قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ فلما حضروا النبي ﷺ قال بعضهم لبعض: ﴿أنْصِتُوا﴾ للقرآن، وكادوا أن يرتكبوه مِن الحِرْص، فذلك قوله: ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ يقول: فلمّا فرغ النبي ﷺ مِن صلاته ﴿ولَّوْا﴾ يعني: انصرفوا ﴿إلى قَوْمِهِمْ﴾ يعني: الجن ﴿مُنْذِرِينَ﴾ يعني: مؤمنين١
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ يقول: فلما فرغ من الصلاة ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾١٢
٣
عن زِرّ بن حُبيْش -من طريق عاصم- في قوله: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾، قالوا: صَه١
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: ليس في الجنّ رسالة، إنّما الرسالة في الإنس، والإنذار في الجنّ، قال تعالى: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾١
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾: قد علِم القومُ أنهم لن يعقلوا حتى يُنصِتوا١
تفسير الآية
١٦ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ إلى آخر الآية، قال: لم تكن السماءُ تُحرَس في الفتْرة بين عيسى ومحمد -صلى الله عليهما-، وكانوا يقعدون مقاعد للسمع، فلمّا بعث الله محمدًا ﷺ حُرِسَت السماء حرَسًا شديدًا، ورُجمت الشياطين، فأنكروا ذلك، وقالوا: ﴿وأَنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]. فقال إبليس: لقد حدَث في الأرض حدَثٌ. واجتمعت إليه الجنُّ، فقال: تفرّقوا في الأرض، فأخبِروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء، وكان أول بعْثٍ ركْبٌ مِن أهل نَصيبِين، وهي أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، فاندفعوا حتى بلغوا الوادي؛ وادي نخلة، فوجدوا نبي الله ﷺ يصلي صلاة الغَداة ببطن نخلة، فاستمعوا، فلما سمعوه يتلو القرآن قالوا: أنصِتوا. ولم يكن نبيُّ الله ﷺ عَلِم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن، ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾١٢٣
٢
عن زِرّ بن حُبيْش -من طريق عاصم-: أُنزِل على النبي ﷺ وهو ببطن نخلة: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾، قال: كانوا تسعة، أحدهم زَوْبَعة١
٣
عن زِرّ بن حُبيْش -من طريق عاصم-: كانوا سبعة، أكبرهم زَوْبَعة١
٤
عن سعيد بن جُبير -من طريق أيوب- في قوله تعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾، قال: لَمّا بُعِث النبيُّ ﷺ حُرِست السماء، فقالت الشياطين: ما حُرِست إلا لأمر حدَث في الأرض، فبعث سراياه في الأرض، فوجدوا النبي ﷺ قائمًا يصلّي بأصحابه صلاة الفجر بنخلة وهو يقرأ، فاستمعوا، حتى إذا فرغ ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ حتى ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾١
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، قال: لَقِيَهم بنخلة ليلتئذٍ١
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُريْج- في قوله: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، قال: كانوا سبعة: ثلاثة من أهل حَرّان، وأربعة مِن نَصيبِين، وكان أسماؤهم؛ حسيٌ، ومسيٌ، وشاصِرٌ، وماصِرٌ، والأردُ، وأينانُ، والأحقمُ، وسرقٌ١
٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- في قوله: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، قال: هم اثنا عشر ألفًا، جاؤوا مِن جزيرة الموصل١
٨
عن الحسن البصري -من طريق عوف- في قوله: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، قال: ما شعر بهم رسول الله ﷺ حتى جاءوا، فأوحى الله عز وجل إليه فيهم، وأخبر عنهم١
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾، قال: ذُكر لنا: أنّهم صُرِفوا إليه مِن نينوى. قال: فإنّ نبي الله ﷺ قال: «إنِّي أُمِرْتُ أن أقرأ القرآن على الجنّ، فأيكم يتبعني؟». فأطرقوا، ثم استتبعهم، فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة، فأطرقوا، فقال رجل: يا رسول الله، إنّك لَذو بَدِيئة١. فاتّبعه عبد الله بن مسعود، فدخل رسول الله ﷺ شِعبًا يقال له: شِعب الحَجُون. قال: وخطّ نبيُّ الله ﷺ على عبد الله خطًّا ليثبته به. قال: فجعلتْ تهوي بي، وأرى أمثال النّسور تمشي في دفوفها، وسمعتُ لغطًا شديدًا، حتى خِفتُ على نبيِّ الله ﷺ، ثم تلا القرآن؛ فلما رجع نبيُّ الله قلتُ: يا نبي الله، ما اللّغط الذي سمعتُ؟ قال: «اجتمعوا إلَيَّ في قتيلٍ كان بينهم». فقضى بينهم بالحق. ذُكر لنا: أنّ ابنَ مسعود لَمّا قدِم الكوفة رأى شيوخًا شُمْطًا مِن الزُّط٢، فراعُوه، قال: مَن هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء نَفر من الأعاجم. قال: ما أُرِيتُ للذين قرأ عليهم النبي ﷺ الإسلام مِن الجن شَبَهًا أدنى مِن هؤلاء٣
١٠
قال أبو حمزة الثُّمالِيّ: بلَغنا: أنهم مِن الشيصبان، وهم أكثر الجنّ عددًا، وهم عامّة جنود إبليس، فلما رجعوا قالوا: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]١٢
١١
قال ابن جريج: أخبرني وهب بن سلمان، عن شعيب الجَبائي: أنّ أسماء الجن الذين صرفهم الله تعالى إلى رسوله ﷺ: شاصر، وباصر، وحس، ومس، والأرذ، وأيتان، والأحقم١
