عن أنس بن مالك: أنّ هوازن جاءت يوم حُنين بالصِّبيان والنساء والإبل والغنم، فجعَلُوهم صُفُوفًا؛ لِيُكثِّرُوا على رسول الله ﷺ، فالتَقى المسلمون والمشركون، فوَلّى المسلمون مُدْبِرين كما قال الله عز وجل، فقال رسول الله ﷺ: «يا عبادَ الله، أنا عبد الله ورسوله». ثم قال: «يا معشر الأنصار، أنا عبد الله ورسوله». فَهزَم اللهُ المشركين، ولم يُضْرَب بسيف، ولم يُطْعَن برُمْح١
٢
عن أنس بن مالك، قال: لَمّا اجتمع يوم حُنين أهلُ مكة وأهلُ المدينة أعْجَبَتْهُم كَثْرَتُهم، فقال القوم: اليومَ -واللهِ- نُقاتِل. فَلَمّا التَقوا واشْتَدَّ القتالُ ولَّوْا مُدْبِرين، فنَدَب رسولُ الله ﷺ الأنصارَ، فقال: «يا معشر المسلمين، إلَيَّ، عبادَ الله، أنا رسولُ الله». فقالوا: إليك -واللهِ- جِئْنا. فنَكَّسُوا رُؤُوسَهم، ثم قاتَلوا حتى فَتَح الله عليهم١
٣
عن عبد الله بن عمر، قال: رَأَيتُنا يومَ حُنين وإنّ الفِئَتَيْن لَمُوَلِّيتان، وما مع رسول الله مائة رجل١
٤
عن البراء بن عازب أنّه قيل له: هل كنتم ولَّيْتم يومَ حُنَيْن؟ قال: واللهِ، ما ولّى رسولُ الله ﷺ، ولكنْ خَرَج شُبّانُ أصحابِه وأخِفّاؤُهم حُسَّرًا ليس عليهم سلاحٌ، فلَقَوْا جمعًا رُماةَ هوازن وبني نَصْر، ما يكاد يسقط لهم سَهْمٌ، فرَشَقُوهم رَشْقًا ما كادوا يُخْطِئون، فأقبلوا هنالك إلى رسول الله ﷺ وهو على بغلته البيضاء، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقُود به، فنزل، ودعا، واسْتَنصَر، ثم قال: «أنا النبيُّ لا كذِب، أنا ابنُ عبد المطلب»١. ثم صفَّ أصحابَه٢
٥
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾، يعني: مُنهَزِمين عن النبي ﷺ، فبلغ فلالُ المسلمين مكة، فلم يجعلِ اللهُ لهم النار، وهذا بعد قتال أحد١
٦
قال محمد بن السائب الكلبي: كان حولَ رسول الله ﷺ ثلاثمائةٌ مِن المسلمين، وانهزم سائرُ الناس١
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ لا تَلْوُون على شيء١
٨
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾، قال: هذا مِمّا يَمُنُّ الله به عليهم؛ مِن نصره إيّاهم في مواطن كثيرة١
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾، يعني: يوم بدر، ويوم قريظة، ويوم النضير، ويوم خيبر، ويوم الحديبية، ويوم فتح مكة١
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿ويوم حنين﴾، وحنين: فيما بين مكة والمدينة١
عن عروة بن الزبير -من طريق هشام بن عروة-: أنّ النبيَّ ﷺ أقام عام الفتح نصفَ شهر، ولم يَزِد على ذلك، حتى جاءته هوازنُ وثَقيفٌ، فنزلوا بحُنين، وحُنين: وادٍ إلى جَنب ذي المَجاز١
١٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: حُنَيْن: ماءٌ بين مكة والطائف، قاتل نبيَّ الله ﷺ هَوازِنُ وثَقِيفٌ، وعلى هَوازِنَ مالكُ بن عوف، وعلى ثَقِيفٍ عبدُ يالِيل بن عمرو الثقفي١
١٤
عن معمر، قال: قال [محمد ابن شهاب] الزهري:.. حنين: وادٍ في قُبُل الطائف، ذو مياهٍ، وبه من المشركين يومئذ عَجُزُ هوازن، ومعهم ثقيف١
