نزول الآيات
١٤ قولًاعن عبد الله بن عباس –من طريق العَوفيّ- قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عُتبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، وأبا جهل بن هشام، وكان يتصدّى لهم كثيرًا، وجعل عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يُقال له: عبد الله بن أُمّ مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبيَّ ﷺ آيةً مِن القرآن، قال: يا رسول الله، علِّمني مِمّا علمك الله. فأعرَض عنه رسول الله ﷺ، وعَبس في وجهه، وتولّى وكَره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله ﷺ نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله ببعض بصره، ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأَعْمى﴾، فلما نزل فيه ما نزل، أكرمه نبي الله وكلّمه؛ يقول له: «ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟»١
عن أنس بن مالك، قال: جاء ابنُ أُمِّ مكتوم إلى النبيِّ ﷺ وهو يُكَلِّم أُبيَّ بن خلف، فأعرَض عنه؛ فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأَعْمى﴾، فكان النبي ﷺ بعد ذلك يُكرمه١
عن عروة بن الزُّبير -من طريق ابنه هشام- قال: نزلت في ابن أُمّ مكتوم: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأَعْمى﴾١
عن مجاهد بن جبر، قال: كان النبيُّ ﷺ مُستخليًا بصِنديدٍ مِن صناديد قريش وهو يدعوه إلى الله، وهو يرجو أن يُسلم، إذ أقبل عبد الله بن أُمّ مكتوم الأعمى، فلما رآه النبي ﷺ كره مجيئه، وقال في نفسه: «يقول هذا القرشي: إنما أتباعه العميان، والسِّفلة، والعبيد». فعَبس؛ فنزل الوحي: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ إلى آخر الآية١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق جويبر- في قوله: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾، قال: هو رسول الله ﷺ، لقي رجلًا مِن أشراف قريش، فدعاه إلى الإسلام، فأتى عبدُ الله بن أُمّ مكتوم، فجعل يسأله عن أشياء مِن أمر الإسلام، فعَبس في وجهه؛ فعاتبه الله في ذلك، فلما نزلت هذه الآية دعا رسولُ الله ﷺ ابنَ أُمّ مكتوم، فأكرمه، واستخلفه على المدينة مرتين١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾: تصدّى رسول الله ﷺ لرجل مِن مشركي قريش كثير المال، ورجا أن يؤمن، وجاء رجل من الأنصار أعمى، يقال له: عبد الله بن أُمّ مكتوم، فجعل يسأل نبي الله ﷺ، فكرهه نبي الله ﷺ، وتولى عنه، وأقبل على الغني، فوعظ اللهُ نبيَّه، فأكرمه نبيُّ الله ﷺ، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- قال: جاء ابنُ أُمّ مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يُكلّم أُبيّ بن خلف، فأعرَض عنه؛ فأنزل الله عليه: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾، فكان النبيُّ ﷺ بعد ذلك يُكرمه. قال أنس: فرأيتُه يوم القادسية عليه درع، ومعه راية سوداء١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأَعْمى﴾ عبد الله بن زائدة، وهو ابن أُمّ مكتوم، وجاءه يستقرئه، وهو يناجي أُمَيّة بن خلف، رجل من عِلية قريش، فأعرَض عنه نبيُّ الله ﷺ؛ فأنزل الله فيه ما تسمعون: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأَعْمى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾. ذُكر لنا: أنّ نبي الله ﷺ استخلفه بعد ذلك مرتين على المدينة، في غزوتين غزاهما يُصلّي بأهلها١