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ يعني: وجّهنا إليك -يا محمد- نَفرًا مِن الجنّ ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ نَفرًا من الجنّ، تسعة نَفر مِن أشراف الجنّ وساداتهم مِن أهل اليمن مِن قرية يُقال لها: نَصيبِين، ورسول الله ﷺ ببطن نخْلة يقرأ القرآن في صلاة الفجر١
١٣
عن الزبير بن العوّام -من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة- ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾، قال: بنخلة، ورسول الله ﷺ يصلّي العشاء الآخرة كادوا يكونون عليه لِبَدًا. قال سفيان: كان بعضهم على بعض كاللِّبد، بعضه على بعض١
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق النضر بن عربي، عن عكرمة- ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ الآية، قال: كانوا تسعة نفر مِن أهل نَصيبِين، فجعلهم رسول الله ﷺ رُسلًا إلى قومهم١
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق قتادة، عن عكرمة- قال: صُرِفَت الجنُّ إلى رسول الله ﷺ مرتين، وكان أشراف الجن بنَصيبِين١٢
١٦
عن عبد الله بن عباس-من طريق جابر الجعفي، عن عكرمة- ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾: كانوا من أهل نَصيبِين، أتَوه ببطن نخلة١
نزول الآية
قولانِ
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق زِرّ- قال: هبطوا على النبيِّ ﷺ، وهو يقرأ القرآن ببطن نَخلة، فلمّا سمعوه قالوا: أنصِتوا. قالوا: صَه، وكانوا تسعة أحدهم زَوْبَعة. فأنزل الله: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿ضَلال مُبِين﴾١
٢
عن محمد بن كعب القُرَظيّ -من طريق يزيد بن زياد- قال: لَمّا انتهى رسولُ الله ﷺ إلى الطائف إلى نفرٍ مِن ثقيف، وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير، وعند أحدهم امرأة من قريش مِن بني جُمح، فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله، وكلّمهم بما جاءهم له مِن نُصرته على الإسلام، والقيام معه على مَن خالفه من قومه. فقال له أحدهم: هو يَمْرُطُ١ ثياب الكعبة، إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: ما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟! وقال الثالث: واللهِ، ما أكلّمك كلمة أبدًا، لئن كنتَ رسولًا من الله كما تقول لأنت أعظم خطَرًا مِن أنْ أردّ عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلّمك. فقام رسول الله ﷺ مِن عندهم، وقد يئس مِن خير ثقيف، وقال لهم: «إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عَلَيَّ سِرِّي». وكره رسول الله ﷺ أن يبلغَ قومَه، فيزيدهم عليه ذلك، فلم يفعلوا، وأغرَوا به سفهاءَهم وعبيدهم، يسبُّونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط لِعُتبة وشيبة ابني ربيعة، وهما فيه، فرجع عنه سفهاء ثقيف ومَن كان تبعه، فعمد إلى ظل حَبَلة مِن عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي مِن سفهاء ثقيف، ولقد لقي رسول الله ﷺ تلك المرأة التي مِن بني جُمح، فقال لها: «ماذا لقينا مِن أحمائك؟». فلمّا اطمأنّ رسولُ الله ﷺ، قال: «اللهم، إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المُستضعفين، وأنت ربي، إلى مَن تَكِلني؟! إلى بعيد يتجهّمني أم إلى عدو ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك عَلَيَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة مِن أن ينزل بي غضبك، أو يحلّ علَيَّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك». فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلامًا لهما نصرانيًّا يُقال له: عدّاس. فقالا له: خذ قِطفًا مِن العنب، وضعْه في ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل ذلك عدّاس، ثم أقبل به حتى وضعَه بين يدي رسول الله ﷺ، فلمّا وضع رسول الله ﷺ يدَه، قال: «بسم الله». ثم أكل، فنظر عدّاس إلى وجهه، ثم قال: واللهِ، إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلْدة، فقال له رسول الله ﷺ: «مِن أي البلاد أنت، يا عدّاس؟ وما دينك؟». قال: أنا نصراني، وأنا رجل مِن أهل نينوى، فقال له رسول الله ﷺ: «أمِن قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟». قال له: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ فقال له رسول الله ﷺ: «ذاك أخي؛ كان نبيًّا، وأنا نبي». فأكبّ عدّاس على رسول الله ﷺ، فقبّل رأسه ويديه وقدميه. قال: فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك فقد أفسده عليك، فلمّا جاءهم عدّاس قالا له: ويلك، يا عدّاس! مالك تُقبّل رأسَ هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض خيرٌ مِن هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. فقالا: ويحك، يا عدّاس، لا يصرفك عن دينك؛ فإنّ دينك خيرٌ مِن دينه. ثم إنّ رسول الله ﷺ انصرف مِن الطائف راجعًا إلى مكة حين يئس مِن خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام مِن جوف الليل يصلّي، فمر به نفرٌ مِن جنّ أهل نَصيبِين اليمن، فاستمعوا له، فلما فرغ مِن صلاته ولَّوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا لِما سمِعوا، فقصّ الله خبرهم عليه، فقال: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾٢٣