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿و﴾نصركم ﴿يوم حنين﴾، وهو وادٍ بين الطائف ومكة، ﴿إذ أعجبتكم كثرتكم﴾١
١٦
عن الحسن البصري، قال: لَمّا اجتمع أهلُ مكة وأهلُ المدينة قالوا: الآنَ –واللهِ- نُقاِتلُ حين اجْتَمَعْنا. فكَرِه رسولُ الله ﷺ ما قالوا، وما أعْجَبَهم من كَثْرَتِهم، فالتَقَوا، فهُزِموا حتى ما يقومُ منهم أحَدٌ على أحدٍ، حتى جعَل رسولُ الله ﷺ ينادي أحياء العرب: «إلَيَّ إلَيَّ». فواللهِ، ما يَعْرُجُ إليه أحدٌ، حتى أعْرى موضعه١، فالتَفَتَ إلى الأنصار وهم ناحيةٌ، فناداهم: «أيا أنصارَ اللهِ وأنصارَ رسوله، إلَيَّ عِبادَ اللهِ، أنا رسول الله». فَجَثَوا يَبْكون، وقالوا: يا رسولَ الله، وربِّ الكعبة، إليك، واللهِ. فنَكَّسُوا رُؤُوسَهم يبكون، وقَدَّموا أسيافَهم يَضْرِبون بين يَدَيْ رسول الله ﷺ، حتى فتح الله عليهم٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفًا؛ عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطُّلَقاء. وذُكِر لنا: أنّ رجلا قال يومئذ: لن نُغْلَب اليوم بكثرة١
١٩
قال الرَّبيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-: وكانوا اثْنَيْ عشر ألفًا، منهم ألفان من أهل مكة١
٢٠
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾ الآية: إنّ رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم حُنَيْن قال: يا رسول الله، لن نُغْلَب اليوم مِن قِلَّةٍ. وأعْجَبَتْه كثرةُ الناس، وكانوا اثني عشر ألفًا. فسار رسول الله ﷺ، فوُكِلُوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله ﷺ، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن ابن أم أيمن، قُتِل يومئذ بين يديه. فنادى رسولُ الله ﷺ: «أين الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة؟». فتراجع الناسُ، فأنزل اللهُ الملائكةَ بالنصر، فهزموا المشركين يومئذ، وذلك قوله: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها﴾ الآية١
٢١
عن إسماعيل بن أبي خالد -من طريق مالك بن مغول- في قوله: ﴿ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم﴾، فقال رجل: لا نغلب اليومَ لكثرة١
٢٢
عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عُمير الليثيّ، قال: كان مع النَّبيِّ ﷺ أربعةُ آلاف من الأنصار، وألفٌ مِن جُهَينة، وألفٌ مِن مُزَيْنَة، وألفٌ مِن أسْلَم، وألفٌ مِن غِفار، وألفٌ مِن أشْجَع، وألفٌ مِن المهاجرين وغيرهم؛ فكان معه عشرة آلاف، وخرج باثْنَيْ عشر ألفًا، وفيها قال الله تعالى في كتابه: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا﴾١
٢٣
قال محمد بن السائب الكلبي: كانوا عشرةَ آلاف، وكانوا يومئذ أكثرَ ما كانوا قَطُّ، والمشركون أربعةُ آلاف مِن هوازنَ وثقيفٍ، وعلى هوازنَ مالكُ بن عوف النصري، وعلى ثقيفٍ كنانةُ بن عبد ياليل الثقفي، فلمّا التقى الجمعان قال رجل من الأنصار يُقال له: سلمة بن سلامة بن وقش: لن نُغْلَب اليوم عن قِلَّة. فساء رسولَ الله ﷺ كلامُه، ووُكِلوا إلى كلمة الرجل. وفي رواية: فلم يرضَ اللهُ قولَه، ووَكَلَهم إلى أنفسهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم المشركون، وخَلَّوْا عن الذَّراري، ثم نادَوْا: يا حُماةَ السَّوادِ، اذكروا الفضائح. فتراجعوا، وانكشف المسلمون١
