سورة الحديد | الآية ٢٧

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

وقفات مع سور وآيات
(ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) العقل البشري يربي على (التعذيب) ، أما الوحي فيربي على (التعبيد) قال الله عن عيسى : (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) فكل نصراني ليس في قلبه (رأفة ورحمة) فاتباعه كاذب
عقيل الشمري
وقفات مع سور وآيات
(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ (اتَّبَعُوهُ) (رَأْفَةً وَرَحْمَةً)) يجعل الله في قلوب عباده من الرحمة بحسب متابعتهم للرسل
عبدالله بلقاسم
وقفات مع سور وآيات
{ورهبانية ابتدعوها} ثم يقول {فما رعوها حق رعايتها} ذم الله من لم يرعَ قربة ابتدعها لله،فكيف بمن لم يرعَ قربة شرعها الله لعباده؟
فوائد القرآن
وقفات مع سور وآيات
﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة﴾ ،، خير أتباع الأنبياء قلبٌ امتلأ رأفة ورحمة . رب املأ قلوبنا منهما
إبراهيم العقيل
وقفات مع سور وآيات
قال عبد الرحمن بن عمر: ذُكِر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع، واجتهادهم في العبادة، فقال: لا يقبل الله إلَّا ما كان على الأمر والسُّنة؛ ثم قرأ: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)، فلم يقبل ذلك منهم، ووبَّخهم عليه، ثم قال: الزم الطريق والسنة.
حلية الأولياء
وقفات مع سور وآيات
ذُكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع، واجتهادهم، فقال: لا يقبل الله إلا ما كان الأمر والسنة{ورهبانية ابتدعوها}
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
﴿وكثير منهم فاسقون﴾ تكررت في سورة الحديد ٣مرات وفي القرآن مثلها كثير حتى لا يغتر أحد بالكثرة أويستدل بها على الحق أهل الحق قليل
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها... الآية يا لجمال السياق ويالجمال التاريخ والشريعة
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} الله يأمرنا بالاتباع لا بالابتداع.
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
يجعلُ الله في قلوب الخلق من الرأفة والرحمة بحسب نصيبهم من اتباع الرسل والشرع المطهر.
مصحف تدبر المفصل
وقفات مع سور وآيات
من ابتدع بدعة لم يوفق لإقامتها ولو اجتهد , فما بني علي باطل آل إلي باطل .
مصحف تدبر المفصل
وقفات مع سور وآيات
ذم الله الغلو في العبادة وحرمه، فكيف بالغلو الذي يستبيح الدماء، ويجعل التكفير سيفاً مصلتاً على رقاب أهل الإسلام!.
مصحف تدبر المفصل
وقفات مع سور وآيات
عجبا لمن يسن سنة باطلة وطريقة منحرفة , ويزينها للناس , ثم يكون أول مضيع لها ناشز عنها !
