تفسير
٣٥ قولًاقال الحسن البصري: ﴿المُؤْمِنُ﴾ المؤمن بنفسه قبل إيمان خلْقه، كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران:١٨] الآية١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿المُؤْمِنُ﴾: آمن لقوله١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿المُؤْمِنُ﴾، قال: المؤمِنُ مَن آمَن به١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿المُؤْمِنُ﴾ يُؤمِّن أولياءه من عذابه١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿المُؤْمِنُ﴾، قال: ﴿المُؤْمِنُ﴾: المُصدّق الموقن، آمن الناس بربّهم، فسمّاهم: مؤمنين، وآمن الرّبّ الكريم لهم بإيمانهم، صدّقهم أن يُسمّى بذلك الاسم١٢
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿المُؤْمِنُ﴾، قال: المُؤْمِنُ خَلْقَه مِن أن يَظلمهم١
عن زيد بن علي، قال: إنما سمّى نفسه: ﴿المُؤْمِنُ﴾؛ لأنه آمنهم من العذاب١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق جويبر- ﴿المُؤْمِنُ﴾، قال: المُصدّق١
عن عبد الله بن عباس: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ وذلك لِهَدْمهم بيوتهم عن نُجُفِ١ أبوابهم إذا احتملوها٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ﴾، قال: يعني: بني النَّضِير، جعل المسلمون كلّما هَدموا شيئًا مِن حصونهم جعلوا يَنقُضون بيوتهم ويُخرِبونها، ثم يَبنُون ما يُخرِب المسلمون، فذلك هلاكهم١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- قال في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾: يعني: أهل النَّضِير، جعل المسلمون كلّما هدَموا مِن حِصنهم جعلوا يَنقُضون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، ثم يَبنُون ما خَرّب المسلمون١
عن عكرمة مولى ابن عباس، في قوله: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾، قال: كانت بيوتُهم مُزَخرفَةً، فحسَدوا المسلمين أن يَسكنوها، وكانوا يُخرِّبونها مِن داخل، والمسلمون من خارج١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، قال: كان المسلمون يُخرِبون ما يليهم مِن ظاهرها؛ ليدخلوا عليهم، ويُخرِبها اليهود من داخلها١
عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾، قال: لَمّا صالحوا النبيَّ ﷺ كانوا لا يُعجِبُهم خشبةً إلا أخذوها، فكان ذلك تخريبها١
عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق- قال: احتَملوا مِن أموالهم -يعني: بني النَّضِير- ما استَقلّت به الإبل، فكان الرجلُ منهم يهدم بيته عن نِجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره، فينطَلِق به. قال: فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، وذلك هدْمُهم بيوتهم عن نُجُف أبوابهم إذا احتَملوها١
قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ لَمّا أمر النبيُّ ﷺ بالسَّير إلى بني النَّضِير، فبَلغهم ذلك، خَرّبوا الأَزِقّة، وحصّنوا الدُّور، فأتاهم رسولُ الله ﷺ، فقاتَلهم إحدى وعشرين ليلة، كلمّا ظهر على دار مِن دُورهم أو دَرْبٍ من دُروبهم هدمه لِيَتَّسِع المقاتل، وجعلوا يَنقُبون١ دُورهم مِن أدبارها إلى الدار التي تليها، ويَرمُون أصحاب رسول الله بنَقْضِها، فلمّا يئسوا مِن نصْر المنافقين، وذلك أنّ المنافقين كانوا وعدوهم إن قاتلهم النبي أن ينصروهم؛ فلمّا يئسوا مِن نصْرهم سألوا نبيَّ الله الصُّلح، فأبى عليهم إلا أن يَخرجوا من المدينة، فصالَحهم على أن يُجليَهم إلى الشام على أنّ لهم أن يَحمل أهلُ كلِّ ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا مِن طعام وسقاء، ولنبي الله وأصحابه ما فَضل، ففعلوا٢
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ مِن داخل الدار، لا يَقْدِرون على قليلٍ ولا كثير ينفعهم إلا خَرَّبوه وأفسدوه؛ لِئَلّا يَدَعوا شيئًا ينفعهم إذا رحلوا. وفي قوله: ﴿وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ ويُخرِّب المؤمنون ديارهم من خارجها؛ كيما يَخلُصوا إليهم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ بقتْل كعب بن الأشرف، أرعَبهم الله بقتْله؛ لأنه كان رأسهم وسيدهم، قتَله محمد بن مسلمة الأنصاري، وكان أخاه مِن الرضاعة، وغيره، وكان مع محمدٍ ليلة قتل كعب بن الأشرف أخو محمد بن سلمة، وأبو ليل١، وعُتبة؛ كلّهم من الأنصار، ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ وذلك أنّ المنافقين دَسُّوا وكتبوا إلى اليهود: ألّا يخرجوا مِن الحِصن، وأن يدبروا على الأَزِقّة وحصونها، فإن قاتَلتم محمدًا فنحن معكم لا نخذلكم ولَنَنصُرَنّكم، ولَئِن أُخرجتم لنَخرُجنّ معكم، فلمّا سار النبيُّ ﷺ إليهم وجدهم ينُوحون على كعب بن الأشرف. قالوا: يا محمد، واعية على أثر واعية، وباكية على أثر باكية، ونائحة على أثر نائحة. قال: نعم. قالوا: فذَرنا نبكي شُجونًا، ثم نأتَمر لأمرك. فقال النبيُّ ﷺ: «اخرجوا من المدينة». قالوا: الموتُ أقربُ إلينا مِن ذلك. فتَنادَوا الحربَ، واقتتلوا، وكان المؤمنون إذا ظهروا على دَرْبٍ مِن دُروبهم تأخّروا إلى الذي يليه، فنَقبوه مِن دُبره، ثم حصَّنوها، ويُخرب المسلمون ما ظهروا عليه مِن نَقض بيوتهم، فيَبنُون دروبًا على أفواه الأَزِقّة، فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾٢
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بكير بن معروف- في قول الله عز وجل: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، قال: كان رسول الله ﷺ يُقاتِلهم، فإذا ظهر على دربٍ أو دارٍ هَدم حيطانها؛ لِيَتَّسع المكانُ للقتال، وكانت اليهود إذا غُلِبوا على دربٍ أو دارٍ نَقبوها مِن أدبارها، ثم حصّنوها، ودَرَّبوها١، يقول الله عز وجل: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصار﴾٢
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، قال: هؤلاء النَّضِير، صالَحهم النبيُّ ﷺ على ما حَملت الإبل، فجعلوا يَقْلعون الأوتاد؛ يُخرِبون بيوتهم١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ﴾ يعني: المؤمنين أهل البصيرة في أمر الله، وأمر النَّضِير١
عن الحسن، قال: بلَغني: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا أجلى بني النَّضِير قال: «امضُوا، فهذا أول الحَشْر، وإنّا على الأثر»١
عن عائشة -من طريق عُروة- قالت: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أولَ حَشرٍ في الدنيا إلى الشام١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العَوفيّ- قال: كان النبيُّ ﷺ قد حاصرهم حتى بلَغ منهم كلّ مَبلغ، فأَعطَوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يَحقِن لهم دماءهم، وأن يُخرجهم مِن أرضهم وأوطانهم، وأن يُسيِّرهم إلى أذْرِعاتِ١ الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرًا وسقاء٢
قال مُرّة الهَمداني: ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ كان أول الحَشْر مِن المدينة، والحَشْر الثاني مِن خَيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذْرِعات وأرِيحاء١ مِن الشام في أيام عمر٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾ قال: النَّضِير. إلى قوله: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ قال: ذلك ما بين ذلك كلّه١
قال الضَّحّاك بن مُزاحِم: أُعطي كلُّ ثلاثة نَفرٍ بعيرًا وسقاة، ففعلوا ذلك، وخرجوا مِن المدينة إلى الشام إلى أذْرِعات وأريحاء، إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حُييّ بن أخطَب؛ فإنهم لحقوا بخَيبر، ولَحقَتْ طائفة منهم بالحيرة، فذلك قوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾، قال: الحَشْر قِبَل الشام، وهم بنو النَّضِير؛ حيٌّ مِن اليهود، أجلاهم نبيُّ الله ﷺ من المدينة إلى خَيبر مَرْجِعَه مِن أُحُد١
عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- ﴿مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾، قال: هم بنو النَّضِير، قاتَلهم النبيُّ ﷺ حتى صالَحهم على الجلاء، فَأجْلاهم إلى الشام، وعلى أنّ لهم ما أقَلّت الإبل مِن شيء إلا الحَلْقَة -والحَلْقة: السلاح-، كانوا مِن سِبطٍ لم يُصِبْهُم جلاءٌ فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك عذّبهم في الدنيا بالقتْل والسّباء١
عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- ﴿مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾، قال: كان جلاؤهم أول الحَشْر في الدنيا على الشام١
عن يزيد بن رُومان -من طريق ابن إسحاق- قال: إنّ رهطًا من بني عوف بن الخَزْرج -منهم: عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، ووديعة، ومالك بن أبي قَوْقَل، وسُويد، وداعس- بَعثوا إلى بني النَّضِير: أنِ اثبُتوا وتمَنّعوا، فإنّا لن نُسلِمكم، وإن قوتلتم قاتَلنا معكم، وإنْ أُخرجتُم خَرجنا معكم. فتربّصوا لذلك مِن نصْرهم، فلم يفعلوا، وكانوا قد تحصّنوا في الحصون مِن رسول الله ﷺ حين نزل بهم١٢
قال محمد بن السّائِب الكلبي: إنما قال: ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ لأنهم كانوا أول مَن أُجْلِي مِن أهل الكتاب مِن جزيرة العرب، ثم أجلى آخرَهم عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: يهود بني النَّضِير ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ بعد قتال أُحُد أخرجهم ﴿مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ يعني: القتال، والحَشْر الثاني القيامة، وهو الجلاء من المدينة إلى الشام وأَذْرِعات، ﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ يقول للمؤمنين: ما حَسِبتم ﴿أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا﴾ يعني: وحَسِبوا ﴿أنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ يعني: مِن قِبل قتْل كعب بن الأشرف١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ قال: فتح اللهُ على نبيه في أول حشْرٍ حَشَرَ نبي الله إليهم، لم يقاتلهم المرّتين ولا الثلاثة، فتَح الله على نبيّه في أوَّلِ حَشرٍ حَشَر عليهم في أول ما قاتلهم. وفي قوله: ﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ النبي ﷺ وأصحابه، ﴿أنْ يَخْرُجُوا﴾ مِن حصونهم أبدًا١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾، قال: هؤلاء النَّضِير حين أجْلاهم رسولُ الله ﷺ. وفي قوله: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ قال: الشام حين ردّهم إلى الشام. وقرأ قول الله عز وجل: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ [النساء:٤٧]. قال: مِن حيث جاءت أدبارها أن رَجعتْ إلى الشام، مِن حيث جاءت رُدّوا إليه١٢