عن محمد بن قيس -من طريق أبي مَعشر- قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا وعنده عُتبة بن ربيعة، وابن أُمّ مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله، علِّمني القرآن. فعَبس رسول الله ﷺ في وجهه، وصرفه عنه كراهته أن يزهد إقباله عليه عُتبة في الإسلام، يقول: إنما يتبع هذا العميان والمساكين. فأنزل الله تعالى: ﴿عبس وتولى﴾ إلى قوله: ﴿فأنت له تصدى﴾ عُتبة، ﴿وأما من جاءك يسعى، وهو يخشى﴾ ابن أُمّ مكتوم، فلم يُعذر رسول الله ﷺ بمثل ذلك١
قال مقاتل بن سليمان: يقول ﴿عَبَسَ﴾... نزلت في عبد الله بن أبى سَرح١ الأعمى، وأُمّه أُمّ مكتوم، اسمه: عمرو بن قيس بن زائدة بن رواحة بن الأصم بن حجر بن عبد ود بن بغيض بن عامر بن لؤي بن غالب. وأما أُمّ مكتوم اسمها: عاتكة بنت عامر بن عتكة بن عامر بن مخزوم بن يقظة بن مُرّة بن كعب بن لؤي، وذلك أنه ذات يوم كان جالسًا في المسجد الحرام وحده ليس معه ثانٍ، وكان رجلًا مكفوف البصر، إذ نزل مَلكان من السماء ليُصلّيا في المسجد الحرام، فقالا: مَن هذا الأعمى الذي لا يُبصر في الدنيا ولا في الآخرة؟ قال أحدهما: ولكن أعجبُ مِن أبي طالب يدعو الناس إلى الإسلام! وهو لا يبصرهما، ويسمع ذلك، فقام عبد الله حتى أتى رسول الله ﷺ، وإذا معه أُميّة بن خلف، والعباس بن عبد المطلب، وهما قيام بين يديه يَعرض عليهما الإسلام، فقال عبد الله: يا محمد، قد جئتك تائبًا، فهل لي مِن توبة؟ فأعرَض النبيُّ ﷺ وجهه عنه، وأقبل بوجهه إلى العباس وأُميّة بن خلف، فكَرّر عبد الله كلامه، فأعرَض النبيُّ ﷺ بوجهه وكَلح، فاستحيى عبد الله، وظن أنه ليس له توبة، فرجع إلى منزله؛ فأنزل الله عز وجل فيه: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ يعني: كَلح النبي ﷺ، ﴿وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأَعْمى﴾٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- أنه سأله عن قول الله عز وجل: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأَعْمى﴾. قال: جاء ابن أُمّ مكتوم إلى رسول الله، وقائده يُبصر وهو لا يُبصر. قال: ورسول الله ﷺ يشير إلى قائده يَكُفّ، وابن أُمّ مكتوم يدفعه ولا يُبصر. قال: حتى عَبس رسول الله ﷺ؛ فعاتبه الله في ذلك، فقال: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأَعْمى وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾١
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ في مجلس في ناسٍ مِن وجوه قريش، منهم: أبو جهل بن هشام، وعُتبة بن ربيعة، فيقول لهم: «أليس حسنًا أن جئتُ بكذا وكذا؟». فيقولون: بلى، واللهِ. فجاء ابنُ أُمّ مكتوم وهو مشتغل بهم، فسأله، فأعرض عنه؛ فأنزل الله: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى وأَمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ يعني: ابن أُمّ مكتوم١
عن عائشة -من طريق عروة- قالت: أُنزِلَتْ ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ في ابن أُمّ مكتوم الأعمى؛ أتى رسولَ الله ﷺ، فجعل يقول: يا رسول الله، أرْشِدني. وعند رسول الله ﷺ رجل مِن عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يُعرِض عنه، ويُقبل على الآخر، ويقول: «أترى بما أقول بأسًا؟». فيقول: لا. ففي هذا أُنزِلَتْ١
عن مسروق، قال: دخلتُ على عائشة وعندها رجل مكفوف تَقطع له الأُترُجّ، وتُطعمه إياه بالعسل، فقلتُ: مَن هذا، يا أُمّ المؤمنين؟! فقالت: هذا ابنُ أُمِّ مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيَّه ﷺ. قالت: أتى نبيَّ الله، وعنده عُتبة وشيبة، فأقبل رسول الله ﷺ عليهما؛ فنزلت: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأَعْمى﴾ ابن أُمّ مكتوم١