ربّ البيت١
٣
قال محمد بن السّائِب الكلبي -من طريق معمر-: كانت لهم رحلتان: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام١
٤
عن سفيان [الثوري] -من طريق مهران- ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾، قال: كانوا تجّارًا١
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ كانت لهم رحلتان؛ الصيف إلى الشام، والشتاء إلى اليمن في التجارة١٢
٦
عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ويل امِّكم١، يا قريش! ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾»٢
٧
عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾، ويحَكم، يا قريش، اعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف»١
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ﴾، يقول: لزومهم١
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ الآية، قال: نهاهم عن الرحلة، وأمرهم أن يعبدوا ربّ هذا البيت، وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، ولم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله بعد ذلك مِن جوع، وآمنهم من خوف، فأَلِفوا الرحلة، وكان ذلك من نعمة الله عليهم١
١٠
عن عبد الله بن عباس، ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾، قال: ألِفوا ذلك فلا يشقّ عليهم١
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ الآية، قال: أُمِروا أن يألفوا عبادة ربِّ هذا البيت كإلفهم رحلة الشتاء والصيف١
١٢
عن أبي صالح [باذام] -من طريق إسماعيل- قال: علم الله حُبّ قريش الشام، فأُمِروا أن يألفوا عبادة ربّ هذا البيت كإيلافهم رحلة الشتاء والصيف١
١٣
عن أبي مالك غَزْوان الغفاري، في قوله: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، قال: كانوا يتَّجِرون في الشتاء والصيف، فآلَفْتُهم ذلك١
١٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، قال: عادة قريش رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف١
١٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، قال: كان أهل مكة يتعاورون البيت شتًاء وصيفًا، تجّارًا آمنين، لا يخافون شيئًا؛ لحَرمهم، وكانت العرب لا يقدرون على ذلك ولا يستطيعونه من الخوف، فذكّرهم الله ما كانوا فيه من الأمن، حتى إن كان الرجل منهم لَيصاب في الحي من أحياء العرب، فيقال: حِرمِيّ. قال: ذُكر لنا: أنّ نبي الله ﷺ قال: «مَن أذلّ قريشًا أذلّه الله». وقال: «ارقبوني وقريشًا، فإن ينصرني الله عليهم فالناس لهم تَبع». فلما فُتحتْ مكةُ أسرع الناس في الإسلام، فبلغنا أنّ رسول الله ﷺ قال: «الناس تَبع لقريش في الخير والشر، كُفّارهم تَبعٌ لكُفّارهم، ومؤمنوهم تَبعٌ لمؤمنيهم»١٢
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد- في قوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾، قال: كانوا يَشْتُون بمكة، ويَصِيفون بالطائف١
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء-: أنهم كانوا في ضرٍّ ومجاعة، حتى جمعهم هاشم على الرحلتين، وكانوا يقسمون ربحهم بين الفقير والغني، حتى كان فقيرهم كغنيّهم١
آثار متعلقة بالآية
٤ أقوال
١
عن سعيد بن جُبَير، قال: مرّ رسول اللّه ﷺ ومعه أبو بكر وبلال بملأٍ وهم ينشدون: قل للذي طلب السماحة والندى هلّا مررتَ بآل عبد الدار هلّا مررتَ بهم تريد قِراهم منعوك من جهد ومن إقتار فقال رسول اللّه ﷺ لأبي بكر: «هكذا قال الشاعر؟». قال: لا، والذي بعثك بالحق، بل قال: يا ذا الذي طلب السماحة والندى هلّا مررت بآل عبد مناف هلا مررت بهم تريد قراهم منعوك من جهد ومن إكتاف الرائشين وليس يوجد رائش والقائلين هلمّ للأضياف والخالطين غنيّهم بفقيرهم حتى يصير فقيرهم كالكاف والقائمين بكل وعد صادق ورجال مكّة مسنتون عجاف سفرين سنّهما له ولقومه سفر الشتاء ورحلة الأصياف١
٢
عن عمر بن عبد العزيز، قال: كانت قريش في الجاهلية تَعْتَفِد١، وكان اعتفادها أنّ أهل البيت منهم كانوا إذا سافتْ -يعني: هلكتْ- أموالهم خرجوا إلى بَراز من الأرض، فضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تناوبوا٢ فيها حتى يموتوا، من قبل أن يُعلم بخَلّتهم٣، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما وبَل٤ وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش، إنّ العِزّ مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالًا، وأعزّهم نفرًا، وإنّ هذا الاعتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيتُ رأيًا. قالوا: رأيك رشدٌ، فمُرنا نأتمر. قال: رأيتُ أنْ أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيرًا، عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين؛ رحلة الصيف إلى الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظِلّه، وكان ذلك قطعًا للاعتفاد. قالوا: نِعم ما رأيتَ. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله ما أنزل، وكان ذلك مفتاح النبوة، وأول عِزّ قريش حتى هابهم الناس كلّهم، وقالوا: أهل الله، والله معهم. وكان مولد النبيِّ ﷺ في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله ﷺ كان فيما أنزل عليه يعرّف قومه ما صنع إليهم، وما نصرهم من الفيل وأهله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ إلى آخر السورة. ثم قال: ولِمَ فعلتُ ذلك -يا محمد- بقومك، وهم يومئذ أهل عبادة أوثان؟! فقال: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ إلى آخر السورة. أي: لتراحمهم وتواصلهم، وإن كان الذي آمنهم منه من الخوف؛ خوفَ الفيل وأصحابه، وإطعامَهم إياهم من الجوع؛ من جوع الاعتفاد٥
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وآمَنَهُمْ مِن خَوْفٍ﴾، قال: مِن كلّ عدوٍّ في حَرمهم١
٤
قال محمد بن السّائِب الكلبي: وكان أول مَن حمل السمراء مِن الشام ورحّل إليها الإبل: هاشم بن عبد مناف١
قراءات
٣ أقوال
١
عن عكرمة مولى ابن عباس أنه كان يعيب: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾. ويقول: إنما هي: (لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ)، وكانوا يرحلون في الشتاء والصيف إلى الروم والشام، فأمرهم الله أن يألفوا عبادة ربّ هذا البيت١
٢
عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعتُ النبي ﷺ يقرأ: (إلْفِهِمْ رِحْلةَ الشِّتَآءِ والصَّيْفِ)١٢
٣
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أبي مكين- أنه كان يقرأ: (لَيَأْلَفَ قُرَيْشٌ إلْفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ والصَّيْفِ)١
نزول الآية
قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ وذلك أنّ قريشًا كانوا تجّارًا يختلفون إلى الأرض، ثم سُميتْ: قريش، وكانوا يمتارون في الشتاء مِن الأردن وفلسطين؛ لأنّ ساحل البحر أدفأ، فإذا كان الصيف تركوا طريق الشتاء والبحر مِن أجل الحرّ، وأخذوا إلى اليمن للميرة، فشقّ عليهم الاختلاف، فأنزل الله تعالى: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ يقول: لا اختلاف لهم ولا تجارة قد قطعناها عنهم ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ فقذف الله عز وجل في قلوب الحبشة أن يحملوا الطعام في السُّفن إلى مكة للبيع، فحملوا إليهم، فجعل أهل مكة يخرجون إليهم بالإبل والحمير، فيشترون الطعام على مسيرة يومين من مكة، وتتابع ذلك عليهم سنين، فكفاهم الله مؤنة الشتاء والصيف١