تفسير
٢٣ قولًاقال مقاتل بن سليمان: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وذلك أنّ كُفّار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم، فقتلوهم، وسَبوهُم، وأخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فمكثوا زمانًا ليس لهم مَلِكٌ يقاتل عدُوَّهم، والعَدُوُّ بين فلسطين ومصر١
عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر ومقاتل عن الضحاك، ومن طريق الكلبي عن أبي صالح- في قوله: ﴿إذ قالوا لنبي لهم﴾: أشمويل١
عن أبي عبيدة [ابن عبد الله بن مسعود] -من طريق عمرو بن مُرَّة- ﴿إذ قالوا لنبي لهم﴾، قال: الشمولُ ابنُ حَنَّةَ بن العاقر١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿إذ قالوا لنبي لهم﴾، قال: شمؤل١
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- في قول الله عز وجل: ﴿إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله﴾، قال: كان نبيهم أشمويل بن أبال بن علقمة١
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق- قال: هو شَمْوِيل بن بالِي بن علقمة بن يَرْحام بن أليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحِث بن عموصا بن عَزْريا بن صفية بن علقمة بن أبي ياسق بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوِي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في الآية، قال: هو يُوشَعُ بن نون، قال: وهو أحد الرجلين اللذَّيْن أنْعَمَ الله عليهما. قال: وأحسبه أيضًا قال: هو فتى موسى١٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: اسمه شَمْعُون، وإنما سُمِّي شمعون لأنّ أُمَّه دعت الله أن يرزقها غلامًا، فاستجاب الله لها دعاءها فرزقها، فولدت غلامًا، فسَمَّتْهُ: شمعون؛ تقول: الله تعالى سَمِع دعائي١٢
قال الكلبي:... نبيٌّ لهم من بني هارون، يُقال له: إشمويل١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ اسمه إشماويل -وهو بالعربية: إسماعيل- بن هلقابا، واسم أُمِّه: حَنَّة، وهو مِن نسل هارون بن عِمْران أخو موسى١
عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر ومقاتل عن الضحاك، ومن طريق الكلبي عن أبي صالح- في قوله: ﴿ابعث لنا ملكا نقاتل﴾ إلى قوله: ﴿وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾، يعني: أخْرَجَتْنا العَمالِقَةُ، وكان رأسُ العَمالِقَة يومئذ جالوتَ، فسأل اللهَ نبيُّهم أن يبعث لهم مَلِكًا١
عن أبي عبيدة، قال: كان في بني إسرائيل رجل له ضَرَّتان١، وكانت إحداهما تَلِدُ والأخرى لا تَلِد، فاشْتَدَّ على التي لا تَلِدُ، فتَطَهَّرت، فخرجت إلى المسجد لتدعو الله، فلقيها حَكَمٌ على بني إسرائيل -وحكماؤهم: الذين يُدَبِّرون أمورَهم-، فقال: أين تذهبين؟ قالت: حاجةٌ لي إلى ربي. قال: اللَّهُمَّ، اقضِ لها حاجتَها. فعَلِقَتْ بغلام، وهو الشمولُ، فلما ولَدَتْ جَعَلَتْه مُحَرَّرًا، وكانوا يجعلون المُحَرَّرَ إذا بلغ السَّعْيَ في المسجد يَخْدُمُ أهلَه، فلما بلغ الشمولُ السَّعْيَ دُفِع إلى أهل المسجد يخدم، فنودي الشمولُ ليلةً، فأتى الحَكَمَ، فقال: دعوتني؟ فقال: لا. فلما كانت الليلةَ الأخرى دُعِي، فأتى الحَكَمَ، فقال: دعوتني؟ فقال: لا. وكان الحَكَم يعلم كيف تكون النبوة، فقال: دُعِيتَ البارحةَ الأولى؟ قال: نعم. قال: ودُعِيتَ البارحة؟ قال: نعم. قال: فإن دُعِيتَ الليلةَ فقُل: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخير بين يديك، والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ، أنا عبدُك بين يديك، مُرني بما شِئْتَ. فأُوحِيَ إليه، فأتى الحَكَم، فقال: دُعِيتَ الليلة؟ قال: نعم، وأُوحِي إلَيَّ. قال: فذُكِرْتُ لك بشيء؟ قال: لا عليك ألّا تَسْأَلَني. قال: ما أبَيْتَ أن تُخْبِرَني إلّا وقد ذُكِر لك شيءٌ من أمري. فألَحَّ عليه، وأبى أن يَدَعَه حتى أخبره، فقال: قيل لي: إنه قد حضَرَت هَلَكَتُك، وارْتَشا ابنُك في حُكْمِك. فكان لا يُدَبِّرُ أمرًا إلا انتَكَثَ، ولا يَبْعَثُ جيشًا إلا هُزِم، حتى بعث جيشًا، وبعث معهم بالتوراة يَسْتَفْتِحُ بها، فهُزِموا، وأُخِذَت التوراةُ، فصعد المنبر، وهو أسِيفٌ غَضْبان، فوقع، فانكَسَرَتْ رِجلُه أو فَخِذُه، فمات من ذلك، فعند ذلك قالوا لنبيٍّ لهم: ﴿ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله﴾. وهو الشمول ابن حَنَّةَ العاقر٢
