سورة الحديد | الآية ٢٥

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

وقفات مع سور وآيات
﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ أنزل الله الحديد مع الحديث لأنه يعلم أن من عباده من يرتدع بالأقوى ولا ينتفع بالتقوى
محمد الفراج
وقفات مع سور وآيات
قوام الدين ( قرآن ) يهدي ( وسيف ) ينصر " وأنزلنا معهم ( الكتاب ) والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ( الحديد ) فيه بأس شديد ومنافع "
ابو حمزة الكناني
وقفات مع سور وآيات
(وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع) لن ينفع الأمة بعد رعاية الله لها إلا يدها التي تعرف كيف تستخدم الحديد في حماية العقيدة ونصرة المستضعفين.
ابو حمزة الكناني
وقفات مع سور وآيات
فيه إشارة لأولي الألباب إلى الوسائل التي تتيح الغلبة والقوة، وإشارة أخرى إلى أن الحق لا ينتصر بالحماس الجاهل، فمن فقد عدالة المبدأ وخبرة القدير المدرب، فلا يلومن إلا نفسه!
أبو حامدالغزالى
وقفات مع سور وآيات
﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ ..البأس الشديد في الحديد وليس في الخطب والأشعار.
عبدالله بلقاسم
وقفات مع سور وآيات
العدل من أهم مقاصد الشريعة "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"
عبدالله الغفيلي
وقفات مع سور وآيات
" إن الله قوي عزيز " سبحانه ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس.
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
{وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } اتباع هدى الأنبياء فيه صلاح الدين والدنيا.
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
لا حق بغير قوة ؛ فمن رام نشر الهدي وإقامة العدل وجب عليه امتلاك القوة التي تمكنه من بلوغ هدفه وتحقيق طموحه .
مصحف تدبر المفصل
وقفات مع سور وآيات
الحق والعلم دون قوة ضعفٌ وعجزٌ وصغار، والبأس والقوة دون شريعة بينة وميزان عادل فساد وخراب ودمار.
مصحف تدبر المفصل
وقفات مع سور وآيات
لا تكتمل رسالة العالم حتي يصلح الدنيا بالعدل والميزان , كما يصلح الدين بالكتاب والفرقان .
مصحف تدبر المفصل
وقفات مع سور وآيات
سعادة الناس وطمأنينتهم لا تقوم إلا بصلاح دينهم ودنياهم معا , دون إهمال جانب علي حساب آخر .
مصحف تدبر المفصل
وقفات مع سور وآيات
وسورة الحديد ذكر فيها الميزان مرة واحدة (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
نتعلم منها أن نزن كل أعمالنا في الدنيا ولا نبخس حقوق الناس لا ماديا ولا معنويا حتى نكون ممن ترجح موازينهم بالحسنات يوم القيامة فيكونوا من الفائزين الناجين.