٢٤
قال مقاتل بن سليمان:... وذلك أنّ المسلمين كانوا يومئذ أحد عشر ألفًا وخمسمائة، والمشركون أربعةُ آلاف، وهوازن، وثقيف، ومالك بن عوف النَّصْرِي على هوازن، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلمّا التقَوْا قال رجلٌ من المسلمين: لن نُغْلَب اليوم مِن كثرتنا على عدوِّنا. ولم يَسْتَثْنِ في قوله، فكره النبيُّ ﷺ قولَه؛ لأنّه كان قال ولم يَسْتَثْنِ في قوله١
٢٥
قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني بعض أهل مكة: أنّ رسول الله ﷺ قال حين فَصَل من مكة إلى حُنَيْنٍ، ورأى كثرة مَن معه من جنود الله: «لَن نُغْلَب اليومَ مِن قِلَّة». قال ابن إسحاق: وزعم بعضُ الناس: أن رجلًا مِن بني بكر قالها١
٢٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا﴾، قال: كانوا اثني عشر ألفًا١
٢٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾، يعني: برَحْبها، وسَعَتها١
٢٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: أول ما نزل من براءة: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾، يُعَرِّفُهم نصرَه، ويُوَطِّنُهم لغزوة تبوك١
آثار متعلقة بالآية
قول واحد
١
عن الحسن البصري -من طريق أبي الأشهب- قوله: ﴿وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾، قال: هكذا يقع ذنبُ المؤمن مِن قلبه١
آثار في سياق غزوة حنين
٧ أقوال
١
عن العباس بن عبد المطلب، قال: شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ يوم حُنين، فلقد رأيتُ النبيَّ ﷺ وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلَزِمْنا رسولَ الله ﷺ، فلم نُفارِقْه، وهو على بغلتِه الشَّهْباء التي أهْداها له فَرْوَةُ بن نُفاثةَ الجُذامِيُّ، فلما التَقى المسلمون والمشركون ولّى المسلمون مُدْبِرين، وطَفِق النَّبيُّ ﷺ يَرْكُضُ١ بغلتَه قِبَل الكفار، وأنا آخِذٌ بلِجامِها أكُفُّها إرادةَ ألّا تُسْرِع، وهو لا يَأْلُو ما أسْرَعَ نحْوَ المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخِذٌ بغَرْز٢ رسولِ الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «يا عباسُ، نادِ: يا أصحابَ السَّمُرَة، يا أصحابَ سورة البقرة». وكنتُ رجلًا صَيِّتًا، فقلتُ بأعلى صوتي: يا أصحابَ السَّمُرَة، يا أصحاب سورة البقرة. فواللهِ، لَكَأَنِّي عَطَفْتُهم حين سَمِعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك. فأقْبَل المسلمون، فاقْتَتَلوا هم والكفارَ٣، وارْتَفَعَت الأصوات وهم يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قُصِرَت الدعوةُ على بني الحارث بن الخَزْرج، فتطاول رسولُ اللهِ ﷺ وهو على بَغْلَتِه، فقال: «هذا حين حَمِيَ الوَطيسُ»٤. ثُمَّ أخَذَ رسولُ اللهِ ﷺ حَصَياتٍ، فرَمى بِهِنَّ وجوهَ الكفار، ثم قال: «انْهَزَموا، وربِّ الكعبة». فذَهَبتُ أنظُرُ، فإذا القتالُ على هيئته فيما أرى، فما هو إلا أن رماهم رسولُ الله ﷺ بحَصَياته، فما زلتُ أرى حَدَّهم كَلِيلًا، وأمْرَهم مُدْبِرًا حتى هَزَمَهم اللهُ عز وجل٥