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: إنّما سألوا ذلك أنّهم كانوا في مدينةٍ لهم قد بارك الله لهم في مكانهم، لا يدخله عليهم عدوٌّ، ولا يحتاجون إلى غيره، ... فلما عَظُمَتْ أحداثُهم، وانتكهوا محارم الله عز وجل، وجارُوا في الحُكْمِ؛ نَزَل بهم عدوُّهم، فخرجوا إليهم، وأخرجوا التابوتَ -وكان يكون التابوت أمامهم في القتال-، فقدَّموا التابوت، فسُبِيَ التابوت، وكان عليهم ملِكًا يُقال له: إيلاف. فأُخْبِرَ الملِكُ أنّ التابوت قد سُبِي واسْتُلِب، فمالَتْ عُنُقُه، فمات كَمَدًا عليه، فمَرَجَتْ أمورهم، فظهر عدوُّهم، وأُصِيب من أبنائهم ونسائهم، فعند ذلك قالوا: ﴿ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله﴾١
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿ومالنا الا نقاتل في سبيل الله وقد اخرجنا من ديارنا وابنائنا﴾ بأداء الجِزْيَة١
قال الكلبيُّ: إنّ بني إسرائيل مكثوا زمانًا من الدَّهْرِ ليس عليهم مَلِك، فأَحَبُّوا أن يكون عليهم مَلِكٌ يُقاتِلُ عدوَّهم، فمَشَوْا إلى نَبِيٍّ لهم من بني هارون يقال له: إشمويل، فقالوا له: ﴿ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله﴾. فقال لهم نبيهم: ﴿هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾. وكان عدوُّهم من قوم جالوت، ﴿فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ﴾ عدوَّنا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ﴾ لهم نبيهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ﴾ بعث الله لكم ملِكًا و﴿كُتِبَ﴾ يعني: وفُرِض ﴿عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ﴾ أي: فلَمّا فُرِض -كقوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾، يعني: فُرِض عليكم- ﴿عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ يعني: على بني إسرائيل ﴿تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ يعني: كره القتالَ العِصابةُ الذين وقفوا في النهر، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ يعنيهم لقولهم: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾. وكان القليلُ أصحاب الفرقة ثلاثمائة وثلاثة عشر، عدد أصحاب بدر. وقال النبي ﷺ يوم بدر: «إنّكم على عَدَدِ أصحاب طالوت»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر ومقاتل عن الضحاك، ومن طريق الكلبي عن أبي صالح- في قوله: ﴿ألم تر إلى الملأ﴾ يعني: ألم تُخْبَر يا محمد عن الملأ ﴿من بني اسرائيل من بعد موسى﴾١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ألم تر إلى الملأ من بني اسرائيل من بعد موسى﴾، قال: هم الذين قال الله: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم واقيموا الصلوة وآتوا الزكاة﴾ [النساء: ٧٧]١. (ز)
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿ألم تر إلى الملأ من بني اسرائيل من بعد موسى﴾ الآية، قال: هذا حين رُفِعَت التوراة، واسْتُخْرِج أهلُ الإيمان، وكانت الجبابرةُ قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا﴾، قال: هذا حين رُفِعت التوراة، واسْتُخْرِج أهلُ الإيمان١