مجالس التدبر
بلاغة القرآن
قوله {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} ابتداء الكلام {ولقد أرسلنا نوحا} عطف عليه
كتاب أسرار التكرار للكرماني
بلاغة القرآن
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)) *نظرة عامة على الآية : قال سبحانه وتعالى في سورة الحديد (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)) ربنا سبحانه وتعالى ذكر أنه أرسل الرسل بما ذكر: البينات والكتاب والميزان وذكر الغرض (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) ثم ذكر إنزال الحديد وذكر أن فيه بأساً شديداً (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) ثم ذكر العِلّة (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) ثم بيّن أنه سبحانه ليس محتاجاً للنصر (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ولكن هذا ما يتعلق به الجزاء وليس لنصرة الله لأنه هو القوي العزيز. ليس المقصود نصرة الله لأنه هو القوي العزيز لأن الله تعالى ليس محتاجاً لذلك وإنما هو نصر لدعوته وإقامة شرعه. هذا العمل يتعلق به الجزاء للشخص في قائمة حسناته. * ما دلالة تقديم البينات على الكتاب والكتاب على الميزان؟ هل له غرض بياني معين؟ البينات هي المعجزات الظاهرة التي أوتيها الرسل والدلائل والحجج التي تدل على النبوّة مثل عصا موسى وناقة صالح وإبراء عيسى للأكمه والأبرص هذه هي البينات وهي جمع بينة. وذكر معها الكتاب والميزان فقدم البينة على الكتاب لأنها سبيل للإيمان به والتصديق، البينة أي المعجزة هي السبيل للإيمان وإلا كل واحد يدّعي أنه عنده كتاب أو جاءه كتاب، إذن ينبغي أن تكون هناك بينة تصدق هذا المرسَل وتصدق ما جاء منه من كتاب. إذن البينة تسبق الكتاب. والكتاب أسبق من الميزان لأن الكتاب فيه الميزان لأن الميزان هو كل ما يتميز به الحق من الباطل والعدل من الظلم وكل ما يتعلق بأمور الشرع هذه تكون في الكتاب. الكتاب يتضمن الميزان لأن فيه كل ما يتعلق بالحقوق والميزان للحقوق. والميزان هو الآلة المعروفة. الكتاب والميزان هو كل ما يتميز به الحق من الباطل والعدل من الظلم من أمور يذكرها في حياة الناس، وحياة الناس ليست فقط ما يتعلق بهذه الآلة وإنما هنالك حقوق وواجبات ومعاملات وحقوق وعقائد وكله يندرج تحت الميزان لأنك تقول كلامك حق أو باطل، احتجاجك حق أو باطل هذا ميزان، وهذه موضوعة في الكتاب إذن الكتاب يتضمن الميزان إذن هو أسبق من الميزان لأن الميزان هو في الكتاب. إذن الترتيب البينات لأنها تدل على صحة الكتاب وتثبته والحجج التي تقوم على صحته، الكتاب، الميزان. معنى القسط هو العدل والحِصّة والنصيب أيضاً "أخذ كل منهم قسطه" حتى البيع بالتقسيط. إذن القسط له دلالتان هنا العدل والحصة والنصيب. الفعل الثلاثي قَسَط بمعنى جار وظلم (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) الجن) أقسط الهمزة تسمى همزة السلب يعني رفع الظلم والجور سلبه رفعه وأزاله أي عدل مثل جار أي ظلم وأجار أزال الجور ومنعه، صرخ وأصرخ أي أزال صراخه، عجم الكتاب وأعجمه أي أزال عجمته. * لماذا قال (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) ولم يقل بالعدل؟ القسط يكون أولاً في الوزن وغيره وله معنيان العدل والحِصّة والنصيب ولذلك كلمة القسط تستعمل في القرآن في الوزن وفي غيره (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ (42) المائدة) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ (135) النساء) لكن هنا استعمال القسط أنسب في هذا الموضع. أولاً لم يستعمل العدل مع الميزان مطلقاً في القرآن كله لم يستعمل إلا القسط لأن القسط هو الحصة والنصيب والغرض من الميزان أن يأخذ الإنسان نصيبه ولذلك لم ترد في القرآن كلمة العدل مع الوزن (وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ (152) الأنعام) (ونضع الموازين القسط () ) (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) الرحمن) ومن أسماء الميزان القسطاس (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (35) الإسراء) باعتبار يأخذ حقه. القسط عامة لكن مع الميزان لم تستعمل إلا كلمة القسط لأن من معاني القسط الحصة والنصيب والغرض من الميزان الحصة والنصيب. وللعلم كلمة يقوم لم ترد في القرآن مع العدل (قوامين بالقسط) فقط (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (25) الحديد) (وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ (127) النساء) (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قائما بِالْقِسْطِ (18) آل عمران ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ (135) النساء) (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) الرحمن) (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ (85) هود). إذن هنالك أمران: الأول أنه ذكر الوزن ولم يستعمل القرآن مع الوزن إلا القسط وقال ليقوم ولم يستعمل مع يقوم في الوزن وغير الوزن إلا القسط. إذن هناك أمران اقتضيا ذكر القسط دون العدل. يقوم أي ينهض به (وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) المعارج) القيام بالعمل (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) الحج) ينهض بالأمر يقوم به. لم يستعمل القيام مع العدل وإنما استعمله مع القسط وليقوم لم يستعمل القيام مع العدل وإنما استعمله مع القسط. *في قوله تعالى (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ما هو ارتباط الآية بما قبلها؟ وأنزلنا معهم الكتاب بأس شديد إشارة إلى أن الحق بحاجة إلى قوة لتحميه (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) قيام الناس بالقسط إنما يكون بالبأس والقوة والناس لا ترعوي إلا بالقوة. لذلك قال فيه بأس شديد ولم يقل قوة لأنه أحياناً يقتضي الحرب لإقامة القسط. إذا لم يكن قوة تحمي العدل تضيع الحقوق، وإذا تُرك الناس هكذا دون قوة تحمي الحقوق تكثر المظالم. إذن إنزال الحديد إشارة إلى أن تلك المصالح تحتاج إلى قوة لتنفيذها لذا جاءت بعدها (فيه بأس شديد). (بأس) بمعنى حرب أو الشدة في الحرب والبأس العذاب (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ (5) الإسراء) (قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ (33) النمل) (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) الأحزاب) إذا اقتضى الأمر الحرب لإقامته لأن الحق لا يقوم من نفسه إذا لم تكن هنالك قوة تحميه وتحفظه لا يمكن أن يقوم وتضيع الحقوق وإذا اقتضى الأمر حتى لو أُعلن الحرب على الظالم أو على الظلم ومن يتعدى الحدود نعلن الحرب (وأنزلنا الحديد) حتى تحمي حقوق الله. ماذا أفاد وصف البأس بالشديد؟ البأس درجات كما أن الحرب درجات والردع درجات ليست كلها على درجة واحدة. فيه بأس شديد أحياناً يحتاج إلى شدة البأس. لم يقل قوة شديدة لأن القوة عامة في الحرب وغير الحرب، قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً (54) الروم) ليس لها علاقة بالردع (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ (12) مريم) أحياناً ليس لها علاقة بالردع وإنما عامة. (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (60) الأنفال) هذه إعداد القوة للبأس. إذن القوة عامة والبأس خاص (قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ (33) النمل) وهم مع ذلك أشداء في الحرب لأنه قد يملك الإنسان قوة لكن ليس لديه بأس، يملك أدوات الحرب لكنه ليس ذا بأس. نرى جنوداً عندهم قوة لكنهم ليسوا أشداء في الحرب. فإذن القوة عامة (ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) ليست مخصصة بحالة صراع. *ما دلالة كلمة أنزلنا مع الحديد؟ (وأنزلنا الحديد) كلمة أنزلنا هذه ما معناها؟ القدامى والمحدثون يقول القدامى أن الحديد أنزله الله تعالى من السماء ولم ينشأ في الأرض، أنزله ربنا وهذا ما يكيل إليه المحدثون أن الحديد أُنزل وقالوا كل عمر الأرض لا يكون حديداً وبحثوا فيها بحوثاً كثيرة والمحدثون يميلون أن المقصود بأنزلنا الإنزال أن الحديد منزل إلى الأرض ولم يتكون في الأرض واكتُشف بعد أن أنزله ربنا. وقسم يقول أنزلنا بمعنى خلقنا (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ (6) الزمر) أيضاً القدامى اختلفوا فيها هل تكونت الحياة في الأرض أو ربنا كوّنها عنده ثم أنزلنا. المحدثون أكثرهم يميلون إلى الإنزال ويعتبرون هذه الآية من الإعجاز العلمي. أنزل قالوا أنها موجودة بمعنى خلق وقد يكون هذا وهذا وقد يكون أنزله ثم اكتشفه الناس. والأظهر أن الإنزال يكون من عند الله سبحانه وتعالى والله أعلم. (لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) ما معنى بالغيب؟ يقولون هي للدلالة على إخلاصهم ونصرتهم لله فهم ينصرونه سواء علِم بهم الناس أم لم يعلم بهم الناس. هم فعلوا ذلك وإن لم يطّلع عليهم أحد، غائبين عن عيون الناس. وقسم يقولون ينصرونه ولا يبصرونه، ينصرون الله وهم مؤمنون به. أنت تعبد ربك ولا تبصره هذا هو الغيب. الغيب إما غيب عن الناس أخفياء يفعلون ذلك أخفياء وليس بالضرورة أن يطّلع عليهم أحد وبالغيب أي يعبد ربه بالغيب مؤمناً به كما يؤمن بالآخرة بالغيب فهو ينصره بالغيب أي مؤمن به ولم يره. والآية تحتمل المعنيين إحداهما دليل إخلاص والإيمان بالغيب من شدة الإخلاص. *ما دلالة (ليعلم) مع أن الله تعالى هو العليم الخبير؟ لا شك هو ربنا عالم بالشيء قبل وقوعه وهو الذي كتب كل شيء لكنه هو يقصد العلم الذي يتعلق به الجزاء. ربنا يجازي الشخص على عمله لا على علمه فقط، يعلم ويعمل ويجازيه. هذا العلم الذي يتعلق به الجزاء وهو في القرآن كثير (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (25) الحديد) ربنا يعلم لكن يريد من ينصره ورسله في واقع الحياة، لمقصود علمه بعد عمل المرء. (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (143) البقرة) هو يعلم قبل ذلك لكن علم يتعلق به الجزاء، تطبيق على ما في علم الله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) محمد) . * ختمت الآية بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) وفي سورة الحج (إن الله لقوي عزيز) ما اللمسة البيانية بين الآيتين؟ ذكرنا أنه ختم قوي عزيز ليبين أنه غير محتاج لمن ينصره وربنا قوي عزيز لكن حتى يتعلق به الجزاء. الذي يحدد هو السياق لو نظرنا في سياق آية الحج قال (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)) هذه الآية في سياق الإذن للمؤمنين بالجهاد (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ثم وعدهم بالنصر المؤكد (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) اللام لام القسم والنون للتوكيد قسم وتوكيد فصار مؤكداً. هنا من الذي ينصر؟ الله سبحانه وتعالى. في الحديد قال (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) هناك المؤمن هو الذي ينصر الله ووفي الحج الله تعالى هو الذي ينصر المستضعفين. إذن آية الحديد فيمن ينصر الله (وليعلم الله) هنا ربنا هو الذي ينصر (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) من الأقوى الناصر أو الذي يُنصر؟ الناصر أقوى. إذن آية الحج قطعاً تحتاج لتوكيد ولا يمكن أن يكونا سواء في واحدة ذكر من ينصر الله والثانية ذكر أن الله تعالى هو الذي ينصر الناصر هو أقوى ولهذا قال (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) لا يمكن أن يكونا سواء وهذا ميزان في التعبير.
موقع إسلاميات
بلاغة القرآن
{ لقوي عزيز } جاءت في الحج مرتين مؤكدة باللام في سياق تأكيد نصرة الله لعباده المظلومين ، وعظمة قدرة الله تعالى - { قوي عزيز } جاءت في الحديد والمجادلة غير مؤكدة باللام في سياق إخبار الله تعالى لنصرة من ينصره ، وغلبة الله تعالى وغلبة رسله ، فجاء الإخبار خاليًا من التوكيد .