٢
عن أبي عبد الرحمن الفهري، قال: كُنّا مع رسول الله ﷺ في حُنَيْن، فسِرْنا في يوم قائِظٍ شديدِ الحَرِّ، فنزلنا تحت ظِلال الشَّجَر، فلَمّا زالتِ الشمسُ لَبِستُ لَأْمَتي، ورَكِبتُ فرسي، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ وهو في فُسطاطِه، فقلتُ: السلامُ عليك -يا رسول الله- ورحمةُ الله، قد حان الرَّواحُ؟ قال: «أجل». ثم قال رسول الله ﷺ: «يا بلالُ». فثار مِن تحت سَمُرَةٍ كأن ظِلَّه ظِلُّ طائر، فقال: لبَّيْك وسَعْديْك، وأنا فِداؤُك. ثم قال: «أسْرِجْ لي فرسي». فأتاه بدَفَّتَيْن مِن لِيفٍ ليس فيهما أشَرٌ ولا بَطَرٌ. قال: فرَكِب فرسَه، ثُمَّ سِرْنا يَوْمَنا، فلَقِينا العدُوَّ، وتَشامَّتِ١ الخَيْلان، فقاتَلْناهم، فولّى المسلمون مُدْبِرين كما قال الله عز وجل، فجعَل رسولُ الله ﷺ يقول: «يا عبادَ الله، أنا عبدُ الله ورسولُه، يا أيها الناس، إلَيَّ، أنا عبد الله ورسوله». فاقْتَحَم رسولُ الله ﷺ عن فرسه. وحَدَّثني مَن كان أقْرَبَ إليه مِنِّي: أنّه أخذ حَفْنَةً مِن تراب، فحَثاها في وُجُوهِ القوم، وقال: «شاهَتِ الوُجُوه». قال يعلى بن عطاء: فأخْبَرَنا أبناؤُهم عن آبائِهم أنّهم قالوا: ما بَقِيَ مِنّا أحدٌ إلا امْتَلَأَتْ عَيناهُ وفَمُه مِن التراب، وسَمِعْنا صَلْصَلَةً من السماء كمَرِّ الحديد على الطَّسْت الحديد، فهزمهم اللهُ عز وجل٢
٣
عن سَلَمَة بن الأَكْوَع، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حُنينًا، فلمّا واجَهْنا العدوَّ تقدَّمتُ فأَعْلُو ثَنِيَّةً، فاستقبلني رجلٌ مِن العدو، فأرْميه بسهم، فتوارى عنِّي، فما دَرَيْتُ ما صَنَع، فنظرتُ إلى القوم فإذا هم قد طلَعوا مِن ثَنِيَّةٍ أخرى، فالتقَوا هُم وأصحابَ النبيِّ ﷺ، وأنا مُتَّزِرٌ، وأرْجِعُ منهزمًا، وعَلَيَّ بُرْدتان مُتَّزِرًا بإحداهما، مُرْتَديًا بالأخرى، فاستَطْلَقَ إزاري، فجمَعتُهما جميعًا، ومررتُ على رسول الله ﷺ مُنهزِمًا١، وهو على بغلتِه الشَّهْباء، فقال رسول الله ﷺ: «لقد رأى ابنُ الأكوع فَزعًا». فلمّا غَشُوا رسولَ الله ﷺ نزَلَ عن البغلة، ثم قبَض قبْضةً مِن تراب مِن الأرض، ثم استقبَل به وجوهَهم، فقال: «شاهَتِ الوجوه». فما خلَق الله منهم إنسانًا إلا مَلأَ عينيه ترابًا بتلك القَبْضة، فوَلَّوا مدبرين، فهزَمهم الله، وقسَم رسولُ الله ﷺ غنائمَهم بينَ المسلمين٢
٤
عن جابر بن عبد الله، قال: نَدَب رسولُ الله ﷺ يومَ حُنين الأنصارَ، فقال: «يا معشرَ الأنصار». فأجابوه: لبيك، بأبينا أنتَ وأُمِّنا، يا رسول الله. قال: «أقْبِلُوا بوجوهِكم إلى الله ورسوله؛ يُدْخِلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار». فأَقْبَلُوا ولهم حَنينٌ، حتى أحْدَقُوا به كَبْكَبَةً١، تَحاكُّ مَناكِبُهم، يُقاتِلون، حتى هزَم اللهُ المشركين٢