مصحف تدبر المفصل
بلاغة القرآن
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)) *نظرة عامة على الآية : قال سبحانه وتعالى قبل هذه الآية (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (26)) ثم قال (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)) إذن ربنا سبحانه وتعالى بعد أن ذكر نوح وإبراهيم وقال وجعلنا في ذريتهم النبوة والكتاب قال وقفينا بعيسى ابن مريم. ذكر عيسى أولاً لأنه آخر الرسل قبل النبي الخاتم، السلسلة تنتهي عنده وخاتمة الرسل تنتهي قبل محمد  عند عيسى وتنتقل إلى بني إسماعيل عند سيدنا محمد ، هذا أمر والأمر الآخر هو ذكر الكتاب الذي أنزل إليه وذكر أتباعه (وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) ذكر الكتاب وذكر أتباعه ويذكر عنهم أمراً من الأمور فلا بد من ذكره. ولما أراد أن يذكر كتابه وأتباعه وأراد أن يخصهم بأمر ثم يذكر هذا الأمر فلا بد أن يذكره. إذن ذكر الكتاب الذي هو الإنجيل (وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ) ثم ذكر أتباعه (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) ثم هو تفرد عن بقية الرسل هو من ذرية إبراهيم لكن ليس من جهة الأب وإنما من جهة الأم ويختلف عن جميع الرسل فإذن هناك جملة أمور تقتضي ذكره. أبرزها ذكر الكتاب وذكر أتباعه وذكر أموراً تتعلق بأتباعه إضافة إلى أمور أخرى ولذلك اقتضى هذا الأمر أن يُخصص بالذكر. عيسى تنتهي الرسالة به قبل سيدنا محمد  يمتد نسبه إلى إبراهيم ولكن يختلف عن جميع الرسل لأنه من جهة الأم ثم ذكر كتابه وأتباعه فالأمر يقتضي أن يُذكر. *هنا قال (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وفي سورة المائدة قال (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) فما دلالة الاختلاف؟ الآية (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)) السؤال هو لماذا قال (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا)؟ وقال في آية الحديد (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) ولم يقل وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم كما قال في المائدة؟. أول مرة قال (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا) ثم لم يقل في عيسى وقفينا على آثارهم وإنما قال وقفينا بعيسى ابن مريم ثم قال في المائدة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) إذن هناك أكثر من سؤال. أولاً ما معنى قفّينا؟ معنى قفى على أثره يدل على قرب ما بين الماشيين أي جاء الثاني قبل أن يزول أثر الأول، الأثر لم يزل بعد فمعناه يصير قرب ولو كان الوقت طويل يزول الأثر ولا يبقى. لو تأخر الأمر أعواماً طويلة يزول الأثر. تلك قال (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم) لأن الرسل متتابعة وهنا بالنسبة لعيسى قال وقفينا بعيسى ابن مريم معناه إذن أن المسافة طويلة بين عيسى ومن قبله، ويُذكر أن آخر واحد قبل عيسى هو يونس ابن متى وبينهما حوالي 800 سنة. آخر من يُذكر من الرسل قيل يونس في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد يعني 800 سنة هذا ليس على أثره وإنما (وقفينا) ليس على أثره. *في الآية قبلها (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (26) الحديد) (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا (27)) ثم تفيد التراخي في اللغة العربية إذن الفترة طويلة؟ لكن لم يزل الأثر الأول بدليل أنه بعد إبراهيم إسماعيل (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) مريم) (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (27) العنكبوت) اسحق ويعقوب ويوسف وهو رسول بنص القرآن (وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا (34) غافر) إذن الفترة بين نوح وإبراهيم وحتى عيسى قريبة نوعاً ما والأثر موجود بينما بين عيسى وآخر نبي فترة طويلة كما ذكر المؤرخون 800 سنة فانعدمت الآثار لذا قال (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ). *في المائدة قال (على آثارهم) لوجود الأثر؟ التقفية في المائدة ليست في الرسل وإنما في تقفية الربانيين والأحبار ولو قرأنا آية المائدة تختلف عن هذه الآية. لو قرأنا آية المائدة (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) يحكم بها الربانيون والأحبار ولم يقل وقفينا على آثارهم وهم لم ينقطعوا أصلاً فالأحبار والربانيون موجودون والأحبار جمع حِبْر وهو العالِم والربانيون جمع ربّاني إذن هؤلاء لم ينقطعوا. في سورة المائدة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم) متعلقة بالربانيين والأحبار وفي آية الحديد متعلقة بالأنبياء والرسل خاصة فلما كانت في الرسل قال (وقفينا) ولم يقل على آثارهم ولما كان الكلام على الربانيين والأحبار وهو لم ينقطعوا قال على آثارهم. *(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ) ما معنى رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم؟ (رهبانية ابتدعوها) هذا يسموه من باب الاشتغال يعني وابتدعوا رهبانية. رهبانية الترهب أي الانقطاع إلى الله تعالى والتبتّل وما إلى ذلك. قال (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) وابتدعوا رهبانية (رهبانيةً منصوبة على الاشتغال وهي مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور معناه وابتدعوا رهبانية) إذن جعل في قلوبهم رأفة ورحمة وابتدعوا رهبانية لأن الرهبانية لا تكون في القلب، رهبانية ليست معطوفة مباشرة على (وجعلنا). إذن هي وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة، وابتدعوا رهبانية (وابتدعوا) الواو هنا عطف جملة على جملة (وجعلنا). قد يظن البعض أن رهبانية معطوفة على جعلنا رأفة ورحمة وقسم من المفسرين قالوا هكذا ولكن كيف جعلها وكيف ابتدعوها وهو لم يكتبها عليهم فكيف جعلها إذن؟ هذه الظاهرة تسمى الاشتغال مثل (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106) الإسراء) أصلها وفرقنا قرآناً (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) الرحمن) أصلها رفع السماء. وهنا (ورهبانية ابتدعوها) أي ابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، إذن هو لم يكتبها عليهم فكيف يجعلها؟ (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. ما معنى إلا ابتغاء رضوان الله؟ إذن هم ابتدعوا الرهبانية لأحد أمرين: ليرضوا ربهم هذا أحد الرأيين في التفسير. في الإخبار قال (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) يعني هم ابتدعوها ولم يرعوها حق رعايتها كما يجب على الناذر إذا نذر عليه أن يفي بالنذر. ابتدعوا رهبانية ليرضوا الله لكن لم يفعلوها هذا أحد التفسيرين، وفي الإخبار عنهم بقوله (ورهبانية ابتدعوها) ذمٌ من وجهين: الوجه الأول أنهم ابتدعوا الرهبانية والدين لا يؤخذ بالابتداع حتى لو كان لغرض رضوان الله لأن رضوان الله يأتي بما شرع الله، بالاتباع وليس بالابتداع كيف تظنون أن هذا يرضي ربنا فتفعل ما تشاء لا يمكن هذا وإنما هذا ذم. أولاً كونهم ابتدعوا الرهبانية حتى أياً كانت النية الابتداع لا يشفع، السُنّة الحسنة في العبادة في أصل العبادة يعني العبادة أصلها موجودة يزيد في العبادة الموجودة لكن الرهبانية ابتداع ابتدعوا على أنسفهم أمور ومع ذلك لم يوفوا بها. إذن هناك أمرين: الأمر الأول أنهم ابتدعوا الرهبانية والدين لا يؤخذ بالابتداع حتى لو ابتغوا رضوان الله والأمر الآخر أنهم لم يوفوا بها يعني ابتدعوها ولم يفوا بها. إذن الذمّ صار من جانبين الابتداع وعدم الإيفاء بحقها. حتى المفسرين في قوله تعالى (إلا ابتغاء رضوان الله) ذهبوا إلى أمرين في تفسير الآية: أولاً هم ابتدعوها لغرض ابتغاء رضوان الله والآخر لم نكتبها عليهم، لم نكتب إلا ابتغاء رضوان الله وهذا يسمى استثناء منقطع. إذن هذا لم نكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله والمفسرين يذهبون إلى أمرين أنهم ابتدعوا الرهبانية لغرض رضوان الله لكن لم يرعوها والأمر الآخر أنه لم يكتب عليهم الرهبانية (ما كتبناها عليهم) وإنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله فيقدرون فعلاً محذوفاً. (فما رعوها) متعلق برهبانية ابتدعوها وما رعوها حق رعايتها. إذن (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) هذه جملة لوحدها استثناء منقطع ليست متعلقة بابتداع الرهبانية، هذا أمر والأمر الآخر أنهم ابتدعوها ما كتبناها عليهم، لماذا ابتدعوها؟ ابتغاء رضوان الله ولم يرعوها حق رعايتها. إذن إلا ابتغاء رضوان الله قد تكون متعلقة بابتداع الرهبانية أو بما كتب الله عليهم. *في هذه الآية قال تعالى (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) وقبلها مباشرة قال (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) لم عبّر عنهم بالذين آمنوا ولم يقل فآتينا الذين رعوها حق رعايتها أجرهم؟ دل قول ربنا تعالى أن مناط الأمر هو الإيمان وليس غير ذلك من رهبانية مبتدعة. لماذا لم يقل فآتينا الذين رعوها حق رعايتها حتى لا يظن أن الله تعالى يرضى عن الابتداع حتى لو كان لغرض رضوانه. لو قال فآتينا الذين رعوها حق رعايتها معناه يرضى عن قسم من الابتداع وربنا لا يرضى عن الابتداع. لم يقل الذين رعوها حتى الذين رعوها حق رعايتها ربنا لا يرضى بذلك لأنها مبتدعة. لذلك قال (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) رجع إلى المسألة الأولى مسألة الإيمان. (رأفة ورحمة) ثم قال (ورهبانية ابتدعوها) إذن هو ذمّهم في هذا، ابتداع الرهبانية ذمّهم ربنا لا يريد إلا ابتغاء رضوانه بالشرع الذي شرعه. هناك فريق اتبع سيدنا عيسى وهناك فريق ابتدع الرهبانية. فريق ابتدع الرهبانية مع أن في قلبه رأفة ورحمة وفريق اتبع عيسى. العابد في قلبه رأفة ورحمة لكن عليه أن يعبد ربه بما شرع الله. الذين ابتدعوا الرهبانية في قلوبهم رأفة ورحمة وهذه لا تكفي المهم أن يتبع شرع الله لا أن يبتدع حتى لو كان في قلبه كل الرأفة والرحمة، مهما كان في قلبه من رأفة ورحمة إذا لم يتبع شرع الله لن يرضى عنه إذن مناط الأمر بالإيمان والإتباع. لو قال وآتينا الذين رعوها حق رعايتها يعني ربنا يرضى عنهم وسيؤتيهم أجراً. قال الذين آمنوا أي لم يبتدعوا. حتى لو رعوها حق رعايتها يسقط هذا ومناط الأمور هو الإيمان وقال (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) ولم يقل الذين رعوها حق رعايتها حتى لا يفتح باب للابتداع ولذلك قطع هذا الأمر. *(فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) والآية قبلها (فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)؟ لو قال هنا فمنهم مهتد معناه يُظن أن الذين ابتدعوا الرهبانية يوصف بالهداية وربنا لا يصفهم بالهداية ولذلك لم يذكر وإنما قال (وكثير منهم فاسقون) ولم يقل فمنهم مهتد كما قال في الآية السابقة، الآية الأولى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) هذه مسألة اتباع الرسل أما هنا فرهبانية مبتدعة لو قال فمنهم مهتد سيظن أن هنالك في الابتداع هداية إذن قال فمنهم مهتد أي من الذين ابتدعوا ورعوها حق رعايتها كان يصفهم بالهداية والله تعالى لا يريد الابتداع. حتى لو رعوها حق رعايتها لم يقل فمنهم مهتد لئلا يفتح باباً للابتداع ولئلا يُظن أن نوعاً من الابتداع فيه هداية. فقطعه مرتين بقوله (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) ولم يقل الذين رعوها ولم يقل فمنهم مهتد وإنما قال (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ). نلخّص القول أن الذين اتبعوا عيسى في قلوبهم رأفة ورحمة لكن هناك صنفان صنف آمن وصنف ابتدع ذمّه الله تعالى من جهتين أنه ابتدع ولم تشفع له نيّته ثم لم يراعي ما ابتدع لأنه نذر ولم يفي بنذره ثم تكلم عن الذين آمنوا وليس عن الذين ابتدعوها لم يقل وآتينا الذين رعوها حق رعايتها أجرهم وإنما قال الذين آمنوا يعني أسقط الابتداع مهما كانت النيّة. (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) أي كثير منهم أي من عموم المؤمنين، قليل متبعون (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف). مسألة الأكثرية في القرآن تحتاج إلى نظر (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) يوسف) (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف). * وآتيناه الإنجيل وفي المائدة قال (وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ (46)) ولم يقل في آية الحديد فيه هدى ونور؟ في المائدة ذكر قبلها التوراة وقال فيها هدى ونور فلما قال (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ (44)) وذكر الإنجيل في الآية نفسها (وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ (46)) هو ذكر التوراة وقال فيها هدى ونور وذكر الإنجيل فيه هدى ونور فلا يسكت عنه وإنما فيه هدى ونور. الهدى والنور عام في الكتب في التوراة والإنجيل والقرآن. في الحديد لم يذكر هدى ونور (وآتيناه الإنجيل)؟ لا يذكر دائماً أن فيه هدى ونور هذا يحدده السياق، عندما ذكر الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن في سياق واحد ذكرها، ذكر التوراة (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) المائدة) ثم ذكر آتيناه الانجيل فيه هدى ونور لما ذكر التوراة فيها هدى ونور ناسب أن يذكر الانجيل فيه هدى ونور هناك تكلم عن التوراة وذكر أمور تتعلق بالأحكام (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) هنا لم يذكر شيئاً يتعلق بالأحكام (وآتيناه الانجيل). *سؤال من المقدم: أليس هذا تناقض في النص القرآني أنه مرة يقول هدى ونور ومرة لا يقول؟ التناقض في أن يقول مرة فيه هدى ونور ومرة يقول ليس فيه هدى ونور أما أن تذكر بعض الصفات وأحياناً لا تذكر لأن السياق لا يقتضي كما تقول في كلامنا العادي تذكر شخصاً وتقول جاء فلان وفلان وفلان وأحياناً عندما تذكر صفات عن فلان تقول فلان جيد وكذا وكذا، أحياناً تذكر الاسم فقط ولا تذكر شيئاً من الصفات وليس دائماً تذكر الصفات، (ذلك الكتاب لا ريب فيه) وأحياناً إذا أردت أن تذكر (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) الذاريات) مرة قال مكرمين ومرة لم يقل (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ (51) الحجر). لما قال مكرمين ذكر ما يتعلق بالمكرمين ولما لم يقل مكرمين لم يتعلق. مرة قال بعجل حنيذ (فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) هود) ومرة سمين (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) الذاريات)، الحنيذ هو السمين فالحنيذ هو المشوي الذي يقطر وَدَكه أي دهنه فكلمة حنيذ تعني سمين ومشوي وما زال حاراً يقطر وَدَكه، لا تناقض بين سمين وحنيذ، السمين صفة من الصفات ولا تعارض ولا تناقض بينهم. وهذا دارج في لغة العربية حتى في كلامنا العادي أحياناً تقول سافرت إلى بلد وذهبت عند فلان وبقيت عندهم ليلة وقضيت حاجة ومرة تذكر مكارمهم فتقول ذهبت إلى فلان وذبحوا لي وسهروا معي بالتفصيل، أنت تريد أن تركز على أي شيء؟ لهذا لم يقل ربنا وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور لأنه لا يحتاج ذكر التوراة ثم بعدها ذكر وأنزلنا إليك الكتاب، ذكر التوراة والانجيل والقرآن.
موقع إسلاميات
بلاغة القرآن
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 27] . جعل أبو علي الفارسي ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ مفعولا به لفعل محذوف يفسره العامل المذكور بعده: ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾، والواو عند للاستئناف، وليست ﴿رَهْبَانِيَّةً﴾ معطوفة على ﴿ رَأْفَةً ﴾، قال في كتابه( الإيضاح العضدي): "فقوله: ﴿رَهْبَانِيَّةً ﴾ محمول على فعل، كأنه قال: (وابتدعوا رهبانية ابتدعوها)، ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على ﴿جَعَلْنَا﴾ مع وصفها بقوله: ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾؛ لأن ما يجعله هو تعالى لا يبتدعونه هم". وتبع الزمخشري أبا على الفارسي في إعرابه، وذكر قراءة الرفع لـ﴿ رَأْفَةً ﴾، لكنه فسر قوله: ﴿جَعَلْنَا﴾ بـ (وفّقنا)، فقال: "أي: وفّقناهم للتراحم والتعاطف بينهم". وهذا الإعراب منها مرجعه كونهما من المعتزلة، وهم يقولون: ما كان من أفعال العباد فلا يكون مخلوقا لله، فالرأفة والرحمة من خلق الله، والرهبانية من ابتداع الإنسان، فهي مخلوقة له، وهم يعتقدون أن ما يفعله الإنسان لا يفعله الله تعالى، ولا يخلقه. قال ابن المنير –رحمه الله- : " في إعراب هذه الآية تورط أبو علي الفارسي، وتحيز إلى فئة الفتنة وطائفة البدعة، فأعرب﴿رَهْبَانِيَّةً﴾ على أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره الظاهر، وعلل امتناع العطف، فقال: (ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على ﴿جَعَلْنَا﴾، مع وصفها بقوله: ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾؛ لأن ما يجعله هو تعالى لا يبتدعونه هم). والزمخشري ورد أيضا مورده الذميم، وأسلمه شيطانه الرجيم، فلما أجاز ما منعه أبو علي من جعلها معطوفة أعذر لذلك بتحريف الجعل إلى التوفيق فرارا مما فر منه أبو علي من اعتقاد أنذلك مخلوق الله تعالى، وجنوحا إلى الإشراك واعتقاد أنّ ما يفعلونه هم لا يفعله الله تعالى، ولا يخلقه، وكفى بما في هذه الآية دليلا بعد الأدلة القطعية والبراهين العقلية على بطلان ما اعتقداه؛ فإنه ذكر محل الرحمة والرأفة مع العلم بأن محلها القلب، فجعل قوله: ﴿ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ تأكيدا لخلقه هذه المعاني وتصويرا لمعنى الخلق بذكر محله، ولوكان المراد أمرا غير مخلوق في قلوبهم لله تعالى –كما زعما- لم يبق لقوله: ﴿ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ موقع" وأقول: إن هذا الإعراب من الفارسي والزمخشري باطل، ولا يستقيم على قواعد اللغة؛ لأن جعل هذه الآية من باب النصب على الاشتغال غير صحيح؛ فمن شروط الاسم المشتغل عنه أن يكون مختصا؛ ليصح رفعه بالابتداء، والمبتدأ لا يكون إلا معرفة، أو نكرة مختصة، أما في هذه الآية فـ﴿رَهْبَانِيَّةً﴾ نكرة غير مختصة، فلا يصح أن تكون من باب الاشتغال، وإنما الإعراب الصحيح لها أن تكون الواو عاطفة، و﴿رَهْبَانِيَّةً﴾ معطوفة على ﴿ رَأْفَةً ﴾، ووصفت (الرهبانية) بجملة ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾؛ لأن الرأفة والرحمة في القلب، ولا تكسب للإنسان فيهما، بخلاف الرهبانية فإنها أفعال بدن مع شيء في القلب، ففيها موضع للتكسب. والله أعلم.
صالح العايد
بلاغة القرآن
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا) أي على آثار نوح وإبراهيم ومن بعدهما من الذرية الذين جعل فيهم النبوة والكتاب. (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) أي واتبع الرسل بعيسى بن مريم وذكر عيسى لأنه آخر الرسل قبل الرسول الخاتم ولأنه ذكر الكتاب الذي أنزل إليه وذكر أتباعه وحالهم. واقتضى ذكره أيضا لأنه تفرد عن بقية الرسل بأنه ليس من ذرية إبراهيم من جهة الأب وإنما من جهة الأم. والمعروف في ذرية الشخص من ينتسب إليه من جهة الأب إلا أنه عده الله من ذريتهما في أية أخرى وهي قوله( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ) - الأنعام (84-85). والله سبحانه ينسبه إلى أمه رداً على النصارى الذين يزعمون أنه ابن الله. جاء في (التحرير والتنوير): وضمير الجميع في قوله (عَلَىٰ آثَارِهِمْ) عائد إلى نوح وإبراهيم وذريتهما الذين كانت فيهم النبوة والكتاب. فأما الذين كانت فيهم النبوة فكثيرون وأما الذين كان فيهم الكتاب فمثل بني إسرائيل. و(عَلَى) للاستعلاء، وأصل (قفي على أثره) يدل على قرب ما بين الماشيين أي حضر الماشي الثاني قبل أن يزول أثر الماشي الأول. وشاع ذلك حتى صار قولهم (على أثره) بمعنى بعده بقليل أو متصلاً شأنه شأن سابقه ... وفي إعادة (قفينا) وعدم إعادة (على آثارهم) إشارة إلى بعد المدة بين آخر رسل بني إسرائيل وبين عيسى فإن آخر رسل بني إسرائيل كان يونس بن متى أرسل إلى أهل نينوى أول القرن الثامن قبل المسيح (1). وقد تقول: لقد قال ههنا (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وقال في المائدة: (وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) - (46) فقال في المادة (عَلَىٰ آثَارِهِمْ) ولم يقل مثل ذلك في الحديد. فما السبب؟ والجواب أن الأمر مختلف فإن آية الحديد في تقفية الرسل. وآية المائدة في تقفية الربانيين والأحبار. قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ) ثم قال (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) فالربانيون والأحبار لم ينقطعوا فقفى على آثارهم بعيسى بن مريم. أي ليس بينهم وبينه مدة فاصلة بخلاف ما بينه وبين الرسل فإن بينه وبينهم مدة ليست بالقليلة. (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) الرأفة أخص من الرحمة وأرق (2). جاء في (تاج العروس): الرأفة أشد الرحمة أو أرقها... والذي في المجمل: أنها مطلق الرحمة وأخص ولا تكاد تقع في الكراهية، والرحمة قد تقع في الكراهية للمصلحة. وقال الفخر الرازي: الرأفة مبالغة في رحمة مخصوصة من دفع المكروه وإزالة الضر وإنما ذكر الرحمة بعدها ليكون أعم وأشمل (3). فالرأفة تتعلق بدفع الأذى والضر فهي رحمة خاصة والرحمة عامة في ذلك وغيره. قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) - الأنبياء (۱۰۷) وقال: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ۖ) - الروم (36) وقال : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ) - النحل (۸۹) وقال : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) - الأعراف (204) وقال: (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ) - الأنعام (157) وقال (أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ) - الأعراف (49) وقال (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) - هود (۲۸) وقال (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) - الكهف (65) فذلك ونحوه لا تصح فيه الرأفة فالرحمة أعم. وحيث اجتمعت الرأفة والرحمة قدمت الرأفة على الرحمة. (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) أي وابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم إلا أنهم ابتغوا بابتداعها رضوان الله غير أنهم لم يرعوها حق الرعاية فهم لم يقوموا بها حق القيام. جاء في (الكشاف) في قوله (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) : وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره (وابتدعوا رهبانية) (ابتدعوها) يعني وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) . لم نفرضها نحن عليهم. (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ) كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه. (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ) يريد أهل الرحمة والرأفة الذين اتبعوا عيسى. (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) الذين لم يحافظوا على نذرهم. ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على ما قبلها و(ابْتَدَعُوهَا) صفة لها في محل النصب أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم بمعنى وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها ما كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب على أنه كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن ويبتغوا بذلك رضا الله وثوابه. فما رعوها جميعاً حق رعايتها ولكن بعضهم. فآتينا المؤمنين المراعين منهم الرهبانية أجرهم وكثير منهم فاسقون وهم الذين لم يرعوها (4). والظاهر أن التفسير الأول أرجح من وجهين: الوجه الأول: أنه قال (ابْتَدَعُوهَا) ومعنى (ابْتَدَعُوهَا) أنه لم يكتبها عليهم. والوجه الثاني: أنه قال: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) ، والرهبانية أمر بدني سلوكي وليس قلبياً فلا يصح عطفها على ما قبلها (5) والله أعلم. وفي الإخبار عنهم بقوله (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) ذم من وجهين: الوجه الأول: أنهم ابتدعوا الرهبانية. والدين لا يؤخذ بالابتداع حتى لو كان ذلك لغرض رضوان الله فإن رضوان الله يتوصل إليه بما شرع هو لا بابتداع البشر كائناً من كان. والوجه الثاني أنهم لم يقوموا بما عاهدوا عليه أنفسهم حق القيام ولم يلتزموا بما شرعوه تقرباً لله - كما زعموا - فهم كالناذر الذي لم يوف بنذره. جاء في (تفسير ابن كثير): (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) أي ما شرعناها لهم وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم. وقوله (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) فيه قولان: أحدهما أنهم قصدوا بذلك رضوان الله ... والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. وقوله (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) أي فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل (6). (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ 9 دل قول ربنا هذا على أن مناط الأمر هو الإيمان وليس غير ذلك من رهبانية مبتدعة، فهو لم يقل (فآتينا الذين رعوها حق رعايتها أجرهم) لئلا يظن أنه يرضى عن الابتداع لأي غرض كان حتى لو قصد بذلك رضوان الله وإنما مناط الأمر ورأس النجاة هو الإيمان. كما لم يقل كما قال في الآية السابقة (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) لئلا يظن أن الذين ابتدعوا الرهبانية أو قسماً منهم يوصف بالهداية ولئلا يحتج محتج بأن قسماً من الابتداع فيه هداية وإنما قسمهم على قسمين: من آمن منهم فلهم أجرهم. وقسم أخر فاسق، وذكر أن الفاسقين كثير. قد تقول: لقد قال في موطن آخر (وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) - المائدة (46).وواضح أن بين الآيتين تشابها واختلاف فمن ذلك: 1- أنه قال في آية الحديد (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وقال في المائدة: (وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وقد ذكرنا سبب الاختلاف بين التعبيرين. ۲- قال في المائدة (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) ولم يقل مثل ذلك في آية الحديد. 3- قال في المائدة (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) وقال في الحديد (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ) ولم يزد على ذلك. 4- ذكر في آية الحديد أتباع عيسى عليه السلام وحالتهم. وذكر في آية المائدة صفة الإنجيل فقال (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) فما سبب الاختلاف؟ فنقول: لقد اقتضى كل تعبير السياق الذي ورد فيه: ١- فإنه قال في المائدة (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) لما تقدم ذكر التوراة قبل هذه الآية ففال (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ.. ) (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ... ) (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ....) [43 – 45]. ولم يجر في سياق آية الحديد ذكر لموسى ولا للتوراة فناسب ذكر ذلك في المائدة دون الحديد. ۲- وقال في المائدة . (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) لما ذكر قبله التوراة وقال (فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ) فقد قال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ) فناسب ذكر ذلك في الإنجيل أيضاً. ولم يجر ذكر للتوراة في الحديد كما أسلفنا. 3- ذكر الكتب السماوية في المائدة وضرورة الحكم بها فقد ذكر التوراة والإنجيل ثم ذكر القرآن بعد ذلك فقال (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ...) - (48) وطلب من أهل كل كتاب أن يحكموا بما أنزل إليهم فناسب أن يختم الآية بصفة الإنجيل فقال (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) وجرى في الحديد ذكر حال الذرية والأتباع وهو السياق الذي وردت فيه آية الحديد فقد قال قبل هذه الآية: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) ثم ذكر أتباع عيسى وحالهم ثم انتهى إلى خطاب المؤمنين بسيدنا محمد وما أعد لهم. فناسب ختام كل آية السياق الذي وردت فيه. والحمد لله رب العالمين. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 298 إلى ص 302. (1) التحرير والتنوير 27/420 – 421. (2) لسان العرب (رأف). (3) تاج العروس (رأف). وأنظر التحرير والتنوير 27/421. (4) الكشاف 4/67 – 68. (5) أنظر التحرير والتنوير 13/423. (6) تفسير ابن كثير 4/373.
فاضل السامرائي