صالح التركي / من لطائف القرآن
بلاغة القرآن
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) البينات هي المعجزات الظاهرة والدلائل والحجج التي تدل على النبوة (1) وذلك كعصا موسى وإبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياء الموتى ونحو ذلك من الآيات البينات التي تدل على صحة النبوة وصدق المرسلين. وَ(الْمِيزَانَ) هو كل ما يتميز به الحق من الباطل والعدل من الظلم والزائد من الناقص، ومنه الآلة المعروفة بين الناس. جاء في (تفسير الرازي): (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) ... أنها هي المعجزات الظاهرة والدلائل القاهرة... والميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص (2). وجاء في (تفسير ابن كثير): (الْمِيزَانَ) وهو العدل... [وقيل] وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة (3). وجاء في (روح المعاني): (بِالْبَيِّنَاتِ) أي بالحجج والمعجزات...و(الْمِيزَانَ) الآلة المعروفة بين الناس .. وإنزاله إنزال أسبابه (4). وجاء في (التحرير والتنوير): الميزان مستعار للعدل بين الناس في إعطاء حقوقهم لأن مما يقتضيه الميزان وجود طرفين يراد معرفة تكافئهما... وهذا الميزان تبينه كتب الرسل فذكره بخصوصه للاهتمام بأمره لأنه وسيلة انتظام أمور البشر(5). وقدم البينات على الكتاب لأنها هي التي تشهد بصحته وتدعو إلى قبوله والإيمان به والأخذ بتعاليمه. وقدم الكتاب على الميزان لأن فيه بيان الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف على العموم ومنها إقامة الوزن بالقسط. ويشمل أحكام المعاملات وغيرها كالعقائد وبيان ما يصلح حياة الإنسان في الدنيا والآخرة فهو أهم وأثره أعم وأشمل. (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) علة لإنزال الميزان كما يصح أن يكون علة لما تقدم من إنزال الكتاب والميزان وهو ما يترجح في ظني فإن القسط يكون في الوزن وغيره من الأحكام قال تعالى (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ) - النساء (۱۲۷) وقال (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ) ۔ المائدة (42) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ ) - المائدة (8) وهذا في غير الوزن. جاء في (البحر المحيط): (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) الظاهر أنه علة لإنزال الميزان فقط ويجوز أن يكون علة لإنزال الكتاب والميزان معاً لأن القسط هو العدل في جميع الأشياء من سائر التكاليف فإنه لا جور في شيء منها ولذلك جاء (أشهد الله أنه لا إله إلا هو وأولو العلم قائماً بالقسط)(6). وقال (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) ولم يقل (ليقوم الناس بالعدل) مع أن من معاني القسط العدل ذلك أن استعمال (القسط) أنسب ههنا من (العدل) فإن (القسط) يأتي لمعنى الحصة والنصيب، يقال: أخذ كل واحد من الشركاء قسطه أي حصته. وكل مقدار فهو قسط في الماء وغيره. والقسط بالكسر العدل. والإقساط العدل في القسمة والحكم(7). والعدل بما قام في النفوس أنه مستقيم ... والعدل المرضى قوله وحكمه ... [عن سعيد بن المسيب: إن العدل على أربعة أنحاء: العدل في الحكم قال الله تعالى (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ) والعدل في القول قال الله تعالى (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) ، والعدل الفدية ... والعدل في الإشراك(8). وفي الآية استعمال (القسط) أنسب وذلك لذكر الميزان، فإن الغرض من الوزن أن يأخذ الشخص حصته ونصيبه وهو من معاني القسط. ولذا لم يرد في القرآن الكريم مع الوزن إلا لفظ (القسط) ولم يستعمل معه العدل. قال تعالى (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ ) - الأنعام (152) وقال (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ ) - هود (85) وقال (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) - الأنبياء (47). وقال (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) - الرحمن (۹). ومن أسماء الميزان (القسطاس) قال تعالى (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ) - الإسراء (35) وقال (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) - الشعراء (۱۸۲). هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه ذكر الفعل (يقوم) فقال (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) وقد ورد فعل القيام في القرآن مع لفظ (القسط) ولم يرد مع (العدل) قال تعالى: (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ) - النساء (۱۲۷) وقال (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ) - آل عمران (۱۸) وقال (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) - النساء (۱۳۰) وقال: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) - الرحمن (۹) فناسب ذكر القسط من أكثر من جهة. (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) ورود هذا التعبير بعد قوله (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) إشارة إلى أن الحق به حاجة إلى القوة لتحميه وتحفظه وأن الميزان وقيام الناس بالقسط إنما يكون بالبأس الشديد والقوة. قال عثمان رضي الله عنه: (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). جاء في (روح المعاني): (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) قال الحسن أي خلقناه ... (فِيهِ بَأْسٌ) ... وهذا إشارة إلى احتياج الكتاب والميزان إلى القائم بالسيف ليحصل القيام بالقسط فإن الظلم من شيم النفوس(9). وقال (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) ولم يقل فيه قوة وذلك للدلالة على الردع بالقوة وبالحرب إذا اقتضى الأمر ذلك أن معنى البأساء الحرب والمشقة والضرب. و(البأس) معناه الشدة في الحرب. والبأس العذاب(10).. قال تعالى (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ) - الإسراء (5) أي أشداء في الحرب. وقال (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ) - الفتح (۱۷). وقال: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ) - النساء (84). وقال (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ) - البقرة (۱۷۷) أي حين القتال. وقال (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا) - الأحزاب (18) أي الحرب. وقال (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ) - الأنعام (65). فأنت ترى أن البأس إنما يكون في الحرب أو نحوها. أما القوة فهي عامة في الحرب وغيرها. قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ) - الروم (54). وقال (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ) - مريم (۱۲) وفي قصة سليمان قالوا نَحْنُ (أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ) - النمل (33). أي أن معهم القوة وهم مع ذلك أشداء في الحرب. لأن الإنسان قد يملك القوة ولكن ليس ذا بأس في الحرب والقتال كمن يملك سيفاً ورمحاً وليست عنده الشجاعة والثبات في الحرب. فقوله (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) بعد قوله (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) للدلالة على أن الحق إنما يحمي بالقوة. جاء في (تفسير الرازي): والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية. والميزان إلى القوة العملية. والحديد إلى دفع ما لا ينبغي. ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية ثم رعاية المصالح الجسمانية ثم الزجر عما لا ينبغي روعي هذا الترتيب في هذه الآية. وثانيها: المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب. أو مع الخلق وهم إما الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان. أو مع الأعداء والمعاملة بالسيف والحديد. وثالثها: الأقوام ثلاثة: إما السابقون وهم يعاملون الخلق بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون. ويحترزون عن مواقع الشبهات. وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون وينتصفون فلابد لهم من الميزان. وأما ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولابد لهم من الحديد والزجر... وسابعها: الكتاب إشارة إلى ما ذكر الله في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف. والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف وهو شأن الملوك. والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف(11). وذكروا في إنزال الحديد قولين: الأول: إنزاله من السماء. والقول الآخر: أن معنى الإنزال هو الإنشاء والتهيئة والخلق كقوله تعالى (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۚ) - الزمر (6)(12). ويذهب المحدثون إلى القول الأول فهم يقولون: إن الحديد إنما أنزل من السماء ولا مانع من أن يكون القولان صحيحين فالله خلقه وأنزله. والله أعلم. (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم(13). ونكر المنافع للإطلاق. وذكر أن المنافع للناس ولم يذكر أن إنزال الحديد للناس فهو لم يقل (وأنزلنا الحديد للناس فيه بأس شديد ومنافع لهم) لأن المعني سيكون أنه أنزل الحديد للناس ليقتتلوا وليذيق بعضهم بأس بعض. وليس هذا هو المقصود. فذكر أن المنافع للناس دون البأس الشديد وإنما البأس الشديد ليقوم الناس بالقسط ولنصرة الحق والعدل وإشاعته. (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ) هذا تعليل لكل ما تقدم من إنزال الكتب والميزان وإنزال الحديد ليعلم الذين ينصرونه في كل ذلك من دعوة إلى الله وتبيين لأحكامه وطاعة له وجهاد في سبيله فإن ذلك كله نصر لله ورسله. وقوله (بِالْغَيْبِ) للدلالة على إخلاصهم في نصرتهم لله ورسله فهم ينصرونه سواء علم بهم عباد الله وأبصروهم أم لم يعلم بهم أحد غير خالقهم فهم ينصرونه على كل حال. جاء في (البحر المحيط): (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ) علة لإنزال الكتاب والميزان والحديد. (من ينصره ورسله) بالحجج والبراهين المنتزعة من الكتاب المنزل، وبإقامة العدل وبما يعمل من آلة الحرب للجهاد في سبيل الله(14). وجاء في (الكشاف): (وليعلم الله من ينصره ورسله) باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين (بِالْغَيْبِ) غائباً عنهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ينصرونه ولا يبصرونه(15). (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ختم الآية بقوله (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ليبين أنه غير محتاج إلى من ينصره فإن الله قوي عزيز ولكن ليتعلق بذلك الجزاء في الآخرة. وقد تقول: لقد قال ههنا (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) فأكد قوته وعزته بإن. وقال في مكان آخر (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) - الحج (40) فأكدهما بإن واللام فما الفرق؟ فنقول: إن كل تعبير مناسب للسياق الذي ورد فيه وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى في سورة الحج: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) - الحج (39-40). فأنت ترى أن الكلام هو في سياق الإذن للمؤمنين بالجهاد وقتال الأعداء بعدما أخرجوا من ديارهم وقوتلوا ظلماً. وقد ذكر أن الله قادر على نصرهم وقد وعدهم بالنصر فقال مؤكداً ذاك (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) . ولا شك أن النصر محتاج إلى قوة فأكد قوته وعزته بـ (إن) واللام، وقد ناسب تأكيد النصر تأكيد القوة. وليس السياق كذلك في الحديد. قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) فأنت ترى أنها ليست في سياق الجهاد والقتال ولا في سباق نصر الله للمؤمنين. بل في سياق نصر المؤمنين لدعوة (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ) فالأولى في نصره هو لجنوده المستضعفين فأكد قوته. والثانية في نصر المؤمنين لدعوته؛ فزاد في المقام الذي يقتضي زيادة التأكيد(16). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 289 إلى ص 296. (1) أنظر تفسير الرازي 29/241. روح المعاني 27/288. (2) تفسير الرازي 29/241 – 242. (3) تفسير ابن كثير 4/372. (4) روح المعاني 27/288. (5) التحرير والتنوير 27/416. (6) البحر المحيط 10/113. (7) لسان العرب (قسط) – دار صادر – 7/377 – 378. (8) لسان العرب (عدل) 11/430 – 431. (9) روح المعاني 27/288 – 289. (10) أنظر لسان العرب (بأس) 6/20. (11) تفسير الرازي 29/242. (12) أنظر تفسير الرازي 29/243، روح المعاني 27/288، الكشاف 4/66. (13) الكشاف 4/66. (14) البحر المحيط 10/114. (15) الكشاف 4/66 – 67. وأنظر تفسير الرازي 29/244. (16) التعبير القرآني 171 – 172.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ) . المرادُ بالميزان: العدلُ أو العقل، وقيل: هو الميزان المعروف، أنزله جبريل عليه السلام، فدفعه إلى نوح عليه السلام وقال له: مرْ قومكَ يزنوا به.
كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
موضوعات القرآن
ادعُ الله أن ينصر هذا الدين, ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ ﴾
القرآن تدبر وعمل