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين﴾ حتى بلغ: ﴿وذلك جزاء الكافرين﴾، قال: وحُنَيْن: ماءٌ بين مكة والطائف، قاتل عليها نبي الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف أخو بني نصر، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي. قال: وذُكِر لنا: أنّه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفًا؛ عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطُّلَقاء. وذُكِر لنا: أنّ رجلًا قال يومئذٍ: لن نُغْلَبَ اليوم بكثرةٍ. قال: وذُكِر لنا: أنّ الطُّلَقاء انجَفَلوا يومئذٍ بالناس، وجَلَوا عن نبي الله ﷺ حتى نزل عن بغلته الشهباء. وذُكِر لنا: أنّ نبي الله قال: «أيْ ربِّ، آتِني ما وعدتني». قال: والعباسُ آخِذٌ بلِجامِ بغلةِ رسول الله ﷺ، فقال له النبيُّ: «نادِ: يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين». فجعل ينادي الأنصار فخذًا فخذًا، ثم قال: «يا أصحاب سورة البقرة». قال: فجاء الناس عُنُقًا واحدًا١. فالتفت نبيُّ الله ﷺ، وإذا عصابةٌ من الأنصار، فقال: «هل معكم غيركم؟». فقالوا: يا نبيَّ الله، واللهِ، لو عَمَدْتَ إلى بَرْكِ الغِماد٢ مِن ذي يَمَنٍ لَكُنّا معك. ثم أنزل الله نصرَه، وهزم عدوَّهم، وتراجع المسلمون. قال: وأخذ رسولُ الله كفًّا مِن تراب، أو قبضة من حَصْباء، فرمى بها وجوهَ الكفار، وقال: «شاهَتِ الوجوهُ». فانهزموا. فلمّا جمع رسولُ الله ﷺ الغنائمَ، وأتى الجِعْرانَة، فقسم بها مَغانِمَ حنين، وتَأَلَّف أُناسًا مِن الناس، فيهم أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار: أمِنَ الرجلُ وآثَرَ قومَه. فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ وهو في قُبَّةٍ له مِن أدَم٣، فقال: «يا معشر الأنصار، ما هذا الذي بلغني؟! ألم تكونوا ضُلّالًا فهداكم الله، وكنتم أذِلَّةً فأعَزَّكم الله، وكنتم، وكنتم؟!». قال: فقال سعد بن عبادة: ائْذَن لي فأَتَكَلَّم. قال: «تكلم». قال: أمّا قولك: «كُنتم ضُلّالًا فهداكم الله» فكُنّا كذلك، «وكنتم أذلة فأعزكم الله» فقد علمت العرب ما كان حَيٌّ مِن أحياءِ العرب أمنعَ لِما وراء ظهورهم مِنّا. فقال عمر: يا سعدُ، أتدري مَن تُكَلِّم؟! فقال: نعم، أُكَلِّم رسولَ الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو سَلَكَتِ الأنصارُ وادِيًا والناسُ وادِيًا لَسَلَكْتُ واديَ الأنصار، ولولا الهجرةُ لكنتُ امْرَأً مِن الأنصار». وذُكِر لنا: أنّ نبيَّ الله ﷺ كان يقول: «الأنصار كرشي وعيبتي٤، فاقْبَلُوا مِن مُحسِنهم، وتجاوزوا عن مُسِيئهم». ثم قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، أما تَرْضَوْن أن ينقلِبَ الناسُ بالإبِل والشّاءِ، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم؟». فقالت الأنصار: رضينا عن اللهِ ورسوله، واللهِ، ما قلنا ذلك إلا ضَنًّا برسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ اللهَ ورسولَه يُصَدِّقانِكم ويَعْذُرانِكم»٥
