عن عبد الله بن عمر، قال: لَمّا استشارَ النبيُّ ﷺ الناسَ في أُسارى بدر؛ قال رسول الله ﷺ: «مَلَكان مِن الملائكة أحدُهما أحْلى مِن الشَّهد، والآخرُ أمرُّ مِن الصبر، ونَبِيّان مِن الأنبياء أحدُهما أحلى على قومِه من الشَّهد، والآخرُ أمرُّ على قومه من الصبر؛ فأما النَّبِيان فنوحٌ قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾. وأما الآخر فإبراهيمُ إذ قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]. وأما الملَكان فجبريل وميكائيل، هذا صاحبُ الشدة، وهذا صاحبُ اللِّين، ومَثَلُهما في أُمَّتي أبو بكرٍ وعمر»١
٢
عن عبد الله بن عباس، أن النبيَّ ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «ألا أًخبِرُكما بمثلِكما في الملائكة ومثلِكما في الأنبياء؟ مَثَلُك -يا أبا بكرٍ- في الملائكة مثَلُ ميكائيل، ينزِلُ بالرحمة، ومَثَلُك في الأنبياء مَثَلُ إبراهيم، قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]. ومَثَلُك -يا عمر- في الملائكة مَثَلُ جبريل، ينزِلُ بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله، ومَثَلُك في الأنبياء مَثَلُ نوح، قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾»١
٣
عن عبد الله بن مسعود -من طريق ابنه أبي عبيدة- قال: لما كان يومُ بدر جِيءَ بالأُسارى، وفيهم العباس، فقال رسول الله ﷺ: «ما ترَوْن في هؤلاء الأُسارى؟». فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومُك وأهلُك، اسْتَبْقِهم؛ لعلَّ الله أن يتوبَ عليهم. وقال عمر: يا رسول الله، كَذَّبوك وأخرَجوك وقاتَلوك، قَدِّمْهم فاضرِبْ أعناقَهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظُرْ واديًا كثير الحطب، فأضْرِمْه عليهم نارًا. فقال العباس وهو يسمعُ ما يقولُ: قَطَعْتَ رحِمَك. فدخل النبيُّ ﷺ، ولم يَرُدَّ عليهم شيئًا، فقال أناسٌ: يأخُذُ بقول أبي بكر. وقال أناسٌ: يأخُذُ بقول عمر. وقال أناسٌ: يأخُذُ بقول عبد الله بن رواحة. فخرَج رسول الله ﷺ، فقال: «إن الله لَيُلَيِّنُ قلوبَ رجالٍ حتى تكون ألينَ مِن اللبن، وإنّ الله ليُشَدِّدُ قلوبَ رجالٍ فيه حتى تكونَ أشدَّ مِن الحجارة، مَثَلُك -يا أبا بكر- مَثَلُ إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم:٣٦]. ومَثَلُك -يا أبا بكر- كمَثَلِ عيسى عليه السلام، قال: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة:١١٨]. ومَثَلُك -يا عمر- كمَثَلِ نوح عليه السلام إذ قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾. ومَثَلُك -يا عمر- كمَثَلِ موسى عليه السلام إذ قال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس:٨٨]. أنتم عالةٌ، فلا يَنفَلِتَنَّ منهم أحدٌ إلا بفِداءٍ أو ضرْبةِ عُنُقٍ»١
٤
عن أبي أُمامة -من طريق لقمان- قال: لم يتَحسّر أحدٌ مِن الخلائق كحَسْرة آدم ونوح؛ فأمّا حَسْرة آدم فحين أُخرج من الجنة، وأمّا حَسْرة نوح فحين دعا على قومه، فلم يَبقَ شيء إلا غَرق، إلا ما كان معه في السفينة، فلمّا رأى الله حُزنه أوحى إليه: يا نوح، لا تتَحسّر؛ فإنّ دعوتك وافقتْ قَدري١
٥
قال أبو العالية الرِّياحيّ، والحسن البصري: لو أهلك أطفالَهم معهم لَكان عذابًا مِن الله لهم، ولكن الله تعالى أهلك ذُرّيتهم وأطفالهم بغير عذاب، ثم أهلكهم١
تفسير
٣ أقوال
١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم، في قوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾، قال: واحدًا١
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾، قال: أما -واللهِ- ما دعا عليهم نوحٌ حتى أوحى الله إليه: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]. فعند ذلك دعا عليهم، ثم دعا دعوة عامّة فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾١
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ يعني: أحدًا، وذلك أنّ الله -تبارك وتعالى- قال: ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]. وذلك أنّ الله تعالى كان أخرج كلّ مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم، فلمّا أُخبِر بذلك دعا عليهم قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾١