عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ الآية، قال: أمر الله تعالى نبيَّه ﷺ أن يخيّر نساءه في هذه الآية، فلم تختر واحدةٌ منهن نفسها غير الحِمْيرية١
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾، قال: اعتزلَهُنَّ رسولُ الله، ثم خيّرهن، وذلك في زينب بنت جحش وكراهيتها لنكاح زيد بن حارثة حين أمرها به رسول الله ﷺ١
٣
قال عكرمة مولى ابن عباس ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ الآية، في غيْرة كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة؛ خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وكانت تحته صفية ابنة حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وبدأ بعائشة، فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة رُئي الفرحُ في وجه رسول الله ﷺ، فتتابعن كلهن على ذلك، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة١
٤
عن عامر الشعبي -من طريق ابن أبي هند- قال: خَيَّر رسول الله - ﷺ - نساءه، فلم يك ذلك طلاقًا، فذكرتُ ذلك لقتادة، فقال: إنّما خيَّرَهُنَّ بين الدنيا والآخرة، ولم يخيّرهن الطلاق١
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-، والحسن البصري -من طريق قتادة- قالا: أمره الله أن يخيّرهن بين الدنياوالآخرة، والجنة والنار -قال الحسن: في شيء كن أردنه من الدنيا. وقال قتادة: في غيْرة كانت غارتها عائشة- وكان تحته يومئذ تسع نسوة؛ خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وكانت تحته صفية بنت حي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وبدأ بعائشة، فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة رُئي الفرح في وجه رسول الله - ﷺ - فتتابعن كلهن على ذلك، فلما خيّرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة شكرهن الله على ذلك أن قال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. فقصره الله عليهن، وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله١٢
٦
عن أبي جعفر -من طريق زياد بن أبي زياد- قال: قال نساء رسول الله ﷺ: ما نساء أغلى مهورًا مِنّا. فغار الله لنبيه ﷺ، فأمره أن يعتزلهن، فاعتزلهن تسعة وعشرين يومًا، ثم أمره أن يخيّرهن فخيّرهن١
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ يقول: كما يُمَتِّع الرجل امرأته إذا طلَّقها سوى المهر، ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ يقول: حسنًا في غير ضرار، ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ يعني: الجنة ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة. فقالت عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وحين خيّرهن النبي ﷺ: بل نختار الله والدار الآخرة، وما لنا وللدنيا! إنما جُعلت الدنيا دار فناء، والآخرة هي الباقية أحبُّ إلينا من الفانية. فرضي نساؤه كلهن بقول عائشة رضي الله عنها، فلما اخترن الله ورسوله أنزل الله عز وجل: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب:٥٢]١
٨
عن ابن مَنّاح، قال: اخترنه ﷺ جميعًا غير العامرية، فكانت ذاهبة العقل حتى ماتت١
٩
قال يحيى بن سلّام: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا * وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ الجنة١
١٠
عن عائشة -من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن-: أنّ رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخيّر أزواجه، قالت: فبدأ بي، فقال: «إني ذاكر لكِ أمرًا، فلا عليكِ أن تستعجلي حتى تستأمري أبويكِ». وقد علم أنّ أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال: إن الله قال: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى تمام الآيتين. فقلتُ له: ففي أيِّ هذا أستأمر أبوي؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلتُ١
١١
عن عائشة، قالت: حلف رسول الله ﷺ ليهجرنا شهرًا، فدخل عَلَيَّ صبيحة تسعة وعشرين، فقلتُ: يا رسول الله، ألم تكن حلفتَ لتهجرنا شهرًا. قال: «إن الشهر هكذا وهكذا وهكذا». وضرب بيديه جميعًا، وقبض إصبعًا في الثالثة، ثم قال: «يا عائشة، إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تعجلي حتى تستشيري أبويكِ». وخشي رسول الله ﷺ حداثة سِنِّي. قلتُ: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «إنِّي أُمِرْتُ أن أخيّركن». ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى قوله: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾. قالت: قلت: فيمَ أستشير أبوي، يا رسول الله؟! بل أختار الله ورسوله. فسُرَّ رسول الله ﷺ بذلك، وسمع نساؤُه فتواترن عليه١
١٢
عن عائشة -من طريق مسروق- ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾، قالت: خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يكن ذلك طلاقًا١
١٣
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -من طريق شعيب- قال: لما خيَّر رسول الله ﷺ نساءَه بدأ بعائشة، فقال: «إنّ الله خيَّركِ». فقالت: اخترتُ الله ورسوله. ثم خيّر حفصة، فقَبِلْنَ جميعًا، فاخترنَ الله ورسوله، غير العامرية اختارت قومها، فكانت بعد تقول: أنا الشقية. وكانت تلقط البَعْرَ وتبيعه، وتستأذن على أزواج النبي ﷺ وتسألهن، وتقول: أنا الشقية١
١٤
عن عبد الله بن عباس، قال: إنّما خيَّر رسولُ الله ﷺ أزواجه بين الدنيا والآخرة١
نزول الآية
٦ أقوال
١
عن عائشة -من طريق الحسن-: أنّها طلبت مِن رسول الله ﷺ ثوبًا، فأمر الله نبيَّه أن يُخيِّر نساءه: إما عند الله تُرِدْن، أم الدنيا؟١
٢
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي الزبير- قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ، فوجد الناس جلوسًا ببابه، لم يُؤذَن لأحد منهم، قال: فأُذِن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن فأُذِن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أُضحِكُ النبيَّ ﷺ. فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها، فَوَجَأْتُ١ عنقها. فضحك رسول الله ﷺ، وقال: «هُنَّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة». فقام أبو بكر إلى عائشة يجأُ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأُ عنقها، كلاهما يقول: تسألْنَ رسول الله ﷺ ما ليس عنده. فقلن: واللهِ، لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده. ثم اعتزلهن شهرًا -أو تسعًا وعشرين- ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ حتى بلغ: ﴿للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾. قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليكِ أمرًا أُحِبُّ أن لا تَعْجَلي فيه حتى تستشيري أبويك». قالت: وما هو، يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك -يا رسول الله- أستشير أبوي؟! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأةً من نسائك بالذي قلت. قال: «لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إنّ الله لم يبعثني مُعَنِّتًا، ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا»٢
٣
عن أبي سلمة الحضرمي، قال: جلستُ مع أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وهما يتحدثان، وقد ذهب بصرُ جابر، فجاء رجل فسلَّم، ثم جلس، فقال: يا أبا عبد الله، أرسلني إليك عروة بن الزبير أسألك فِيمَ هجر رسولُ الله ﷺ نساءه؟ فقال جابر: تركَنا رسول الله ﷺ يومًا وليلة لم يخرج إلى الصلاة، فأخَذَنا ما تقدَّم وما تأخر، فاجتمعنا ببابه، فنتكلم ليسمع كلامنا ويعلم مكاننا، فأطلنا الوقوف، فلم يأذن لنا، ولم يخرج إلينا، فقلنا: قد علم رسول الله ﷺ مكانكم، ولو أراد أن يأذن لكم لأذن، فتفرَّقوا لا تؤذوه. فتفرّق الناس غيرَ عمر بن الخطاب يتنحنح ويتكلم ويستأذن، حتى أذن له رسول الله ﷺ. قال عمر: فدخلتُ عليه، وهو واضعٌ يدَه على خدِّه أعرف به الكآبة، فقلت: أيْ نبيَّ الله، بأبي وأمي، ما الذي رابك؟ وما لقي الناس بعدك مِن فقْدِهم لرؤيتك؟! فقال: «يا عمر، سألنني أولاء ما ليس عندي -يعني: نساءه-، فذاك الذي بلغ بي ما ترى». فقلت: يا نبي الله، قد صككتُ جميلة بنت ثابت صكّة ألصقت خدها منها بالأرض؛ لأنها سألتني ما ليس عندي، وأنت يا رسول الله على موعد من ربك، وهو جاعِلٌ بعد العسر يسرًا. قال: فلم أزل أكلِّمه، حتى رأيتُ رسول الله ﷺ قد تحلّل عنه بعض ذلك، فخرجتُ فلقيتُ أبا بكر الصديق، فحدَّثته الحديث، فدخل أبو بكر على عائشة، فقال: قد علمتِ أنّ رسول الله ﷺ لا يَدَّخِرُ عنكُنَّ شيئًا، فلا تسأليه ما لا يجد، انظري حاجتك فاطلبيها إلَيَّ. وانطلق عمر إلى حفصة فذكر لها مثل ذلك، ثم اتبعا أمهات المؤمنين، فجعلا يذكران لهنَّ مثل ذلك؛ فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ يعني: متعة الطلاق، ويعني بتسريحهن: تطليقهن طلاقًا جميلًا، ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فانطلق رسول الله ﷺ فبدأ بعائشة، فقال: «إنّ الله قد أمرني أن أخيّركن بين أن تخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وبين أن تخترن الدنيا وزينتها، وقد بدأتُ بك، وأنا أخيّرك». قالت: وهل بدأتَ بأحدٍ منهن قبلي؟ قال: «لا». قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، فاكتم عليَّ، ولا تخبر بذاك نساءك. قال رسول الله ﷺ: «بل أخبرهن به». فأخبرهن رسول الله ﷺ جميعًا، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فكان خياره بين الدنيا والآخرة: أتخترن الآخرة أو الدنيا؟ قال: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فاخترن أن لا يتزوجن بعده، ثم قال: ﴿يا نِساءَ النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يعني: الزنا، ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يعني: في الآخرة، ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا * ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يعني: تطع الله ورسوله، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾: مضاعفًا لها في الآخرة، ﴿وأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا * يا نِساءَ النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ يقول: فجور، ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ يقول: لا تخرجن من بيوتكن، ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ يعني: إلقاء القناع، فِعْلَ أهل الجاهلية الأولى. ثم قال جابر لأبي سعيد: ألم يكن الحديثُ هكذا؟ قال: بلى١
٤
عن أبي الزبير: أن رسول الله ﷺ لم يخرج صلوات، فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتم لأعلمنَّ لكم شأنه؛ فأتى النبي ﷺ، فجعل يتكلم ويرفع صوته، حتى أذن له. قال: فجعلتُ أقول في نفسي: أي شيء أكلِّم به رسول الله ﷺ لعله يضحك، أو كلمة نحوها؟ فقلتُ: يا رسول الله، لو رأيتَ فلانة وسألتني النفقة فصككتُها صكّة. فقال: «ذلك حبسني عنكم». قال: فأتى حفصة، فقال: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئًا، ما كانت لك مِن حاجة فإلَيَّ. ثم تتبع نساء النبي ﷺ، فجعل يكلِّمهن، فقال لعائشة: أيغرُّك أنّكِ امرأة حسناء، وأنّ زوجك يُحِبُّك؟ لتنتهِيِنَّ أو لينزِلَنَّ فيكِ القرآن. قال: فقالت أم سلمة: يا ابن الخطاب، أو ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وبين نسائه! ولن تسأل المرأة إلا لزوجها. قال: ونزل القرآن: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى قوله: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: فبدأ بعائشة فخيّرها، وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدأتَ بأحدٍ مِن نسائك قبلي؟ قال: «لا». قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ولا تخبرهن بذلك. قال: ثم تتبعهن، فجعل يخيّرهن، ويقرأ عليهن القرآن، ويخبرهن بما صنعت عائشة، فتتابعن على ذلك١
٥
عن عامر الشعبي -من طريق أبي سلمة الهمذاني- قال: نزل على رسول الله ﷺ: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك ان كنتن تردن الحياة والدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة﴾، فخيَّرَهُنَّ رسول اللَّه ﷺ، فاخترن اللَّه ورسوله والدار الآخرة؛ فشكر الله لهن ذلك، وأنزل الله عليه: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك﴾ [الأحزاب:٥٢]١
٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءَ﴾ [الأحزاب:٥١] الآية، قال: كان أزواجه قد تَغايَرْنَ على النبي ﷺ، فهجرهُنَّ شهرًا، نزل التخيير مِن الله له فيهن: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾، فخيَّرهن بين أن يخترن أن يُخلّي سبيلهن ويسرِّحهن، وبين أن يُقِمن إن أردن الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، لا يُنكحن أبدًا، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن لِمَن وهب نفسه له حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ويُرجي من يشاء حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل فلا جناح عليه، ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يحزن ويرضين﴾ [الأحزاب:٥١] إذا علمن أنه مِن قضائي عليهن، إيثار بعضهن على بعض، أدنى أن يرضين؛ قال: ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب:٥١] من ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه، فخيّرهن بين أن يرضين بهذا، أو يفارقهن، فاخترن الله ورسوله، إلا امرأة واحدة بدوية ذهبت؛ وكان على ذلك، وقد شرط له هذا الشرط، ما زال يعدل بينهُنَّ حتى لقي الله١