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق- قال: خلَف بعد موسى في بني إسرائيل يُوشَعُ بن نون، يُقِيمُ فيهم التوارةَ وأَمْرَ الله، حتى قبضه الله، ثم خلَف فيهم كالِبُ بن يُوفَنّا، يقيم فيهم التوراة وأمر الله، حتى قبَضه الله، ثم خلَف فيهم حِزْقِيلُ بنُ بُوزِي، وهو ابن العجوز، ثم إن الله قبض حِزْقيل، وعظُمَت في بني إسرائيلَ الأحداثُ، ونسُوا ما كان مِن عهد الله إليهم، حتى نصَبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبُعِث إليهم إلياسُ بن تَسْبى بن فِنْحاص بن العِيزارِ بن هارون بن عِمْران نبيًّا، وإنّما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يُبْعَثُون إليهم بتجديد ما نَسُوا من التوراة، وكان إلياس مع مَلِكٍ من بني إسرائيل يقال له: أحابُ. وكان يسمع منه ويُصَدِّقُه، فكان إلياس يقيم له أمره، وكان سائر بني إسرائيل قد اتَّخذوا صنمًا يعبدونه، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله، وجعلوا لا يسمعون منه شيئًا إلا ما كان من ذلك المَلِك، والملوك متفرِّقةٌ بالشام، كلُّ مَلِك له ناحيةٌ منها يأكلها، فقال ذلك الملك لإلياس: ما أرى ما تدعون إليه إلا باطِلًا، أرى فلانًا وفلانًا -يُعَدِّد ملوكَ بني إسرائيل- قد عبدوا الأوثان، وهم يأكلون ويشربون ويتنعمون، ما ينقص من دنياهم!. فاسترجع إلياسُ، وقام شعره، ثم رفضه وخَرَج عنه، ففعل ذلك المَلِكُ فِعْلَ أصحابه، وعبد الأوثان. ثم خلف من بعده فيهم اليَسَعُ، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه، وخلَفَت فيهم الخُلوفُ، وعظُمَت فيهم الخطايا، وعندهم التابوت يتوارثونه كابِرًا عن كابر، فيه السكينة وبَقِيَّةٌ مما ترك آل موسى وآل هارون، وكان لا يلقاهم عدوٌّ، فيُقَدِّمون التابوت، ويزحفون به معهم؛ إلا هزم اللهُ ذلك العدو. فلما عظُمَت أحداثُهم، وتركوا عهدَ الله إليهم؛ نزل بهم عَدُوٌّ، فخرجوا إليه، وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يُخْرِجونه، ثم زحفوا به، فقُوتِلوا حتى اسْتُلِب من أيديهم، فمرَج أمرُهم عليهم، ووَطِئَهم عدُوُّهم، حتى أُصِيب من أبنائهم ونسائهم، وفيهم نبيٌّ يقال له: شَمْويل -وهو الذي ذكره الله في قوله: ﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم﴾ الآية-، فكلَّموه، وقالوا: ابعث لنا مَلِكًا نقاتل في سبيل الله. وإنما كان قِوامُ بني إسرائيل الاجتماع على الملوك، وطاعة الملوك أنبياءَهم، وكان الملِك هو يَسِيرُ بالجُمُوع، والنبي يقوم له بأمره، ويأتيه بالخبر من ربه، فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم، فإذا عَتَتْ ملوكُهم، وتركوا أمر أنبيائهم؛ فَسَد أمرهم، فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعةُ على الضلالة تركوا أمر الرسل، ففريقًا يُكَذِّبون فلا يقبلون منه شيئًا، وفريقا يقتلون. فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له: ابعث لنا ملِكًا نقاتل في سبيل الله. فقال لهم: إنه ليس عندكم وفاء ولا صدق، ولا رغبة في الجهاد. فقالوا: إنا كُنّا نَهابُ الجهاد ونزهد فيه، إنا كُنّا ممنوعين في بلادنا لا يطؤها أحد، فلا يظهر علينا فيها عدوٌّ، فأما إذا بلغ ذلك فإنه لا بد من الجهاد، فنطيع ربنا في جهاد عدوِّنا، ونمنع أبناءنا ونساءنا وذرارينا١
عن الكلبي، وابن إسحاق، نحوه١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في الآية، قال: ذُكِرَ لنا -والله أعلم-: أنّ موسى لَمّا حَضَرَتْهُ الوفاةُ استخلف فتاه يُوشَع بن نون على بني إسرائيل، وأنّ يوشع بن نون سار فيهم بكتاب الله التوراة وسُنَّةِ نبيِّه موسى، ثم إنّ يُوشَع بن نون تُوُفِّيَ واستُخلِف فيهم آخر، فسار فيهم بكتاب الله وسنة نبيه موسى، ثم استُخلِف آخر، فسار بهم سيرة صاحبيه، ثم استُخلِف آخر، فعرفوا وأنكروا، ثم استُخلِف آخر، فأنكروا عامَّة أمره، ثم استُخلِف آخر، فأنكروا أمره كله، ثم إنّ بني إسرائيل أتَوْا نَبِيًّا من أنبيائهم حين أُوذُوا في أنفسهم وأموالهم، فقالوا له: سَلْ رَبَّك أن يكتب علينا القتال. فقال لهم ذلك النبي: ﴿هل عسيتم أن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا﴾ الآية١