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّ أُمَّ رسول الله ﷺ التي أرضعته أو ظِئْرَه مِن بني سعد بن بكر أتَتْهُ، فسَأَلَتْهُ سبايا يومَ حُنَيْن، فقال رسول الله ﷺ: «إنِّي لا أملكهم، وإنّما لي منهم نصيبي، ولكن ائْتِيني غدًا فسليني والناسُ عندي، فإنِّي إذا أعطيتُكِ نصيبي أعطاكِ الناسُ». فجاءت الغدَ، فبسط لها ثوبًا، فقَعَدَتْ عليه، ثم سألته، فأعطاها نصيبَه، فلما رأى ذلك الناسُ أعْطَوْها أنصباءَهم١
٧
عن سعيد بن المسيب -من طريق الزهري-، وعن قتادة بن دعامة -من طريق معمر-: أنّهم أصابوا يومئذٍ سِتَّةَ آلافِ سَبْيٍ، ثم جاء قومُهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول الله، أنت خيرُ الناس، وأبَرُّ الناس، وقد أخَذْتَ أبناءنا ونساءنا وأموالنا. فقال النبيُّ - ﷺ -: «إنّ عندي مَن ترون، وإنّ خيرَ القولِ أصدقُه، اختاروا إمّا ذراريكم ونساءَكم، وإمّا أموالكم». قالوا: ما كنا نَعْدِل بالأحسابِ شيئًا. فقام رسول الله - ﷺ -، فقال: «إنّ هؤلاء قد جاءوني مسلمين، وإنّا خيَّرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدِلوا بالأحساب شيئًا، فمَن كان بيده منهم شيءٌ فطابت نفسُه أن يَرُدَّه فبسبيل ذلك، ومَن لا فلْيُعْطِنا، ولْيَكُن قرضًا علينا حتى نصيبَ شيئًا فنعطيَه مكانَه». فقالوا: يا نبيَّ الله، رضِينا وسَلَّمْنا. فقال: «إنِّي لا أدري، لعلَّ منكم مَن لا يَرْضى، فمُرُوا عُرَفاءَكم فليرفعوا ذلك إلينا». فرَفَعَتْ إليه العُرفاءُ أن قد رَضُوا وسَلَّموا١
نزول الآية
٤ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لَمّا كان يوم حُنين ولّى المشركون، ووَلّى المسلمون، وثَبَت النبيُّ ﷺ، فقال: «أنا محمد رسول الله» ثلاث مرات. وإلى جنبه عمُّه العباس، فقال النبيُّ ﷺ لعَمِّه: «يا عباسُ، أذِّنْ: يا أهلَ الشجرة». فجاءوه مِن كل مكان: لَبَّيْك لَبَّيْك. حتى أظَلُّوه برِماحِهم، ثم مضى، فوَهَب اللهُ له الظَّفَر؛ فأنزل الله: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ الآية١
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾، قال: هي أوَّلُ ما أنزل الله تعالى من سورة براءة١
٣
عن معمر، قال: قال [محمد ابن شهاب] الزهري:... رجع رسول الله ﷺ بِمَن معه مِن قريش -وهي كنانة- ومَن أسلم يوم الفتح قِبَل حُنَيْن، وحُنَين وادٍ في قُبُلِ١ الطائف ذو مياهٍ، وبه من المشركين يومئذ عَجُزُ هوازن٢، ومعهم ثقيف، ورأس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري، فاقتتلوا بحُنَين، فنصر الله نبيَّه ﷺ والمسلمين، وكان يومًا شديدًا على الناس، فأنزل الله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين﴾ الآية. قال معمر: قال الزهري: وكان رسول الله ﷺ يَتَأَلَّفُهم، فلذلك بعث خالد بن الوليد يومئذ٣
٤
عن الرَّبيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- أنّ رجلا قال يوم حُنَيْن: لن نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ، فشَقَّ ذلك على رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾...١