قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِيَغْفِرَ﴾ يعني: لكي يغفر ﴿لَكَ اللَّهُ﴾ بالإسلام ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ يعني: ما كان في الجاهلية، ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ يعني: وبعد النبوة١
٤
عن سفيان، قال: بلغنا في قول الله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ قال: ﴿ما تَقَدَّمَ﴾ ما كان في الجاهلية، ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ ما كان في الإسلام؛ ما لم يفعله بعد١٢
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة - قال: إنّ الله فضّل محمدًا ﷺ على الأنبياء عليهم السلام، وعلى أهل السماء. فقالوا: يا عبد الله بن عباس، بِمَ فضّله على أهل السماء؟ قال: إنّ الله قال لأهل السماء: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهُمْ إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩]، وقال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾. قالوا: فما فضله على الأنبياء عليهم السلام؟ قال: قال الله عز وجل: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، وقال الله عز وجل لمحمد ﷺ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ:٢٨]، فأرسله إلى الجنّ والإنس١
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: ما أمَّن اللهُ مِن خلقه أحدًا إلا محمدًا ﷺ، قال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾، وقال للملائكة: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهُمْ إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩]١
آثار متعلقة بالآية
٣ أقوال
١
عن عائشة، قالت: لَمّا نزل على رسول الله ﷺ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآية؛ اجتهد في العبادة، فقيل: يا رسول الله، ما هذا الاجتهادُ وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!»١
٢
عن أبي هريرة: أنّ النبيّ ﷺ لَمّا نزلت: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ صام وصلّى حتى انتفخت قدماه، وتعبّد حتى صار كالشَّنِّ١ البالي، فقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!»٢
٣
عن المغيرة بن شعبة، قال: كان النبي ﷺ يصلّي حتى تَرِم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!»١
تفسير
قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يعني: دينًا مستقيمًا١
نزول الآية، والنسخ فيها
٣ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء-: إنّ اليهود شَتموا النبي ﷺ والمسلمين لَمّا نزل قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]. وقالوا: كيف نتَّبع رجلًا لا يدري ما يُفعل به؟! فاشتدّ ذلك على النبي ﷺ؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾١
٢
قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: وفي «حم الأحقاف» [٩] قوله تعالى: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾، نَسَختْها هذه الآية، قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾... إلى قوله: ﴿ويهديك صراطا مستقيما﴾. فعلم سبحانه ما يفعل به مِن الكرامة، فقال رجل مِن الأنصار: قد حدّثك ربُّك ما يفعل بك مِن الكرامة، فهنيئًا لك، يا رسول الله، فما يفعل بنا نحن؟ فقال سبحانه: ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾ [الأحزاب:٤٧]. وقال تعالى: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [الفتح:٥]. فبيّن تعالى في هذه الآية كيف يفعل به وبهم١
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا﴾، وذلك أنّ الله تعالى أنزل بمكة على نبيّه ﷺ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، ففرح كفار مكة بذلك، وقالوا: واللّات والعُزّى، ما أمره وأمرنا عند إلهه الذي يعبده إلا واحد، ولولا أنّه ابتدع هذا الأمر مِن تلقاء نفسه لكان ربّه الذي بعثه يخبره بما يفعل به وبمن اتّبعه كما فعل بسليمان بن داود، وبعيسى ابن مريم والحواريين، وكيف أخبرهم بمصيرهم، فأمّا محمد فلا علم له بما يُفعل به ولا بنا! إنّ هذا لهو الضّلال كلّ الضّلال. فشقّ على المسلمين نزول هذه الآية، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما للنبي ﷺ: ألا تخبرنا ما اللهُ فاعل بك؟ فقال: «ما أحدث الله إلَيَّ أمرٌ بعد». فلما قدم المدينة قال عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين: كيف تتّبعون رجلًا لا يدري ما يفعل الله به، ولا بمن اتبعه؟ وضحكوا من المؤمنين، وعلم الله ما في قلوب المؤمنين مِن الحُزن، وعَلِم فَرَح المشركين من أهل مكة، وفَرَح المنافقين من أهل المدينة، فأنزل الله تعالى بالمدينة بعد ما رجع النبي ﷺ من الحُدَيبية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، فنَسَخَت هذه الآية قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، فأخبر الله تعالى نبيّه ﷺ بما يفعل به، فنزلت هذه الآية على النبي ﷺ، فلمّا سمع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين بنزول هذه الآية على النبي ﷺ، وأنّ الله قد غفر له ذنبه، وأنّه يفتح له على عدّوه، ويهديه صراطًا مستقيمًا، وينصره نصرًا عزيزًا، قال لأصحابه: يزعم محمدٌ أنّ الله غفر له ذنبه، وينصره على عدّوه! هيهات هيهات، لقد بقي له من العدّو أكثر وأكثر، فأين فارس والروم وهم أكثر عدوًّا وأشدّ بأسًا وأعزّ عزيزًا؟! ولن يظهر عليهم محمد، أيظنّ محمد أنهم مِثل هذه العصابة التي قد نزل بين أظهرهم وقد غلبهم بكذبه وأباطيله، وقد جعل لنفسه مخرجًا، ولا علم له بما يُفعل به ولا بمن اتّبعه، إنّ هذا لهو الخلاف المبين. فخرج النبي ﷺ على أصحابه، فقال: «لقد نزلت عليّ آية لَهِي أحبُّ إلَيَّ مِمّا بين السماء والأرض». فقرأ عليهم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية، فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، يا رسول الله، قد علمنا الآن مالك عند الله، وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا؟ فنزلت سورة الأحزاب [٤٧]: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ يعني: عظيمًا، وهي الجنة. وأنزل: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ [الفتح:٥]١